كتب: أسامة عز الدين

لم يتوقف الجدل حول الزيارة المفاجئة التي أجراها وزير خارجية المملكة العربية السعودية، عادل الجبير، إلى بغداد، بعد قطيعة استمرت طويلا، بلغت ما يقارب الـ “ربع قرن”، على إثر احتلال العراق لدولة الكويت، وهو ما فتح باب التكهنات السياسية للبحث عن أسباب الزيارة ودوافعها، وهل تأتي في إطار المشروع الأمريكي لرسم خارطة الطريق الجديدة، التي يقوم بتحديد ملامحها، الرئيس الأمريكي ترامب في سعيه لإنشاء «تحالف دولي»؛ لتحجيم الدور الإيراني المتسارع في المنطقة، والذي يضم “الولايات المتحدة، إسرائيل، تركيا، السعودية، قطر، الأردن، ومصر”، لكي يتم تطويق إيران، وهو ما استلزم إدخال العراق في هذه المنظومة أو على الأقل تحييده، ولن يتسنى ذلك إلا عن طريق المملكة، لأن أمريكا تدرك حجم الثقل السعودي على المنظومة الخليجية والعديد من الدول العربية. وهو ما اتضح جليا من خلال تعليق هوشيار زيباري، القيادي في الحزب الديمقراطي الكوردستاني في تعليقه على الزيارة، حيث نشر على مواقع التواصل يقول« شكرا لأصدقائنا الأمريكيين»، وهو ما يعد اعترافا ضمنيا بوجهة النظر السابقة. أما أنها تأتي من قبيل «فتح صفحة جديدة للعلاقات بين البلدين»، و تنسيق الجهود لمواجهة الإرهاب ودعم استقرار المناطق المحررة من قبضة داعش، والتطلع إلى فرص أفضل لدعم التبادل التجاري، وهو ما ظهر من تصريحات المسئولين الرسميين على الزيارة.

وفي مشهد يعكس الرغبة السعودية في تجديد الدماء وتحريك المياه الراكدة، بعيدا عن الأسباب والدوافع، بدأ الجبير برفقة «فريق عمل أمني واقتصادي سعودي» زيارة إلى بغداد، التقى خلالها نظيره إبراهيم الجعفري، ورئيس الوزراء حيدر العبادي والجمهورية فؤاد معصوم ومجلس النواب سليم الجبوري.

وفي تعليقه على الزيارة عبر الجبير عن سعادته بزيارة العراق لأول مرة، مؤكداً أن «الروابط التي تجمع البلدين كثيرة، وأنها تأتي لإعادة العلاقات الثنائية إلى مسارها الصحيح»، مشددا على أن الرياض تقف على مسافة واحدة من كل المكونات العراقية، ومهنئن العراقيين بلإنجازات التي تم تحقيقها في مواجهة الإرهاب، مؤكداً في الوقن ذاته على رغبة البلدين في القضاء على الإرهاب، وفي تصريحات للصحفيين في أعقاب لقائه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ونظيره العراقي إبراهيم الجعفري، وصف الجبير اللقاءات «بالإيجابية والبناءة»، وقال إنه «استعرض عدداً من المواضيع المشتركة مع وزير الخارجية العراقي، متطلعا إلى تكرار زيارته إلى العراق مرة أخرى قريبا».

فرصة ثمينة

من جهته، أكد وزير الخارجية العراقي، إبراهيم الجعفري أن العراق يؤكد حرصه على إقامة أفضل العلاقات مع المملكة، تفعيلا للمصالح، ودرءا للمخاطر المشتركة. قائلا: «علينا أن نستحث الخطى ونستمر بالحوارات»، كما ثمن رئيس مجلس النواب العراقي، سليم الجبوري الزيارة، في بيان نشر على موقعه الإلكتروني، موضحا «أنها تأتي لتوسيع آفاق التعاون المشترك بين البلدين الشقيقين»، إلى ذلك عد رئيس كتلة الحل البرلمانية النائب محمد الكربولي، زيارة وزير الخارجية إلى العراق بأنها «تأكيد لعمق العراق العربي وفرصة ثمينة لتجسير العلاقة وإعادة بناء الثقة بين البلدين»، مضيفا إنها تتزامن مع انتصارات العراق على الإرهاب، فيما أكد السياسي العراقي البارز صفا الموصلي أن السعودية دائما تحرص على استقرار ودعم المنطقة والعراق، غير أنه ألقى باللوم على إيران التي أفسدت من خلال وكلائها كل الجهود المخلصة لتحقيق الاستقرار، مشيرا إلى وجود قوة سياسية عراقية كبيرة تؤيد مواقف المملكة، معربا عن أمله أن يكون هناك دور خليجي أكبر في دعم حكومة وطنية عراقية غير مرتبطة بإيران ولا بمشروعها الطائفي العنصري.

وعن أهم القضايا التي تناولتها الزيارة، فكانت التعاون في محاربة الإرهاب وأفكاره التي تؤثر على عموم المنطقة والعالم، بحسب بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي، والذي أكد أن الجانبين بحثا كذلك محاربة إرهاب داعش، والانتصارات التي حققتها القوات العراقية في معركة تحرير الموصل، فيما كشف الجعفري وفقاً للبيان، أنه «كلَّف وكيل وزارة الخارجية العراقية بزيارة المملكة قريباً لمتابعة المسائل الفنية الخاصة بتفعيل المباحثات بين بغداد والرياض وعلى الصعد كافة”.

تكتم سعودي

غير أن هناك من رأي أن هذه الزيارة لم تكن مفاجئة، وأنه تم استباقها بمشاورات استمرت لشهور، بين رئيس جهاز المخابرات العراقي مصطفى الكاظمي، والدبلوماسي الأمريكي المخضرم زلماي خليل زادة، والجنرال الأمريكي المتقاعد ديفيد بترايوس، مع مسؤولين سعوديين بارزين، وهذا ما تبناه اتحاد القوى «السنية» في تصريحات لأحد القياديين البارزين فيه والتي نشرت في صحيفة “العرب”، مؤكدا أن الزيارة كان مخططا لها منذ وقت ليس بالقصير، مضيفا أن «الأمريكان لعبوا دورا كبيرا في ترطيب العلاقات بين بغداد». كاشفا أن جدول أعمال الجبير كان على رأس أولوياته، استماع الرياض لوجهة نظر بغداد بشأن المستقبل السياسي للبيت السني العراقي، بالإضافة إلى عرض السعودية لتصوراتها حول الوضع في المنطقة في ظل التصعيد الإيراني، فضلا عن محاولة فهم مستوى تأثير رئيس الوزراء السابق نوري المالكي على مجريات الوضع السياسي في العراق

غير أن الخارجية العراقية بددت هذه الهواجس بعد أن كشفت وزارة الخارجية العراقية، عبر المتحدث الرسمي للوزارة، أحمد جمال في بيان، أسباب التكتم على الزيارة موضحا أن اتصالات مستمرة كانت تتم مع الجانب السعودي، وهناك العديد من اللقاءات التي عقدت بين وزيري خارجية البلدين على هامش عدد من المؤتمرات الدولية، غير أن«الجانب السعودي طلب عدم الإعلان عن الزيارة حتى تتم، واحترمنا هذه الرغبة».

تباين المواقف

وعن ردود أفعال هذه الزيارة، على الجانب العراقي، قال رئيس مركز القرار السياسي العراقي، هادي جلو مرعي، في حديث أدلى به إلى وكالة “سبوتنيك”: “إن ردود الفعل متباينة، فهناك من يعتبر المملكة شريكا فيما يعانيها العراق، وأنها سبب رئيسي في تعطيل عودة العراق إلى الواجهة العربية، لكن الحكومة العراقية لديها موقف إيجابي تجاه المملكة وتريد التخلص من صراع المحاور، وهو ما عبر عنه العبادي بقوله «إن العراق لا يريد أن يكون جزءا من هذا الصراع». كما أن هناك بعض الأطراف الشيعية التي ترحب بهذه الزيارة وتعتبرها “فاتحة خير” لمستقبل أفضل في العلاقة بين البلدين، وهو ما أكده مشرق ناجي، القيادي في تيار الأحرار، التابع للزعيم الشيعي مقتدى الصدر، في تعليقه على الزيارة بأنها «تطوّر إيجابي مهمّ يصبّ في صالح العراق».

غير أنه في الوقت الذي وصف فيه إحسان الشمري، المستشار السياسي في مكتب العبادي، السعودية بأنها «تعود للعراق بثقلها العربي المهم»، وأنها جاءت بعد أيام من حراك أمريكي نشط نحو بغداد، تمثل في زيارة، وزير الدفاع الأمريكي إلى العراق، والمكالمة الهاتفية بين ريكس تيلرسون وزير الخارجية الأمريكي والعبادي، واعتبار المحلل السياسي العراقي علي الأوسي أن «مجىء الجبير إلى بغداد تطور جديد في الدبلوماسية السعودية» كانت هناك وجهات نظر أخرى متباينة في الرؤي، قللت من أهميتها، بعد أن أثارت الزيارة علامات استفهام عديدة خاصة لدى عدد ليس بقليل من نواب ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي، والذى بدا ظاهرا من تصريحاتهم حول أسباب الزيارة ودوافعها، حيث قالت النائبة عالية نصيف، إن هذه الزيارة لا تختلف عن زيارات سابقة قام بها عدد من المسؤولين العرب، مضيفة أن «السعودية تنظر إلى العراق من موقع أعلى».

في نفس السياق ذكر النائب، هاشم الموسوي، عن كتلة المواطن بزعامة عمار الحكيم، أن الزيارة تأتي «بمبادرة سعودية لمعالجة اندماج العراق مع الوضع الإيراني»، فيما اعتبر لقمان فيلي، سفير العراق السابق لدى الولايات المتحدة، أن العراق يحتاج إلى أن يخرج من الحصار الخليجي له وزيارة وزير الخارجية السعودي تساعد في ذلك، مقللا من التوصل إلى نتائج سريعة، ومشددا في الوقت نفسه على أن «صدأ العلاقة يحتاج إلى حوار طويل ومستمر لإزالته». ومن جهته، رفض ائتلاف دولة القانون زيارة وزير الخارجية السعودي عاجل الجبير إلى العراق، واعتبرها غير مرحب بها، بعد أن شكك في نوايا الرياض بفتح علاقات جديدة مع بغداد.

جرح غائر

وبعيدا عن الشعارات السياسية، التي تناولتها وسائل الإعلام، مثل أن العراق حامي بوابة الخليج الشرقية،وغيرها من الشعارات الوقتية، لا أحد يستطيع إنكار أن هناك جرحا غائرا في العلاقات السعودية العراقية، منذ فترة ليست قريبة ولأسباب عديدة في محاولة لإخفاء الحقائق، فإن الخلافات مع بغداد قديمة ومتكررة والتي تعود في أغلبها إلى مشكلات الحكم الداخلية العراقية، بحسب ما يقول عبد الرحمن الراشد رئيس تحرير صحيفة الشّرق الأوسط السابق.

  والبحث عن الزعامة ومن يقود الخليج ويتكلم باسمه،وفي وسط هذا ضاعت كثر من الحقائق والثوابت وتغيرت المعادلات السياسية لتصب في النهاية ليس في صالح الطرفين المتناحرين بقد ما استفاد منها الخصم الإيراني، والإسرائيلى ووجد الأمريكان المرتع والملاذ. وهذه الخلافات ليست وليدة لليوم بل تعود لحقبتي الستينيات والسبعينيات، وبالأخص بعد وصول حزب البعث للحكم وشنه حملات دعائية ضد السعودية تحرض على الانقلاب، واحتضانه لمعارضين سعوديين في بغداد، فتوترت العلاقة لنحو عشر سنوات، ولم تتحسن إلا بعد أن قرر صدام حسين الالتفات إلى إيران بعد سقوط الشاه في أواخر السبعينيات، فلم يعد أمام الرياض إلا مساندته بطريقة غير مباشرة، وكذلك فعلت أمريكا، بعد أن وجدت أن الإيرانيين المتطرفين أكثر خطرا من البعثيين، واستمرت العلاقات جيدة حتى انتهت الحرب، فما لبث أن دب الخلافات مرة أخر خاصة بعد تأسيس«مجلس التعاون الخليجي» والذي لم يكن ضمنه العراق، وهو ما اعتبره خديعة، وكرد على ذلك شكل منظمة مضادة سماها «مجلس التعاون العربي»، ثم افتعل الخلافات للحصول على الدعم المالى كثمن لمحاربته إيران نيابة عن دول الخليج، الذي ينبغي عليهم أن يدفعوا الفاتورة، وانتهت هذه الابتزازات باحتلال الكويت، ثم تسارعت وتيرة الأحداث من تحرير الكويت إلى دخول الأمريكان للعراق بزعم وجود أسلحة دمار، وفي كل ذلك بقيت الرياض بعيدة عن الملعب العراقي  بعد أن توجست خيفة من المشروع الأمريكي، وامتنعت عن التعاون معهم، وظلت العلاقات السعودية دبلوماسيا شبه معدومة مع القيادات العراقية الجديدة، حتى لا تعطي الشرعية للنظام الجديد تحت الوجود العسكري الأمريكي، وفي الوقت نفسه لم تكن خصمًا لها. وساءت أكثر في فترة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي. وعندما خرج، وانتخب محله حيدر العبادي، رحبت به السعودية لكن خصوم العبادي من بينهم المالكي، وكذلك إيران، أفلحوا في إضعاف حكومته، ولم ينجح في تطوير علاقاته الخارجية، رغم عودة السفراء. غير أن زيارة الوزير السعودي الجبير لبغداد جاءت في الوقت المناسب لتزيح الستار عن علاقات جديدة ولتمحو أثار فترة من الانكماش السياسي والديلوماسيبين قطبين كبيرين في الخليج ولاعبين رئيسيين في منطقة تعج بالمشكلات.

SHARE

تعليق واحد

  1. مقال متميز ويستحق القراءة بس هناك ملاحظة صغيرة لماذا وضعتم صورة يسري فودة علي المقال ….ايه العلاقة هل هي خطأ ام مقصودة

اترك تعليق