كتب: محمود مناع

كانت أفريقيا على مواعيد ممتدة من الاستغلال، وعمليات النهب، تعددت أشكالها وأدواتها عبر تاريخ طويل من العبودية ثم الاستعمار، ثم التبعية، وفرض الوصاية، وأشكال أخرى من الحصا،ر وذلك لضمان عدم الخروج من حظيرة الدول التى تمد يدها للغرب طلبا للعون والغوث، وكأن ذلك كان من صنيعة أنفسنا، وصيغ التخلف التى دائما مايتم تداولها فى الإعلام الغربى، ودعوات من هنا وهناك لإعفاء دول القارة من ديونها، تلك الديون التى كبلت الإرادة الأفريقيه التى ذهبت بالأساس إلى الأعوان والحكام والنخب التى كرست وساعدت على استمرار حالة العوز للشعوب الأفريقية التى عانت ومازالت من ممارسات تلك النخب التى مزقت البقبة الباقية من حلم الاستقلال والبحث عن العدالة والتقدم وتحقيق التنمية تلك القيم التى غابت على واقع ممارسات تلك النخب التى تحمل ولاءات للأصل الإستعمارى الأوروبى فى كل ربوع القارة.

لقد رحل الرجل الأبيض تاركا خلفه رجل أسود الوجه يحمل أصلا أفريقيا فى لونه الذى يحمل فخرا وانتماءا لأجداد عانوا كثيرا للوصول إلى الاستقلال وبذلوا دماءا غالية فى كل أنحاء المعمورة، والقصد هنا بداية من الإسترقاق ثم الاستعمار ثم التبعية التى لم يجنى من وراءها سوى العوز والفقر والمرض والموت تحت نيران الصراعات الأثنية.

كل ذلك وأكثر، والكارثة أن تلك الوجوه التى حكمت أفريقيا بولاءات غربية بيضاء كانت ضحيتها الشعوب الأفريقية التى مازالت تعانى من ويلات التبعية وآثار تقسيمات إستعمارية حافظت على شق الصف القومى والوطنى لصالح القبيلة، أو الدين أو العرق لتفشل الدولة الأفريقية فى جمع الولاء المركزى لدرجة شككت فى حقيقة الدولة فى أفريقيا من الأساس، حيث تشير كل الوقائع إلى هشاشة الدولة وقصور فى القيام بوظائفها وأهم تلك الوظائف تحقيق الأمن والتنمية واستغلال الموارد وعدالة توزيعها وهو أمر لم يحدث حتى الآن.

وعانت أفريقيا من إمتداد هموم شعوبها وتسلط الحكام والنتيجة استمرار المعاناة وعدم تحقيق الأحلام، كل ذلك تم على واقع استمرار استعمار القارة وخصوصا مع الهيمنة الأمريكية على العالم، وفقدان القارة لهامش المناورة فى زمن القطبية الثنائية، ومع تسلط الممارسات الأمريكية وفرض الرأسمالية وقيمها على الدول لم يعد هناك إلا علاقات أشبه ماتكون بعلاقات السيد مع العبيد، وعلى الرغم من قساوة التشبيه إلا أنه يعكس دلالات سياسية واقتصادية وثقافية أقصدها تماما فالكل الآن يسير فى فلك الرأسمالية الطاغية لدرجة جعلت فوكوياما السياسى والمنظر الأمريكى يقول متباهيا بنصر بلاده إن الرأسمالية أصبحت دين العالم الجدبد !

ومنذ صفحة الإسترقاق وبعدها الاستعمار نجد أن العقلية البيضاء منذ قرون، و مازالت حتى الآن تبشرنا بالرخاء والمدنية والحضارة، ولم تحدث، ومازالت القلوب والعقول الأفريقية تنتظر والواقع يؤسس على استمرار حالة العوز والتبعية التى تعمد الإستعمار استمرارها للوصول إلى ثرواتنا التى هى فى الحقيقة سبب من أسباب تقدمه…

وقد عاد الاهتمام الحقيقى بالقارة من جديد على واقع الرغبة فى المساعدة وتقديم الدعم للشعوب الأفريقيه وكأن الماضى يعود.. وسياسات تعكس الوقوف مع الشعوب التى تعانى وتقديم كل مايلزم للوصول إلى التنمية والقضاء على الفقر!

وكل السياسات الدولية تعكس تنافسا فى جوهر المساعدة وباطنة المصالح والثروات التى توجد وبكثرة على هيئتها الإستخراجية أى فى صورتها الخام لذلك فإن تقدم القارة يعنى فى أبسط صورة حسن استغلال تلك الموارد، وإذا ما حدث هذا فهو يفقد الغرب الثروات التى ساهمت فى تقدمه بما فى ذلك الموارد البشرية، أيضا حروب على مناطق النفوذ وشعارات أمريكيه بضرورة الخروج الأوروبى من القارة وتكالب دولى فى أطراف القارة وعمقها للحفاظ على الهيمنة وضمان استمرار تدفق الثروات الأفريقية إلى أقوياء العالم تلك الثروات التى يعرفها العالم جيدا، ويبنى ويحرك سياساته للوصول إليها تحت ضغوط لتحقيق الرفاهية التى غابت عنا ومازالت، وقد كانت كلمات نكروما زعيم غانا الذى مات حلمه بتحقيق العدالة والتنمية والوحدة خالدة عندما قال بأن الإستعمار التقليدى رحل بمعداته تاركا أفكاره، ورجاله، وثقافته، التى ستضمن استمراره فى شكل جديد سماه الإستعمار الجديد الذى يكرس للتبعية والحفاظ على علاقات تضمن حاجتنا إليه ويقصد الديون.

وطرح نكروما الحل الأمثل لمواجهة ذلك من خلال الوحدة حتى لا نصبح دويلات مثل دول أمريكا اللاتينية التى مازالت فى حالة تبعية نتيجة الإنقسامات وعدم الوحدة… وأنا من مصر أقول… كل إستراتيجيات التنمية التى تم الإعتماد عليها عقب الاستقلال لم تأتى إلا بمزيد من التبعية… وأضيف أن انتظار تحقيق التنمية والأمن من غيرنا أحد أهم أمراضنا  فلايوجد من يعرف خصوصيتنا أكثر من أنفسنا وزمن إنقاذ دولة لأخرى لاعتبارات إنسانيه ولى، ورحل.

لذلك علينا الإنطلاق نحو الوحدة والتكامل اقتصاديا ثم سياسيا… لمواجهة غول العولمة ولم يعد لدينا رفاهية فى الإختيار لأن الأمور كلها تسير فى شكل نمطى ينذر بكوارث أخرى فى ظل عالم لايعترف إلا بمن يمتلك القوة والتأثير والفاعلية في العلاقات الدولية… فهل يمكن أن نرى وحدة القارة يوما حتى وإن كان فى شكل كيانات إقليمية فاعلة؟؟

أفريقيا لمن لا يعرف قوية غنية ولكنها مازالت مستعمرة!!

اترك تعليق