–    «الفوبيا الإيرانية» صنيعة القوى العالمية وأزمة مفتعلة وغير واقعية

–   الأكاديمي الإيراني سوران خدري: «التقارب الإيراني انتهازي آني قد يتغير في أي لحظة مع تغيير المناخ الدولي لأنه ليس تقاربا استراتيجيا»

كتب أسامة عز الدين

روحاني في عمان
روحانى فى ضيافة السلطان قابوس
اردوغان في زيارة خليجية
اردوغان فى ضيافة الخلايجة
روحاني وامير الكويت
امير الكويت صباح الأحمد فى استقبال روحانى منذ ايام قليلة

أنهى الرئيس الإيراني حسن روحاني زيارته الخليجية إلى الشاطئ الغربي من الخليج العربي، في خطوة غير مسبوقة، وفي أول زيارة خليجية له، بعد أن أزاح الستار قبل لحظات من مغادرته طهران، عن الغموض الذي أحاط الرسالة التي تسلمها من أمير الكويت صباح الأحمد الجابر الصباح، والتي حملها إليه وزير الخارجية الكويتية، في وقت سابق من الشهر الماضي، موضحًا أن زيارته تأتي ردًا على مضمون الرسالة التي حملت «إرادة الدول الست في مجلس التعاون الخليجي لتحسين العلاقات مع إيران، وكذلك حل «سوء التفاهمات» عبر طاولة المفاوضات، فى ظل ظروف إقليمية ودولية ضاغطة على الجانبين، واستجابة سريعة لدعوة «حوار» من الطرف العربي، حسب ما نقلت عنه وكالة «مهر» الحكومية.

وكان الرئيس الإيراني قد مهد لزيارته بخطاب معتدل مع بلدان الخليج، حيث قال عشية الزيارة إن بلاده تسعى لإقامة علاقات طيبة مع جيرانها الخليجيين، ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية عن روحاني قوله: «إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم ولن تحاول أن تفرض عقائدها المذهبية والسياسية على الخليج، وأنها لا تنوي التدخل في الشأن الداخلي لهذه الدول أبدا»، مضيفا أن «العلاقات الطيبة مع الجيران وأمن الخليج هما ركيزة أساسية لسياسات طهران»، وفي محاولته التهوين من الصراع الطائفي في المنطقة، والذي أشعلته السياسات الإيرانية خلال السنوات الماضية قال: «إن الفتنة الطائفية بين الشيعة والسنة هي صنيعة القوى العالمية وأزمة مفتعلة وغير واقعية»، داعيا إلى الوحدة بينهما في قوله:«إنّهم تعايشوا بشكل سلمي معا لمئات السنين»، مختزلا الخلافات بين المذهبين بمجرد «سوء فهم». معتبرا الخلاف بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران «مجرد فوبيا». وفي السياق ذاته أوضح المساعد السياسي في مكتب الرئيسي الإيراني حميد أبو طالبي، عبر تغريدات نشرها على «تويتر» قبل الزيارة مباشرة، أن مبادرة روحاني، جاءت «مؤشرا على ضرورة الصداقة والأخوة الإسلامية والعودة للعلاقات الإقليمية الودية»، كما اعتبرها «ضرورة» لإنهاء الخلافات الدينية والصراعات الطائفية والعنف الإرهابي وقتل الأبرياء والمشردين والتوتر الإقليمي المتزايد في المنطقة، قائلا: «يمكن أن تكون زيارة روحاني “بداية” لوقف تدمير البلاد الإسلامية، وتدمير اقتصاد المنطقة وضياع رأس المال و تحقيق الرفاهية». مشيرا في الوقت نفسه إلى أنها «بشارة لتحقيق التفاهم وتأمين الأمن المشترك والقتال الموحد والإرهاب والعنف والتطرف»، مطالبا دول المنطقة بـ«تثمين هذه الفرصة؛ لأن الفرص تمر مر السحاب ويجب استغلالها».

وفي تعقيبها على زيارة الرئيس الإيراني لعمان، نقلت وكالة “فرانس برس” عن وكالة الأنباء العُمانية، قولها:«إن علاقات وطيدة تربط البلدين». ورأت الوكالة العُمانية أن الزيارة تفرض «تبادل وجهات النظر والسعي الحثيث إلى العمل بكل السبل الممكنة لتعزيز مناخ السلام وفرص التقارب بين دول المنطقة وشعوبها والدفع نحو حل مختلف المشكلات بالحوار». وكانت آخر زيارة لروحاني لمسقط مارس 2014، فيما زار السلطان قابوس طهران أغسطس2013. فيما أفادت وكالة الأنباء الكويتية الرسمية (كونا)، أن نائب وزير شؤون الديوان الأميري، الشيخ علي جراح الصباح أكد في بيان، أن المحادثات مع الجانب الإيراني «استعرضت العلاقات الثنائية بين البلدين والشعبين الصديقين وسبل تعزيزها وتنميتها في المجالات كافة»، مضيفا أن «المحادثات سادها جو ودي عكس روح التفاهم والصداقة التي تتميز بها العلاقات».

حقائق جيواستراتيجية

وفي تعليقه على الزيارة أعرب نائب وزير الخارجية الكويتية، خالد الجار الله عن أمله في أن تسهم زيارة روحاني في دعم تحقيق الحوار بين دول الخليج وإيران، موضحاً أن «الأسس المطلوبة لهذا الحوار متمثلة في عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول المجلس، واحترام سيادتها، والحرص على علاقات حسن الجوار، وهي مبادئ نص عليها ميثاق الأمم المتحدة».

ويبدو أن إيران قد راهنت في محاولتها مغازلة الدول الخليجية على سلطنة عمان ودولة الكويت، بعد أن قطعت السعودية والبحرين علاقاتهما الدبلوماسية مع إيران في يناير عام 2016، على إثر الاعتداء على السفارة السعودية في طهران واستدعاء الكويت وقطر والإمارات سفراءها، تضامنًا مع الرياض، وقيام سلطنة عمان بإبداء الأسف فقط!، وكذا عدم استطاعة المسؤولين الإيرانيين عبر التصريحات الداعية إلى الحوار مع السعودية تحقيق نتيجة عاجلة لاختراق الموقف الخليجي المتشدد تجاه بلاده؛ فكان على الرئيس روحاني التوجه إلى سلطنة عمان والكويت؛ بحثا عن مخرج، خاصة أن هاتين الدولتين هما الوحيدتان من بين دول التعاون المستعدتان للتواصل على أعلى مستوى مع النظام الإيراني، وهو ما أوضحته أوساط خليجية بأن روحاني لجأ إلى الكويت، الذي يحتفظ معها بعلاقات جيدة، رغم مشاركتها بلدان الخليج غضبها على الممارسات الإيرانية، حيث تتضافر حقائق جيواستراتيجية وأوضاع داخلية تدفعها إلى الوقوف في منتصف الطريق بين بلدان الخليج وإيران، من ضمنها قربها الجغرافي من العراق، والذي تسيطر عليه الأحزاب والميليشيات الشيعية الموالية لإيران، خصوصا، وأن المجتمع الكويتي لا يسلم من صراع بين قوى سلفية سنية، وأخرى شيعية، وهي ورقة قابلة للتوظيف ضد الكويت من قبل إيران، وهو ما ثبت من خلال قضية تهريب وتخزين أسلحة بالكويت عن طريق ما يعرف بـ”خلية العبدلي”، التي ثبت تورّط الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني فيها؛ وهو ما يفسر زيارات أمير الكويت الرسمية إلى إيران، والتي كان آخرها يونيو 2014. ولعل هذا ما دفع بلاده للعب دور الوسيط لحل هذه الأزمة، غير أن هذه الأوساط رجحت أن حسابات إيران ستكون مخطئة، ذلك أن الكويت لا يمكن أن تقوم بأي دور فعال معها دون الحصول على ضوء سعودي أخضر. أما سلطنة عمان، فتحتفظ بعلاقات متينة مع إيران جعلتها في ملفات وقضايا كثيرة تخرج عن الإجماع الخليجي، وتغرد خارج السرب على غرار الملف اليمني، وإن كانت مسقط أعلنت انضمامها، مؤخرا إلى التحالف الإسلامي ضد الإرهاب، الذي شكلته السعودية في خطوة اعتبرها محللون متأخرة جدا، إلا أنها تعتبر بمثابة “رسالة من عمان”؛ لتأكيد بقائها ضمن الصف الخليجي. ولا يخلو هذا النهج من إحراج لمسقط، التي بدت في أحيان كثيرة، إزاء معادلة صعبة تتمثّل في سياسة “مسك العصا من المنتصف”، ما بين الحفاظ على علاقاتها مع إيران، وفي الوقت نفسه عدم فقدانها لمحيطها الخليجي، ولا يخفى على أحد الدور العماني في مفاوضات التوصل للاتفاق النووي بين إيران ودول 5+1، حيث استضافت محادثات سرية جمعت طهران وواشنطن إلا أنه في الوقت ذاته يبدو أن مواقف إدارة الرئيس ترامب الصارمة من طهران، قد تقلل الدور العماني كوسيط بين إيران والغرب، أو تلغيه؛ ما قد يدفع عمان إلى التقرب أكثر من الحاضنة الخليجية.

وفي حين رأى مراقبون أن الزيارة شق للصف الخليجي، وسارعوا باتهام عمان والكويت بالخروج عن الإجماع حول الدور الإيراني المشبوه في المنطقة، بل وذهاب البعض في تحليلاته بعيدا فتحدث عن أزمة بين الأشقاء، وربما تحالفات جديدة ستظهر قريبا، كانت إيران لها وجهة نظر خاصة تتوافق مع سياستها، فالرئيس الإيراني نفسه يستبعد أي دور وساطة لعمان والكويت، وصرح بعد زيارة وزير الخارجية الكويتي لطهران الشهر الماضي، أن الكويت تقوم بمحاولة للمصالحة وليس الوساطة، على اعتبار أن التصالح يكون على اختلافات، بينما الوساطة تبحث في الخلافات، وهو لا يريد أن تعترف به بلاده.

وتزامنا مع سياسة طهران طرق الأبواب الخليجية، وإعلانها عن زيارتها المرتقبة، بدأت في العاصمة الجزائرية، أعمال الدورة الـ 12 للجنة المشتركة العليا بين الجزائر والمملكة العربية السعودية، غير أن هذه الزيارة، وإن كانت تحمل طابعا اقتصاديا واستثماريا، إلا أنها لا يمكن أن تُقرأ بمعزل عن التجاذبات السياسية والدبلوماسية التي تخيم على المنطقة، بعد إعلان طهران عن زيارة مرتقبة للرئيس الإيراني حسن روحاني للجزائر، وشروع حكومتي البلدين في التحضير لسلسلة من الاتفاقيات المتنوعة، بما يعد استفزازا دبلوماسيا للرياض، في ظل مساعي طهران لنقل نفوذها إلى المنطقة، ودخول سياسة تصدير الثورة والتمكين للمذهب الشيعي خارج حدودها.

وفي الوقت الذي اعتبر البعض أن هذه الزيارة، مؤشرا على ذوبان الجليد بين ضفتي الخليج، ومحاولة لتطويق «الحرب الباردة» بينهما، رأى آخرون أن ما أسمته إيران بــ«سوء التفاهمات»، وإنهاء لحالة «الفوبيا الإيرانية» بينها وبين جيرانها الخليجيين، يعد اختزالا للملفات الخلافية العالقة بينها و بين دول مجلس التعاون، وقفزا مخلا فوق الحقائق، التي تشهد بأن إيران لعبت بقوة من أجل اختراق الأنظمة العربية وخاصة الخليجية، وغذت ذلك بتصرفاتها وتدخلاتها في شؤون دولها لزعزعة الاستقرار بالمنطقة، وهو ما لا يمكن التغاضي عنه أو نسيانه بهذه السهولة، لمجرد خروج تصريحات تستخدم لغة دبلوماسية تدعو دول الخليج إلى «اغتنام الفرصة» التي لن تتكرر من أجل الارتقاء بمستوى العلاقات، بعد ما اعتبرته إيران مجرد “فوبيا”، و”سوء فهم”، متغاضية عن كل أفعالها، غير أن بروز توصيف خليجي واقعي، يطالب «بترميم العلاقات» بين الجانبين، في مقابل التوصيف الإيراني للأزمة، يعد إدراكا جيدا للأمور.

فالدور الإيراني كان حاضرا بقوة، خاصة بعد توقيع الاتفاق النووي بين طهران والدول الخمسة الكبرى، وهو ما اعتبرته طهران «صفقة تاريخية»، فقد كانت هي الرابح الأكثر فيه، كما اعتبرته بمثابة تصريح أمريكي بإطلاق يدها في الإقليم، والمنطقة لتعزيز نفوذها والقيام بدور الشرطي، وكان هذا الاعتقاد سببا في خلق حالة الجفاء بين الطرفين، وهو أيضا ما تمت صياغته من خلال تصريحات المسؤولين الإيرانيين، وتمت ترجمته لأفعال عدائية، وتدخل في شؤون دول المنطقة، إلا أن الانتخابات الأمريكية الأخيرة، والمفاجأة التي نتجت عنها من فوز لدونالد ترامب ذي الاتجاهات المتشددة تجاه إيران، وإعلانه عن نيته إعادة النظر في الاتفاق النووي، وفرض عقوبات عليها ومنعه الإيرانيين من دخول الولايات المتحدة، كل ذلك دفع الإيرانيين لانتهاج سياسات جديدة حيال قضايا المنطقة، خشية تعرض اتفاقها النووي لأي محاولات تعثر في تطبيق بنوده، أو تعرضها لأي عقوبات محتملة، إلى جانب موقف واشنطن الصارم منها، وهو ما ظهرت بوادره في تفعيل التعاون الخليجي الأمريكي؛ لمحاصرة السياسات الإيرانية في المنطقة، وهو ما أثار قلق طهران، ودفعها إلى للعب بورقة الحوار والمصالحة مع جيرانها؛ بعد أن أدركت أنها في حاجة ضرورية لتقليل الاحتقان، وتجنب العزلة الإقليمية، وتطوير علاقاتها التجارية، خاصة في ظل سعي إدارة الرئيس الأمريكي الجديد إلى العودة بعلاقات بلاده مع إيران إلى مرحلة ما قبل الاتفاق النووي، ظهر ذلك في وصف ترامب إيران بأنها «الراعي الأول للإرهاب في العالم»، والتلويح مؤخرا بإدراج الحرس الثوري الإيراني على “قائمة التنظيمات الإرهابية”.

واعتبرت أوساط خليجية أن ما كتبه مدير مكتب روحاني، بمثابة صرخة تطلقها إيران لإقناع دول الخليج بأنها جادة هذه المرة في فتح قنوات الحوار، وهو ما يكشف عن حالة ضعف وارتباك بسبب إحساس الإيرانيين بوجود تطورات إقليمية ودولية ليست في صالحهم. كما أن فرص التأثير على الموقف الخليجي ضعيفة، والتعويل على الوساطة الكويتية والعمانية دون خطوات عملية في ملفات اليمن والبحرين ولبنان وسوريا والعراق غير كاف.

تطورات إقليمية ودولية

فطهران تدرك جيدا دور التحالف الأمريكي الخليجي الهادف إلى تطويق دورها، ولذلك تحاول منع تفعيل هذا التحالف بتبديد مخاوف الخليجيين، وسيضم الحلف العربي الأمريكي المزمع دول الخليج العربي الست، بالإضافة إلى المغرب والأردن ومصر، وهي الدول الأكثر اعتدالا، في مواجهة الإرهاب الفارسي المتمثل في إيران، وتهديداتها وغطرستها. ويبدو أن إيران التي لم تستجب في السابق لدعوات خليجية إلى التهدئة، غير إيران اليوم بعد أن تغيرت الموازين، وهو ما أكده الأكاديمي الإيراني سوران خدري من أنها «تحاول امتصاص الضغط الأمريكي، عبر الانفتاح على دول الخليج العربي وتقديم تنازلات كوسيلة للهروب إلى الأمام»، موضحا أن «التقارب الإيراني هو توجه براغماتي وانتهازي وربما آني، وقد يتغير في أي لحظة مع تغيير المناخ الدولي نظرا لكون هذا التقارب مؤقتا وليس تقاربا استراتيجيا».

وعزا الأكاديمي الإيراني هذا التقارب إلى قلق طهران من التحالفات الخليجية الجديدة مع تركيا ولاسيما بعد زيارة أردوغان إلى السعودية وتركيزه على تحالف خليجي تركي لإيجاد مناطق آمنة في سوريا، وهو ما جعل روحاني يتحرك سريعا لتطويق مساعي السعودية وتركيا لبناء ساتر سني يقف في وجه التمدد الإيراني، وهو ما عكسته زيارة الرئيس التركي للسعودية، وتأكيده «أن هناك عنصرية فارسية تساق في العراق وسوريا ويجب التصدي لها».

وكانت الصحف الإيرانية المقربة من روحاني أعربت عن تفاؤلها تجاه تصدع السور الذي ارتفع بمقاييس غير مسبوقة في جيرانها العرب منذ تفجر الربيع العربي، والعودة إلى مشاريع تصدير الثورة التي تمثلت بإطلاق مشروع «الصحوة الإسلامية» برعاية مستشار خامنئي في الشؤون الدولية، فخلال الأسبوع الماضي، أعلن الرئيس الإيراني دعمه لمقترح الزعيم الإصلاحي محمد خاتمي، وفق ما ذكرته وسائل إعلام إصلاحية، وجاءت المبادرة نتيجة الإحساس بعودة شبح الحرب إلى إيران مع وصول الرئيس الأمريكي الجديد، والتحرك البريطاني في تعزيز العلاقات مع دول الخليج.

 من جانب آخر فإن هذه الزيارة تأتي وفي ذهن الرئيس الإيراني الانتخابات الرئاسية القادمة، والذي يتطلع للفوز فيها بأربع سنوات جديدة، وبذلك لا يرغب في أن يكون صاحب أسوأ سجل في توتر العلاقات مع الجيران الخليجيين، لذا يأمل في تحسين العلاقات وتعزيز فرص حكومته الاقتصادية قبل توجيه أول خطاب انتخابي له خلال حملة الدفاع عن كرسي الرئاسة، حيث ترى حكومته أن طريقها لتشجيع الاستثمار الأجنبي يمر عبر التهدئة مع دول الخليج، وهو ما يبدو أنه أخفق فيه عبر السنوات الماضية، على الرغم وعوده بخروج إيران من العزلة الإقليمية والدولية  وتخفيف حدة التوتر في ظل الرفض الإيراني للتجاوب مع مطالب الدول العربية بوقف تدخلاته في شؤونها الداخلية، وهو زاد مستوى التنسيق بين دول الخليج للتصدي للمشروع الإيراني، وتحديدا بعد إعلان عمان موقفها من الانضمام إلى التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب، والمناورات العسكرية والأمنية بين دول الخليج، والتعاون الأمني لمواجهة تدخلاتها، وكان آخرها القمة السعودية البحرينية، وما ترجمته من تنسيق وتعاون للتصدي لأي محاولات اختراق أو تهديد استقرار البحرين

مطالب مشروعة

وبالنسبة للخليجيين يظل مثل هذا الخطاب مجرد شعارات تحتاج إلى خطوات عملية من طهران بتغيير سياستها مع دول الجوار، وخاصة الملفات الساخنة في اليمن وسوريا والعراق. فقد فعلها من قبل هاشمي رفسنجاني، ومحمد خاتمي، وفعلها أحمدي نجاد، في مراحل مختلفة، ولم يتغير شيء، تفاديا للصدام مع الغرب. فلماذا عليهم أن يصدقوا إيران الآن؟ ولماذا يجب عليهم اغتنام الفرصة الطيبة، التي «لن تتكرر»؟.

الحقيقة، أنه من العبث تصديق إيران بناء على تصريحات، أو زيارات؛ فتاريخ المنطقة يقول إن الطريق الصحيح لتصويب العلاقات بين إيران ودول الخليج يبدأ بالأفعال، ومن إيران نفسها، وليس الشعارات؛ ولأن البعض يتناسى؛ فلا بد من التذكير هنا بأن الرئيس روحاني، نفسه، هو من اعتذر عن عدم تلبية دعوة الحج التي قدمتها له السعودية عام 2013، وهي الدعوة التي بثتها وكالة أنباء «فارس» الإيرانية، وقالت حينها «إن روحاني لم يعلن عن قراره النهائي حول الاستجابة لدعوة الملك السعودي للمشاركة في مراسم الحج»، مضيفة أن روحاني سيتخذ القرار النهائي بعد ختام زيارته نيويورك للمشاركة في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقتها قرر روحاني ألا يلبي دعوة الحج، واليوم نجده يحاول أن يطوف في الخليج خشية من مرحلة ترمب،

وإذا كان الرئيس روحاني يقول: إن «العلاقات الطيبة مع الجيران وأمن الخليج هي ركيزة سياسات إيران»، فلماذا لم ير أهمية هذه الركيزة إلا الآن؟ ولماذا لم يزر الخليج منذ العام 2013؟ الإجابة معروفة بالطبع، كما أن لدول الخليج أسئلة واستفسارات كثيرة موضوعية أخرى حول دور إيران السلبي في كل من العراق وسوريا ومحاولة استنساخ “حزب الله” جديد في اليمن. ويجب على إيران الإجابة تقديم إجابات واضحة وصريحة تتبعها خطوات عملية

كما ينبغي أيضا أن يسأل الخليجيون أنفسهم عدة أسئلة أولا، قبل التعويل على إيران مثل.. هل يستطيع النظام القائم أن يتحمل الأثمان الباهظة التي لا بد أن يدفعها مقابل مصالحة حقيقية مع دول الجوار تقتضي، أول ما تقتضي بالتخلي عن فكرة تصدير الثورة إلى دول المنطقة بقوة السلاح؟.. وهل سيغلق روحاني مراكز تدريب الميليشيات الطائفية من سوريا واليمن ولبنان والعراق وأفغانستان؟.. وهل يستطيع إلزام المرشد الأعلى، ومن وراءه بالموافقة على اتفاق مصالحة حقيقية مع دول الجوار والمنطقة؟.. وهل سيأمر حرسه الثوري وميليشياته الطائفية بالخروج من سوريا؟.. وهل سيقطع علاقته مع حزب الله، ويوقف مده بالمال والسلاح؟.

بصراحة شديدة فإن ما نتج أو ينتج عن زيارة حسن روحاني لدول الخليج العربية، فإن إيران لن تخرج من سوريا، ولن تترك العراق للعراقيين، ولا لبنان للبنانيين، ولا اليمن لليمنيين، ولا البحرين للبحارنة، ولا السعـودية للسعوديين، ولا الكويت للكويتيين، كما أكد الكاتب السعودي ورئيس التحرير السابق لصحيفة “الشرق الأوسط”، طارق الحميد أنه «لا يتوقع مواطن واحد، من الخليج إلى المحيط، بعد كل الذي جرى وصار، أن تتمخض هذه الزيارة عن شيء ذي قيمة»، وليس ثمة فائدة واحدة يمكن جنيها ألا وهي «البرهنة على أن عنجهية النظام الإيراني لا يبطـُل مفعولـُها إلا عندما يشعر بخطر داهم»، وهو ما يتطلب من قادته، متشددين وإصلاحيين، أن يلجأوا إلى “التقية والانتهازية”، على طريقة “تمسكن إلى أن تتمكن”، ففي أجواء الإدراك الأمريكي المتأخر في عهد الإدارة الجديدة لحقيقة كون النظام الإيراني بؤرة القلق والتوتر في المنطقة، وأنه مموّل الإرهاب الأول، بنوعيه، السني والشيعي معا، وفي ظل إصرار الإدارة الجديدة على مواجهته لحماية مصالحها في المنطقة، كان طبيعيا أن يتواضع المرشد الأعلى، ويحمل رئيس الجمهورية “بشارة” تفاهم مع دول الخليج، لتحييدها..فعل ستعي الدول الخليجية الدرس؟.

اترك تعليق