رغم تأكيد دوائر أمنية واستخباراتية دولية عديدة فشل التجربة التى أجرتها طهران، قبل أيام، على صاروخ باليستى متوسط المدى، إلا أن التجربة،التى لم تكن الأولى من نوعها منذ توقيع الاتفاق النووى بين إيران والسداسية الدولية منتصف يوليو/حزيران من العام 2015، قد أثارت جدلا استراتيجيا عالميا حامى الوطيس أعاد بدوره تسليط بدوره الضوء على البرنامج الصاروخى الإيرانى..
و لعلنا لا نبالغ إذا ما زعمنا بأن الدول الكبرى تتحمل جانبا كبيرا من المسؤولية عن اللبس الذى يحيط بتعقيدات التعاطى السياسى والتكييف القانونى للبرنامج الصاروخى الإيرانى .فمن جانب،وقعت تلك الدول فى شرك الانشغال المفرط بالبرنامج النووى الإيرانى ،خاصة مع تزايد المخاوف من وصول إيران إلى مرحلة العتبة النووية التى تؤهلها لإنتاج السلاح النووى فى زمن قياسى،بينما لم تول البرنامج الصاروخى لطهران ذات القدر من الاهتمام برغم أهمية الصواريخ الباليستية ليس فقط كسلاح استراتيجى ،وإنما لجهة قدرتها على حمل رءوس نووية بما يجعلها أداة الإيصال الأخطر لكافة أسلحة الدمار الشامل.
ومن جانب آخر،وانطلاقا من حرصها الشديد على إنجاز الاتفاق النووى مع إيران بشق الأنفس وبأى ثمن قبل انتهاء المهلة الزمنية المقررة،التى لم يكن من الممكن تمديدها مجددا،هرعت مجموعة السداسية الدولية(الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن الدولى وألمانيا) إلى توفير بيئة مواتية لإنجاح المفاوضات من دون أية عراقيل ،ومن ثم لم تتورع عن إرجاء الخوض فى تفاصيل الملفات الشائكة الأخرى،وفى القلب منها بالطبع البرنامج الصاروخى الإيرانى،تلافيا لإفشال المفاوضات النووية وتوخيا لإدراك اتفاق فيينا..
وبناء عليه، اكتفت السداسية الدولية بالارتكان إلى احتواء اتفاق فيينا ومسودة قرارات مجلس الأمن ذات الصلة على نصوص تقلص قدرات طهران الصاروخية، فضلا عن إشارة الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تقاريرها الدورية بشأن مدى امتثال إيران للالتزام بـمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، إلى مخاوف تتعلق بالبرنامج الصاروخى لطهران،كما أبقى مجلس الأمن على العقوبات المفروضة على برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة التي تنص على أن تحافظ الأمم المتحدة على قيود بشأن الأسلحة التقليدية لمدة خمس سنوات، والعقوبات على الصواريخ لمدة ثمانى سنوات.
بيد أن هذا النهج الدولى الانسحابى فى التعاطى مع برنامج إيران الصاروخى قد أفضى إلى نتيجتين خطيرتين :تتجلى أولاهما فى البنود السرية التى انطوى عليها اتفاق فيينا،والتى أعلنت تقارير استخباراتية غربية أنها حظيت بموافقة اللجنة المشتركة التي تشكلت بموجب الاتفاق للإشراف على تنفيذه،وتتألف من السداسية الدولية وإيران ،وهى البنود التى تمنح الأخيرة امتيازات عديدة مهمة تتصل بمواصلة أنشطتها الخاصة بالبرنامجين النووي والصاروخى فى الخفاء،من دون أية مساءلة دولية، أما ثانيتهما، فتتمظهر فى التفسير المتضارب لنصوص الاتفاق النووى، ففى حين ترى طهران أن هذا الاتفاق يجب ما قبله من عقوبات وخصومة بين إيران والغرب،ما يعنى أنه قد طوى كلية ونهائيا صفحة اللجوء لسياسة العقوبات ضد طهران بعد انقضاء العقوبات الخاصة ببرنامجها النووى منتصف يناير2016 ،تذهب واشنطن فى المقابل إلى عكس ذلك،حيث ترى أن الاتفاق لا يمنعها من فرض عقوبات جديدة على إيران حالة ارتكابها أية خروقات ،إن فيما يخص أنشطتها النووية، أو ما يتصل برعاية الإرهاب،أوانتهاك قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان،أو تطوير البرنامج الصاروخى.
أما بخصوص البرنامج الصاروخى،وبينما ترى واشنطن وحلفاؤها أن اتفاق فيينا ومسودة قرار مجلس الأمن 2231 تنصان صراحة على تحديد قدرات طهران الصاروخية، حيث حظرالاتفاق على إيران القيام بأية أنشطة لتطوير برنامجها الصاروخى أو إجراء أية تجارب بهذا الصدد، بموجب”خطة العمل الشاملة المشتركة”، التي تنص على أن تحافظ الأمم المتحدة على قيود بشأن أسلحة إيران التقليدية لمدة خمس سنوات، وأن تبقى العقوبات على برنامجها الصاروخى لمدة ثمانى سنوات.وهى القيود والعقوبات التى جاءت متناغمة مع عدة قرارات كان مجلس الأمن الدولى قد أصدرها بهذا الخصوص،بدءًا بالقرار 1737لعام 2006 ، مرورا بالقرار 1929 لعام2010 ، وصولا إلى القرار رقم 2231 لسنة 2015. وهى القرارات التى تحظر على إيران القيام بأية أنشطة تطوير أو تجارب تتعلق ببرنامجها للصواريخ الباليستية القادرة على حمل رءوس نووية ،كما وضعت الأنشطة الصاروخية الإيرانية ،بشتى صورها،تحت المراقبة المحكمة والمتواصلة من قبل مجلس الأمن ،كما ألزمت المجتمع الدولى اتخاذ التدابير الكفيلة بكبح جماح تلك الأنشطة..
وتأسيسا على ما ذكر آنفا، لم يتورع الناطق باسم البيت الأبيض جوش إيرنست ،فور الإعلان عن بدء تطبيق الاتفاق النووى ثم رفع العقوبات عن إيران فى يناير 2016،عن التأكيد أن تلك الخطوات لن تحول دون فرض عقوبات جديدة علي طهران جراء أنشطة وتجاوزات أخرى تتصل ببرنامج الصواريخ الباليستية،ومن ثم لم تتورع واشنطن عن التهديد بفرض عقوبات جديدة على إيران فى أعقاب إجرائها تجربة فى العاشر من شهر أكتوبر 2015،لإطلاق صاروخ بالستي من طراز”عماد”، المتوسط المدى القادرعلى حمل رءوس نووية. وما إن قامت طهران بإجراء تجربة جديدة فاشلة على صاروخ باليستى متوسط المدى قبل أيام،حتى طالبت واشنطن بعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن من أجل التباحث بشأنها،فيما أعربت فرنسا عن قلقها إزاء استمرار التجارب الباليستية الإيرانية التي تعمق الريبة وتعيق عملية إعادة بناء الثقة التي أرساها اتفاق فيينابين طهران والمجتمع الدولى.
أما إيران من جهتها،فتصر على رفض قرارات مجلس الأمن الخاصة بحظر أية أنشطة لتطوير الصواريخ الباليستية،أو إجراء تجارب عليها،وهو الأمر الذى أرجعه قائد حرسها الثوري إلى تجاوز بعض بنودها ، لاسيما تلك المتعلقة بالقوة التسليحية الإيرانية ،الخطوط الحمر المهمة لطهران.وبدوره،شدد وزير الخارجية الإيراني على أن برنامج إيران الصاروخى ليس جزءا من الاتفاق النووي ،كما أن قرارات مجلس الأمن ذات الصلة تحظرعلى الجمهورية الإسلامية تطوير وامتلاك صواريخ باليستية قادرة على حمل رءوس نووية، بينما لا تتمتع الصواريخ الإيرانية بهذه القدرة.
ويستند النظام الإيرانى فى توجهه هذا على دعم يتأتى من جهتين:أولاهما،الداخل الإيرانى،حيث يحظى البرنامج الصاروخى الإيرانى، الذى ينطوى على أكبر مخزون في المنطقة من الصواريخ البالستية علاوة على برنامج نشط لتطوير قدرات صواريخ كروز،بدعم شعبى ورسمى واسع النطاق،كما يرى قطاع عريض من الشعب الإيرانى فى التجارب الصاروخية أداة ردع تحمل رسائل قوية لواشنطن وأعداء إيران.وفى هذا السياق، وجه 240 نائبا إيرانيا بمجلس الشورى رسالة إلى قائد الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية تحض على ضرورة حماية البرنامج الصاروخي،كما تطالب بمواصلة إجراء اختبارات صاروخية لمجابهة التهديدات الأمريكية. وفى السياق ذاته،جددت طهران رفضها إجراء أية مفاوضات من أى نوع لتقليص ترسانتها الصاروخية،التى وصفها قادتها ب”الدفاعية والرادعة”.أما ثانيتهما،فتتجلى فى موسكو،حيث أعلنت وزارة الخارجية الروسية عقب إجراء طهران لتجربتها الصاروخية الأخيرة على صاروخ باليستى متوسط المدى، أن الإيرانيين لم ينتهكوا قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة ببرنامجهم النووي ، مشيرة إلى أن القرار الأممى رقم 2231 لا ينص على منع إيران من القيام بمثل هذه التجارب، كما اعتبرت موسكو الدعوة الأمريكية لعقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن بهذا الشأن مسعى لتأجيج التوترات.
اللافت أن إصرار واشنطن على سياسة العصا إزاء طهران جراء برنامجها الصاروخى إنما يدفع بالأخيرة نحو مزيد من التشدد والإصرارعلى المضى قدما وبشكل متسارع فى تطوير ذلك البرنامج.فردا على تهديدات واشنطن بفرض عقوبات على طهران بجريرة تجربتها على صاروخ باليستى متوسط المدى فى أكتوبر/تشرين 2016،أمر الرئيس الإيراني حسن روحاني وزير دفاع حكومته،باتخاذ التدابير الكفيلة بزيادة إنتاج إيران من الصواريخ البالستية متعددة المديات،ومن ثم أجرت إيران عددا من التجارب الصاروخية على صواريخ باليستية لاحقا.وفى رد إيرانى على دعوة واشنطن مجلس الأمن الدولي لعقد جلسة طارئة لبحث التجربة الصاروخية الأخيرة ،أكدت خلالها المندوبة الأمريكية على أن الصاروخ الذى تمت تجربته قادر على حمل رءوس نووية،جدد وزير الخارجية الإيراني التأكيد على حق بلاده فى مباشرة تلك الأنشطة، كما حذر الإدارة الأمريكية من مغبة استخدام برنامج إيران الدفاعي كذريعة لإثارة توترات جديدة بشأن برنامجها الصاروخى.

اترك تعليق