كتب: عاطف عبد الغنى
للتاريخ أذكر أن يوسف صديق كان أشجع الرجال تلك الليلة، وكان هو الذى نفذ عملية الاقتحام، والسيطرة على مقر القيادة “قيادة الجيش ومركز الاتصالات الحيوية” رغم أن دوره كان حسب الخطة حماية قوات الهجوم والوقوف كصف ثانٍ وراءها.. هكذا وصف محمد نجيب قائد ثورة 23 يوليو يوسف صديق صاحب المذكرات التالية، أما خالد محيى الدين فقد منحه لقب فارس بينما تحفظ عبد اللطيف البغدادى فى مذكراته، وأشار إلى دوره فقط دون الوقوف عند شخصه وكذلك فعل السادات..
لكن.. بعض المؤرخين أشاروا فى كتاباتهم إلى الدور الشجاع الذى قام به هذا الرجل والذى كان سببًا هاما من أسباب نجاح حركة الجيش ليلة الثورة، وتبقى روايته هو نفسه –بخط يده- عما حدث وثيقة هامة تكشف عنها أكتوبر لتكمل الرتوش والظلال التى تنقص الصورة وتشير للأدوار الحقيقية التى لعبها جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وأنور السادات فى هذه الليلة أو على الأقل تفتح المجال لإعادة النظر فيها.
سوف نجتاز سريعًا محطة انضمام يوسف صديق لتنظيم الضباط الأحرار وتكليفه –وهو قائد وحدة إدارية صغيرة مكونة من 60 جنديا ولا يزيد تسليح أفرادها على البندقية- بعمل هام ليلة 23 يوليو وهو الاستيلاء على القيادة العامة للجيش بكوبرى القبة بينما وحدته كانت تعسكر فى معسكر الهاكستب، وهى مسافة كبيرة كان على الرجل أن يجتاز فيها بوحدته الصغيرة كثيرًا من نقط التفتيش وربما المقاومة فى حالة انكشاف أمر الحركة، وهو ما حدث فعلا يوم 22 يوليو.. لكننا سوف نتوقف عند نقطة هامة وهى أن الرجل كان مريضًا.. يعانى من نزيف حاد فى الرئة يلزمه الفراش وعدم الحركة لمدة ثلاثة أسابيع على الأقل، وأن هذا النزيف فاجأة يوم 20 يوليو وكاد يتسبب فى إلغاء دوره ومشاركته فى ليلة الثورة عندما زاره جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر ووجداه على هذه الحال، لكنه استطاع أن يقنعهما بأنه يستطيع التعامل والسيطرة على هذا النزيف، وأنه إذا استدعت الحالة فسوف يلجأ إلى المستشفى العسكرى بكوبرى القبة وهى على بعد خطوات من مبنى القيادة.
ليلة عمره..!
ويجتاز يوسف صديق فى مذكراته هذه النقطة ليصل مباشرة إلى يوم 22 يوليو ليروى بالتفصيل وقائع ما حدث وحتى صباح يوم 23 يوليو أو كما أسماها –تلك الليلة- فى مذكراته “ليلة عمرى”.
يقول يوسف صديق بخط واضح على ورق من القطع الكبير ص31: “فى صباح يوم 22 يوليو كنت حالسًا فى مكتبى بمعسكر (هاكستب) أفكر فى الطريقة التى أجمع بها ضباطى فى المساء للعودة إلى المعسكر والمبيت به حتى القيام بالعمل، وبديهى أن سرية العمل كانت تقتضى حصر المعرفة فى الضباط المعنيين فقط حتى آخر لحظة ممكنة ضمانا للأمن وعدم تسرب المعلومات، فلم سكن بين ضباط الكتيبة من يعرف أننا سنقوم بالعمل الكبير المرتقب فى هذه الليلة غيرى أنا واليوزباشى (عبد المجيد شديد) الذى كان يلينى فى قيادة القوة”..
ويمضى يوسف صديق يروى وصول ثلاثة ضباط جدد للكتيبة وكيف احتار هل بشركهم فى العمل؟! أو يمنحهم إجازة؟! ثم استقر رأيه على إشراكهم ليروى كل منهم لأولاده وأحفاده أن أول عمل اشترك فيه فى أول يوم لخدمته هو الثورة، ويشرح يوسف صديق كيف اهتدى لسبب يتيح له المبيت فى المعسكر هذه الليلة دون أن يشك أحد من الضباط أو الجنود فى نواياه أو سبب هذا المبيت.
وتم تحديد الساعة السادسة من مساء 22 يوليو لتلتقى قوة الكتيبة خارج المعسكر (ضباط التدريب) فى ميدان صلاح الدين بمصر الجديدة، ولا ينسى يوسف أن يشير إلى حادثة يبدو أنها كانت هامة فى ذاكرته وخشى أن تضيع فى غمرة روايته للأحداث فيقول:”وصلت إلى مكان اللقاء (ميدان صلاح الدين) قبل الموعد بنحو ربع ساعة وتصادف أن كان المكان أمام أجزخانة فطرأت لى فكرة أن أطلب من الصيدلى حقنة ضد النزيف تكون قوية فباعنى الحقنة فرجوته أن يعطيها لى فاعتذر لعدم وجود استعداد فى الصيدلية لذلك، وأشار لى إلى عيادات كثير للأطباء، وأخبرنى بأننى لابد أن فى هذه العيادات من يقوم بذلك، وفعلا توجهت إلى أول عيادة دكتور وقام التومرجى بالمطلوب على خير حال”.
ساعة الصفر
وتجمعت القوة التى تعمل تحت قيادة يوسف صديق فى المعسكر حتى وصل الضابط زغلول عبد الرحمن يحمل معه بطيخة كبيرة وآخر الأوامر من قيادة الضباط الأحرار وهى ساعة الصفر، ويفتح يوسف صديق قوسين كأنه يؤكد عليها: (منتصف الليل) وكلمة السر ويعود ليفتح الأقواس: (نصر) أما السبب فى هذه التأكيدات فهو اعتقاد يوسف صديق الذى يبدو أنه ظل يلازمه حتى توفاه الله أنه كان هناك خطأ ما فى تحديد هذه الساعة ربما عن قصد من الضابط زغلول (رسول القيادة) أو بدون قصد. وفى هذا يقول يوسف صديق: “كانت هى الرسالة التى حملها زغلول إلى _أو التى سمعتها منه_ أو شاء الله أن أسمعها منه على هذا النحو وقابلت زغلول كثير بعد ذلك وبعد نجاح الثورة فكنت أسأله عن حقيقة (ساعة الصفر) التى بلغها لى فكان يبتسم ولا يجيب”.
وقبل ساعة الصفر بحوالى ثلث الساعة جمع يوسف صديق رجاله وقسمهم إلى ثلاث فصائل، وكان قد أمر مرءوسه الضابط عبد المجيد شديد بالاتصال بضابط آخر هو عبد القادر مهنا لتجهيز 40 عربة لورى، فأخبره عبد المجيد أن العربات جاهزة.. بعدها تم توزيع مائة طلقة ذخيرة على كل جندى ووقف يوسف يخطب فى ضباطه وجنوده خطبة قصيرة يستثير فيها حماستهم ويطلعهم على العمل الخطير الذى سوف يقومون به لصالح الوطن، وأصبحت القوة مستعدة للتحرك يتقدمها يوسف صديق فى عربة جيب بصحبة اثنين من ضباطه لكن حدث ما لم يكن فى الحسبان.
-جاء الضابط عبد القادر مهنا بخبر يوسف أن اللواء عبد الرحمن مكى فى طريقه على المعسكر وهو على وشك الوصول، واللواء مكى هذا قائد الفرقة المعسكرة فى الهاكستب ويعمل يوسف صديق تحت قيادته، وتحركه هذا بالطبع هو ضد حركة الضباط الأحرار.
كانت المفاجأة كبيرة وخطيرة!! فلو وصل هذا القائد إلى المعسكر فسوف تكون له السيطرة والكلمة العليا على الجنود والضباط بل على يوسف صديق نفسه، وكان على الأخير أن يتصرف بسرعة وقد تورط فى كل الترتيبات السابقة ولن يستطع التراجع، يقول يوسف صديق ص34:”وفى طريقنا إلى بوابة المعسكر أصدرت تعليماتى إلى سائق العربة أنه فى حالة التقائنا بعربة اللواء فى طريقنا فعليه أن يوجه إليها النور الكبير ويتصدى لها وإيقافها بأى طريقة، وأمرت الضابطين المرافقين لى والسائق معهما أنه فى حالة وقوف عربة سعادة اللواء ينزلون جميعًا من العربة شاهرين أسلحتهم فى وجه القائد، ولا يفتح أحد النيران إلى بأوامر منى، وكنت ليلتها أحل برتا (ماركة طبنجة) بدون خزينة أى بدون ذخيرة وجدتها فى العربة، وعلمت أنها تخص عسكريا يحمل الخزنة معه –غير أنى كنت واثقًا من أن تأثيرها سيكون فعالًا، لأن الحالة النفسية هنا التى تسيطر على كل شىء، والمفروض أن القائد لا يحمل سلاحا فهو يدير المعركة، ولكنى آثرت حملها عند اللزوم لما لها من أثر نفسى فلن يتصور أحد أنها بدون خزنة”.
وبالفعل لم تكد تصل قوات يوسف صديق إلى بوابة المعسكر خارجة منه حتى لمحوا سيارة القائد وقد أطل اللواء مكى منها برأسه يصرخ بصوت جهورى على طريقة السينما،: “وقف عندك ياجدع انتا وهو – وقف عندك فأمر يسوف صديق سائقه أن يدخل فى طريق معاكس حتى يواجه عربة القائد ويوقفها، وهذا ما حدث وتم أسر القائد الذى طلب تأمين حياته فوعده يوسف صديق بذلك وضم سيارته إلى “القول الذاهب” للسيطرة على القيادة العامة تحت حراسة عربة لورى تتبعها مع أوامر بإطلاق النار على عربة اللواء مكى إذا حاول سائقها الخروج من خط السير أو الهرب.
لكن وصول اللواء مكى إلى المعسكر بهذا الشكل أثار تساؤلات عديدة فى ذهن يوسف صديق.. فلماذا يخرج اللواء مكى فى هذا الوقت من الليل ويتجه بزيه الرسمى وعربة القائد إلى المعسكر؟ أو كيف اجتازت سيارته نقط حصار الضباط الأحرار المفروض أنها قامت بحصار الأسلحة المختلفة والمناطق العسكرية لمنع مرور غير الأحرار، وكان اندهاش يوسف صديق يزداد كلما زادت المسافة التى يقطعها من الطريق إلى هدفه لأنه لم يجد أى أثر لقوات الضباط الأحرار على طور الطريق من معسكر الهاكستب حتى دخوله مصر الجديدة، لكن الثقة التى كان قد اكتسبها الرجل فى نفسه وقواته جعلته يجتاز مرحلة الشك ويواصل طريقه ليقابل قائدًا أخر من قواده هو الأميرلاى عبد الرؤوف عابدين قائد ثانى الفرقة الذى اقترب من سيارة اللواء مكى فتقدم إليها ليأمره الأخير أن ينضم له فى سيارته كأنه أراد بذلك أن يقاسمه الخوف والمصير الغامض، ويزيد جرائم يوسف جريمة أخرى .. وكان على يوسف أن يبدو متماسكًا أمام القائدين حتى لا يستردا منه سيطرته على القوات التى كانت تعمل تحت قيادتهما.
ظهور جمال..
كانت الملابسات السابقة كلها تقول ليوسف صديق إن خطة القيام بالثورة لم توضع موضع التنفيذ فماذا يفعل؟! هل يتراجع؟! إن صلته بقيادات تنظيم الضباط الأحرار وواضعى الخطة مقطوعة فمن له بجمال عبد الناصر وكيف السبيل للاتصال به؟!.. مهما يكن الأمر فقد قرر يوسف أن يستولى على مبنى القيادة العامة التى كان قد اقترب منها كثيرًا والدفاع عنها لآخر طلقة وآخر رجل ولم يكن أمامه حل غير هذا، وفى غمرة توتره وضيقه أمر سائق سيارته بالدخول فى طريق خطأ وهو مازال يفكر كيف يتصل بجمال عبد الناصر، ويصف يوسف صديق هذه اللحظات فيقول: “كنت أسير فى ظلمات.. ظلام الليل وظلام الجهل بما يجرى، وكانت أعبائى تزداد على الطريق وصلته بالقيادة التى تدير العمل منقطعة تمام فتمنيت على الله أن أتصل بجمال لعله يلقى بعض الضوء فى هذه الظلمات الحالكة التى منت أسير فيها”.
واستجاب الله لأمنيته، لقد أخبره الضابط المراقب لخلفية “القول” أن القوة توقفت عن التقدم فنزل يوسف صديق من عربته وترجل ليرى ما يحدث، ويواصل يوسف حكايته فى فقرة تالية فيقول: “لم أكد أجتاز عربة الأسرى التى تتبعنى – حتى رأيت أمام اللورى الأول الذى يحمل رجالى جمهرة وسمعت غوغاء فلما أسرعت إلى مكانها وجدت بعض ضباطى وجنودى يحيطون برجلين يرتديان ثيابا مدنية (قمصان بيضاء وبنطلونات) وتجرى بينهم مشادة كلامية حامية، فلما اقتربت لأتبين الوجوه فى الظلام – رأيت عجبًا.. فلقد كان الرجلان (جمال وعبد الحكيم).
وانتاب يوسف أحساس عميق بأن الله يرعاه ويبارك خطواته، فخلصّ -حسب تعبيره- جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر من قبضة رجاله وانتحى بهم جانبًا ليسأل عما استغلق عليه فهمه فأخبره جمال عبد الناصر أن أمر الحركة قد انكشف للملك الذى كان يصطاف فى الإسكندرية وأنه قد اتصل بالقيادة فى القاهرة التى اجتمعت لاتخاذ إجراء مضاد لعمل الضباط الأحرار، فأخبر يوسف صديق عبد الناصر أنه قرر احتلال القيادة وسوف يشرع فى تنفيذ الأمر فورًا، وأسرع إلى عربته الجيب لينطلق بقواته بينما ذهب جمال وعبد الحكيم ليستقلا عربة جمال المدنية ويسبقاه إلى أرض المعركة!!
المعركة
تحت هذا العنوان (المعركة) يبدأ يوسف صديق يروى فاصلا جديدًا فى مذكراته عن وقائع ليلة 23 يوليو.
كانت المسافة بين مبنى القيادة ويوسف صديق وقواته حوالى كيلو مترين أو ثلاثة، وإذا ترجمنا هذا إلى وقت يكون دقائق قليلة ليقطع المسافة بعرباته، وكان على الرجل أن يعيد النظر فى خطته فلا يقتحم القيادة على غرة ويتعرض لمقاومة من الحرس، وربما من الضباط المجتمعين داخلها ردًا على المفاجأة، ولأنه يعرف أرض المعركة جيدًا فقد رسم خطة الاقتحام بدقة وعناية وتتلخص فى الآتى:
·  تقسيم قواته إلى 3 فصائل.. كل فصيلة منها لها عمل محدد.
·  الفصيلتان 1و3 تغلقان الطرق المؤدية إلى القيادة وتمنعان تدخل أى قوات من غير الأحرار.
·  الفصيلة 2 تقوم تحت قيادة يوسف صديق بمهاجمة القيادة العامة ولم ينتظر الضباط والجنود فى العربات أن ينتهى القائد (يوسف صديق) من أوامره وأسرعوا بالقفز من أماكنهم فأمرهم يوسف أن يأخذوا أماكنهم بالخطوة السريعة وشعر أنهم أفقدوه الحنكة التى كان قد دبرها للمعركة..
·  ويدون يوسف ملاحظة هامة وهى أنه وقبل أن يشرع فى اقتحام القيادة لاحظ أن عبد الناصر وعبد الحكيم عامر يقفان على مسافة مبنى القيادة رمز لها فى كروكى الخطة (المنشودة) بالرمز “أ” وهى تقريبًا فى منتصف المسافة بين مبنى القيادة والمستشفى العسكرى العام، ولم يخبرنا يوسف صديق عن سبب وقوفهما على هذه المسافة أو عدم انضمامهما له وهو يقتحم المبنى، المهم أنه عندما وصل يوسف إلى قرب باب القيادة لاقتحامها فوجئ بحراسها يطلقون نيرانهم تجاهه ولم تدم المعركة بين قواته وبينهم أكثر من دقيقتين أو ثلاث نفدت بعدها ذخيرة الحرس واستسلم بعد أن أسفرت المعركة عن قتيلين من كل جانب، بعدها دخل يوسف صديق وأمن الطابق السفلى من القيادة وهم بالصعود إلى الدور العلوى وهو لا يتوقع مقاومة كبيرة من رجال الاجتماع، وفى الوقت الذى كان يوسف يفكر فى قلة عدد رجاله الذين ينفذ بهم عملية الاقتحام (أقل من 10 جنود) فوجئ بالصاغ حسن أحمد الدسوقى يقدم له نفسه هو و20 جنديًا أرسلهم زكريا محيى الدين لتعزيزه.
يوسف الإنسان
هناك نقطة التوقف عندها قد يبدو خروجا على النسق لكن لابد أن نذكرها لأن صاحب المذكرات توقف عندها رغم أنها – قد- تبدو للبعض وخاصة العسكريين حادثة تافهة إذا كانوا يقومون بعمل فى ضخامة ثورة 23 يوليو، لكن يوسف صديق لم يعتبره كذلك ولنتركه يحكى الواقعة بنفسه يقول: “على سلم الدور العلوى –لمبنى القيادة- اعترضنى جاويش وحاول منعى من الصعود، فأفهمته بأنه لا جدوى من مقاومته فأصر على إلا أمر إلى على جثته، كان الوقت مهما والأعصاب متوترة ووجدتنى مضطرًا لأن أطلق عليه طلقة فى رجله حتى يفسح الطريق، ولم أندم على عمل فى تلك الليلة سوى هذا الاعتداء على الجاويش الشجاع الأمين الذى أراد أن ينفذ أوامر قيادته بكل إخلاص، ويؤسفنى أننى علمت بعد ذلك أنه مات مأننى قصدت إصابته ولم أقصد قلته”.
لقد تابع يوسف صديق أخبار الجاويش وهذا ينفى أنه حكى تلك القصة ليدعى الإنسانية والرحمة، ولو أراد لأخفى مصيره واكتفى بذكر إصابته فقط، أيضًا موقفه من قائده حسين فريد –الذى سيأتى ذكره- يلقى ظلالا أكثر على نفسية هذا القائد الإنسان.. بعد عدة طلقات نارية فى باب قاعة الاجتماعات بالدور العلوى لمبنى القيادة اقتحم يوسف وجنوده المكان وبعد أن كان مظلما أضيئ وفوجئ بأربعة مناديل بيضاء ترفرف من وراء (برفان) فى أحد الأركان علامة الاستسلام، ثم خرج المستسلمون وعلى رأسهم الفريق حسين فريد قائد أركان الجيش يتبعه الأميرلاى حمدى هيبة وضابطان آخران برتب كبيرة، ويتوقف يوسف صديق عند شخصية حسين فريد وعن شجاعته ورباطة جأشه فى مواجهة الموقف بل يوجه له تحية ويصفه بأنه أشجع من قابله تلك الليلة ومن المفارقات أن يوسف حاول أن يقابل هذا القائد ليشكو له ما تعرض له من ظلم وقد ظلت محاولاته لمدة عامل كامل قبل قيام الثورة ولم يفلح وفى لحظة صار هذا القائد أسيره!!
ورافقه يوسف إلى باب القيادة ليودعه ويسلمه هو ورفاقه إلى عبد المجيد شديد ليذهب بهم إلى المعتقل.
على الباب أيضًا وجد يوسف القائمقام أحمد شوقى وقد أتى بكتيبة من الجنود متطوعًا للمعاونة ولم يكن يوسف حتى هذه اللحظة يعرف أنه من الضباط الأحرار.
السماء تمطر جنودًا
كان عبد المجيد قد قبض على قوة من الشرطة العسكرية أرسلت لتعزيز حرس القيادة ضد الضباط الأحرار وجمعهم بعد تجريدهم من سلاحهم فى غرفة الحرس (رغم كثرة عددهم) ومن نفس هذه الغرفة سمع يوسف صديق من يناديه ويتساءل لماذا تفعلوا بنا هذا؟ هل نحن من جيش إسرائيل؟!
وتعرف يوسف سريعا على صاحب الصوت إنه جاويش شهم خدم معه فى السودان فأصدر يوسف أوامره بإخراج هؤلاء الجنود من الحجرة المحبوسين فيها وتوزيع سلاح عليهم وإعطائهم واجبات للحراسة وبذلك انضموا لقواته، بعدها بقليل انضم أيضًا له ضابط برتبة صاغ كان قد جاءته أوامر من أركان حرب القيادة (الموالية للملك) بحضوره وبصحبته 50 جنديًا مسلحين بالبنادق ومع كل منهم 100 طلقة.
ويعلق يوسف صديق فى مذكراته على هذا الموقف قائلًا: “وهكذا وجدت أن الله سبحانه وتعالى قد سخر لى كل جندى تحرك فى هذه الليلة سواء بأوامر الأحرار أو أوامر الأشرار ليكون فى خدمة الثورة وتزيدنى قوة فى موقفى الذى كان يعلم وهو علام الغيوب أنه كان خالصا لوجهه وللوطن العزيز”.
كان الرجل قد قرر أن يقوم بدوره الذى وكل إليه ويذهب بعدها للمستشفى لمعالجة النزيف الذى يعانى منه والذى كان يتطلب الراحة التامة، وكان على الأقل قد اطمأن للموقف، فجلس يستريح قليلًا على الدرج الحجرى الذى يتصدر مبنى القيادة وجلس بجواره حسن أحمد الدسوقى الذى أرسله زكريا محيى الدين لتعزيزه، وسأله حسن الدسوقى هل يعرف سبب تأخير قوات الأحرار الأخرى عن القيام بدورها؟ فأجابه يوسف بالنفى فعاد حسن ليخبره أن ساعة الصفر كانت الواحدة صباحًا وليست منتصف الليل، ومعنى هذا أنه هو الذى سبقها فى التحرك بساعة كاملة، وأذهل الخبر يوسف صديق وجعله يفكر لماذا أخبره ضابط الاتصال (زغلول) بهذا الميعاد الخاطئ ولم يجد إجابة ترضيه إلى أنها مشيئة الله وتصاريفه، فلو تأخر الرجل هذه الساعة لوصل اللواء مكى إلى معسكره بالهاكستب قبل تحركة وسيطر على الأمر، أو وصلت فرقة الشرطة العسكرية التى تم الاستنجاد بها إلى القيادة وصعبت مأمورية الاستيلاء عليها.
وهكذا كان الله سبحانه هو الذى دبر وقدر فى هذه الليلة التى يؤكد يوسف صديق فى أكثر من موقع أنها ليلة عمره..
ومن مكانه فى مبنى القيادة يسمع يوسف صديق أجمل وأحلى صوت سمعه فى حياته –حسب تعبيره- صوت أزيز محركات الدبابات التى كانت تعنى تحرك القوات الأخرى، فقام هو و(الأخ) حسن أحمد الدسوقى ليجلسا على مكتب القيادة ولم تمض دقائق حتى جاء من يخبره بوجود ضابطين على الباب يريدان مقابلته وأن أحدهم هو البكباشى جمال عبد الناصر فأذن لهما يوسف بالدخول ولم يكونا إلا جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر يرتديان الملابس العسكرية هذه المرة.. وبعد..
ينهى يوسف صديق هذا الفصل من المذكرات بالعبارة التالية: “وهكذا انتهت هذه الليلة الخالدة (ليلة عمرى)

                                                                                     إمضاء: يوسف صديق

نشرت فى مجلة “أكتوبر” عدد رقم 978- بتاريخ 23/7/1995 

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

 

اترك تعليق