معاملة بريطانيا السيئة لفاروق.. أحد أسباب ثورة يوليو!

رفض عزيز المصرى قيادة تنظيم الضباط الأحرار.. فقبلها نجيب!

حرب فلسطين تكشف لنجيب فساد الملك.. الذى حاول الاستقالة من أجله فى حادث 4 فبراير!

كتب: عاطف عبد الغنى*

لا يزال ملف محمد نجيب مفتوحًا لم يقل التاريخ فيه كلمته الأخيرة فلا تزال هناك شهادات لأحياء عاصروا وعايشوا جانبًا من هذا التاريخ.. بعض من أفراد أسرة محمد نجيب: أخوه د. محمود وابن أخيه اللواء حسن سالم وأحفاده من ابنه يوسف الذين عاشوا مع جدهم جزءًا من حياته فى قصر المرج.. الذى اعتقل فيه ثم فى فيلا كوبرى القبة بعد انتقاله إليها ولم يفارقوه حتى وفاته.. مازال عند هؤلاء كلام وشهادات للأجيال التى لم تعرف أن محمد نجيب كان القائد الرسمى لثورة 23 يوليو وأول رئيس لجمهورية مصر.

اسم الرجل محمد يوسف نجيب من مواليد 20 فبراير 1901، وبعد هذا التاريخ بنصف قرن تقريبًا وبالتحديد ليلة قيام الثورة فى 23 يوليو 1952 تم إعلانه قائدًا عامًا للقوات المسلحة ولم يمض عام آخر حتى كان أول رئيس لجمهورية لمصر ثم أنطفأ الشهاب الذى لمع فى سماء مصر سريعًا، ففى سنة 54 حدثت أزمة مارس الشهيرة بين رئيس الجمهورية ورفاقه الثوار انتهت باختفاء الرئيس ليس من مقر الرئاسة فقط لكن من كتب التاريخ أيضًا، أما تلك الأجيال التى سمعت صوته عبر الإذاعة يتلو بيانات الضباط الأحرار ورأت فى شوارع مصر موكبه البسيط وهو يرد تحيتهم بوجهه السمح المتواضع.. هذه الأجيال تساءلت- فيما بعد- بدهشة كيف انتهى صراعه مع رفاقه الثوار باعتقاله وتحديد إقامته؟

فهل كانت الطيبة هى مفتاح شخصية الرجل؟! أو حبه لمصر حتى أنه آثر سلامتها وتجنيبها حربًا أهلية كانت وشيكة الوقوع بسبب صراعه مع الذين اتخذوه فى البداية أبًا وزعيمًا وارتضوه قائدًا.

ومع أفول نجم محمد نجيب بزغ جمال عبد الناصر وانتقل صراع عبد الناصر ونجيب بعد غيابهما من عالم الأحياء إلى الورق (الصحف والمجلات والكتب) أما الذين أحبوا عبد الناصر فقد هاجموا نجيب لكن الذين تعاطفوا مع نجيب لم ينصفوه حتى نسبه أدخلوا عليه عنصرًا سودانيًا وصار الخطأ من كثرة ترديده كأنه حقيقة، أما أسرته فلم تتح لها الفرصة كاملة لتقول كلمتها فى ابنها محمد نجيب، ليس هذا فقط لكن هناك أيضًا كتاب ألفه نجيب بالإنجليزية سنة 1955 تحت عنوان "مصير.. مصر" وبالطبع صودر الكتاب من مصر فور ظهوره لكننا أثناء رحلة بحثنا عثرنا علي نسخة مترجمة بمعرفة بعض السودانيين المحبين لمحمد نجيب.

ولا أحد يعرف بالضبط لماذا انتشرت شائعة أن محمد نجيب له أصور سودانية لكن اللواء حسن سالم ابن أخت الراحل ينفى ذلك بشدة ويؤكج أن محمد نجيب (خاله) ليس سودانيًا لأمه لكنه مصرى صميم واللبس جاء من أن والد محمد نجيب تزوج سودانية وأنجب منها أبنا ثم طلقها وتزوج من مصرية هى التى أنجبت فيما بعد محمد نجيب، والسودان فى هذا التاريخ _أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين_ كانت تتبع مصر إداريًا وكان الضباط المصريون يذهبون للخدمة فيما بعد تخرجهم فى الكليات العسكرية.. وهذا ما حدث مع يوسف نجيب وابنيه مخمد وعلى فيما بعد، وكان آخر منصب تولاه والد محمد نجيب فى السودان هو مأمورية وادى حلفا وتوفى هناك.. ويحكى محمد نجيب نفسه عن أمه المصرية فى كتابه "مصير مصر" ص16 فيقول "وتزوج والدى مرة ثانية بمجرد رجوعه من السودان وكانت زوجته الثانية هى أمى وأسمها زهرة محمد عثمان يتيمة وابنه ضابط مصرى كان قد قتل فى حصار الخرطوم بعد ساعتين من موت الجنرال غوردون وكان عائلها من المحلة الكبرى وهى غير بعيدة عن التهربة "قرية والد محمد نجيب" وقد كان جدى لأمى البكباشى محمد عثمان يعمل أميرلاى بالنيابة عندما وافاه موته سنة 1885 انتهى كلام محمد نجيب عن أمه المصرية ويكمل شقيقه الدكتور محمود سرد باقى الحكاية فيقول: أثناء وجود محمد نجيب فى السودان ضمن أفراد الأسرة المكونة من ثلاثة ذكور وست بنات علاوة على والدتى وجدتى توفى عائل الأسرة إثر جراحة للزائدة الدودية.. كان أكبر الأبناء محمد نجيب مازال طالبًا بكلية غورجون وهى تكافئ المدارس الثانوية الآن، وكان من يتخرج من المصريين فى هذه المدرسة يعمل بالأعمال الكتابية وغير مسموح له بمواصلة مشوار تعليمه لأن هذا الترف كان مقصورًا على السودانيين والأجانب المقيمين بالسودان فقط ولم يكن أمام الفتى إلا أن يقبل الوظيفة الميرى التى عرضت عليه: كاتبًا فى بورصة هكذا كان المنطق يقول.. لكنه رفض المنعلق وتشبت بحلمه فى أن يكون ضابطًا فى الجيش المصرى مثل أبيه وحده..

وهرب الصبى محمد نجيب من السودان متخفيًا ضمن إحدى القوافل العابرة درب الأربعين.. وفى مصر لجأ إلى معارف وأصدقاء والده الراحل ليساعدوه على الالتحاق بالكلية الحربية حتى أنه قابل السلطان حسين كامل والجنرال "وينجت" معتمد بريطانا فى مصر -فى ذلك الحين- ونجح محمد نجيب رغم العديد من الصعوبات فى التقدم بأوراقه للكلية الحربية وبات ينتظر كشف الهيئة وهو الاختبار الأخير للقبول.. وكاد قلب الفتى ينخلع وهو يرى حلمه يتسرب من بين أصابعه بسبب بوصة واحدة ناقصة فى طوله.. كادت تلك البوصة أن تغير مستقبله كله.. وأثناء القياس أخذ الصبى محمد نجيب يشب على أطراف أصابعه ويفرد بطنه ولم يشفع له فى القبول إلا تقدير أطباء الكلية أن سن الفتى مازالت صغيرة وجسده قابل للنمو.. فى الكلية الحربية مكث محمد نجيب 11 شهرًا فقط تخرج بعدها ملازم "ثان" وتم ترحيله مباشرة إلى السودان كما هو متبع.. فى ذلك الوقت كان شقيقنا الثانى على نجيب قد انتهى أيضًا من دراسته فى كلية غوردون بالسودان والتحث بأحد الأعمال الكتابية لكن شقيقه الأكبر محمد نجيب وقد صار بمثابة العائل والأب للأسرة لم يرض له ما لم يرضاه لنفسه فأخذ أوراقه وقد له للدراسة بالكلية الحربية فى مصر مكث على نجيب يدرس بالكلية الحربية حوالى أربع سنوات ولما تخرج منها ألحقوه هو الآخر بالخدمة فى السودان..

واستمرت إقامة الأسرة بالسودان حتى كان العام 1923 عندما تم استدعاء الملازم أول محمد نجيب لتدريب الحرس الملكى على استخدام المدافع الرشاشة، ومع محمد نقلت الأسرة كلها عن طريق البحر إلى مصر لتستقر بها ولم يمض وقت طويل حتى نقل أخوه على نجيب أيضًا من السودان ليلتحق بالخدمة فى الحرس الملكى هو الآخر.. لكن محمد نجيب لم يستمر فى هذا السلاح طويلًا وطرد من الخدمة فى الحرس الملكى بسبب اتصاله ببعض المناضلين السودانيين.. ورغم حزنه فى البداية بسبب هذا القرار فإنه أدرك فيما بعد أنه كان نعمة وليس نقمة فقد أتاح له وقت الفراغ فى السلاح الجديد أن يواصل دراسته ويحصل على شهادة فى القانون وماجستير فى الاقتصاد السياسى.. وفى سنة 1934 نقل محمد نجيب إلى سلاح خفر السواحل وصار عمله مطاردة المهربين وتجار المخدرات واستطاع أن يكون صداقات مع بدو سيناء والأماكن التى خدم فيها لذلك كانوا يرشدونه على الأماكن التى يختبئ فيها المهربون..

حادث فبراير 1942

واستمر محمد نجيب ينتقل فى المناصب والأسلحة المختلفة للجيش المصرى، كانت طبيعة عمله تسمح بالاشتراك فى التدريبات والمناورات مع الجيش الإنجليزى وبالتالى كان يرصد عن قرب غطرسة واستهزاء المحتل بأبناء وطنه فى داخل الجيش وفى خارجه ومع سنين الحرب العالمية الثانية ازدادت شراسة الاحتلال البريطانى وجنوده فى مصر..

وحدث فى فبراير 1942 أن الملك فاروق رفض إنذار السير مايلز لامبسون السفير البريطانى والذى أمره فيه بتعيين وزارة يرأسها النحاس باشا، وبدلا من أن يزور لامبسون الملك فى قصره فى الساعة التاسعة.

كما وعده أرسل له قوة من الدبابات وبضع مئات الجنود بالسيارات المصفحة اقتحمت بوابة القصر دون مقاومة من حرس الملك وأبلغ المقتحمون جلالته أنه قد صار أسيرًا لدى الجيش البريطانى وخيروه أن يضع إمضاءته الملكية على إحدى وثيقتين: إما وثيقة خلعه من العرش أو تعيين النحاس باشا على رأس الوزارة وبالطبع اختار فاروق التوقيع على الوثيقة الأخيرة.. ولم يحتمل محمد نجيب أن يرى مليكه رمز الكرامة المصرية يهان بهذا الشكل فبعث له المذكرة التالية:"بما أن الجيش لم يعط فرصة فى الدفاع عن جلالتكم فأنى أشعر بالخزى من ارتداء هذا الزى العسكرى وعليه ألتمس منكم أن تقبلوا استقالتى من الجيش المصرى".. ورد الملك على رسالة الضابط محمد نجيب بأن أرسل له ياوره الخاص يقول له:" بما أن الملك قد منع الحرس الملكى من المقاومة فأنه لا يمكن أن يسمح لك بالاستقالة".. ويضحك د.محمود نجيب واللواء حسن سالم ويعلقا على هذه الحادثة: لو كان فاروق يقرأ الغيب لقبل استقالة محمد نجيب قبل أن يتزعم ثورة تخلعه من الحكم بعدها بعشر سنوات.. وعن هذه الحادثة فقد دون محمد نجيب فى مذكراته:"لم يكن سوء معاملة بريطانيا لملك مصر إلا واحدًا من العوامل التى أدت إلى قيام الثورة فيما بعد".

الخال والد

وينتقل اللواء حسن سالم من حديث السياسة إلى الحديث عن الإنسان والأب الخال محمد نجيب.. وقد كانت تربطه علاقة حب ومودة زائدة بخاله منذ طفولته المبكرة يقول عنها: فى هذا التاريخ تقريبًا -منتصف الأربعينات- كان والدى يعمل فى السودان وقد تركنا هنا فى مصر تحت رعاية أخوالنا الثلاثة محمد نجيب وعلى نجيب ومحمود نجيب وكانوا الثلاثة ضباطًا فى الجيس حتى الأخير وهو طبيب بيطرى كان فى ذلك الوقت ضابطًا احتياطيًا.. محمد نجيب بالتحديد كنا نتخذه قدوة حتى أننا كنا نحاول أن نقلد مشيته وأسلوبه فى الحديث، كان يأتى يوم الجمعة من كل أسبوع من منزله فى حلمية الزيتون مصطحبًا ابنته سميحة إلى بين العائلة فى منيل الروضة ويجمع كل أطفال العائلة ويذهب بنا إلى إحدى الحدائق أو منطقة الأهرامات وأحيانًا إلى دور السينما، كان يختار الأفلام التى تنمى صفة الشجاعة، كان هذا حتى العام 1948 عندما غاب محمد نجيب عن ميعاده الأسبوعى الذى كان يأتى فيه بانتظام وعرفنا أنه ذهب ليحارب فى فلسطين..

حرب فلسطين تكشف الفساد الملكى..

ربما كانت حرب فلسطين هى التى فتحت عينى محمد نجيب على مدى الفساد الملكى الذى أصاب كل جوانب الحياة فى مصر وغرق قواد الجيش فى مستنقعه.. هكذا بدأ د.محمود نجيب حديثه عن حرب فلسطين وأضاف.. قبل حرب فلسطين لابد أن نشير إلى محاولة فاشلة للإطاحة بالملك حدثت فى عام 1947 وتزعمها صاغ هو محمد رشاد مهنا وبواسطة رئيس أركان حرب الجيش المصرى وكان اسمه إبراهيم عطا الله تم اكتشاف مؤامرة رشاد مهنا وألقى القبض عليه وأعوانه المتآمرين لكن لم تتخذ ضده أية إجراءات بخصوص التهم الموجهة إليه لماذا؟!

لأن التحقيقات كانت سوف تكشف الفساد فى خدمات تموين الجيش المتورط فيها ليس فقط رئيس الأركان الذى اكتشف المؤامرة –بل الملك نفسه.. إلى هذا الحد كان الفساد قد تمكن.. وفى سنة 1948 لم يكن الجيش المصرى المدرب على خدمة المصالح البريطانية لديه الاستعداد لخوض حرب فلسطين ورغم هذا تورطنا فيها وتم استدعاء البكباشى محمد نجيب قائد أورطة المدافع الرشاشة بالعريش وأرسل إلى الميدان، ورغم كل العقبات ونقص وضعف التسليح أثبتت القوات المصرية بسالة وشجاعة وكان محمد نجيب بالنسبة لجنوده رمزًا ومثالًا للقائد الذى يبدأ بنفسه ويتقدم الصفوف.. اشترك محمد نجيب فى المدة من مايو إلى ديسمبر 1948 فى 21 اشتباكًا، وأنتصرت القوات التى تعمل تحت قيادته فى معركة أسدود الواقعة جنوبى تل أبيب، وكبد العصابات الصهيونية حوالى 450 قتيلًا يمثلون أكثر من 10% من اجمالى قواتهم المحاربة فى فلسطين.. وخرج محمد نجيب من معركة فلسطين بنيشان فؤاد الأول وتوصية بترقية استثنائية إلى رتبة اللواء واصابات ثلاث كادت الأخيرة منها أن تودى بحياته.. بعدها تم سحبه من الميدان وهو بين الحياة والموت حتى أنه أملى وصيته على أحد مرؤسيه قال فيها يخاطب أولاده: "تذكروا أن أباكم مات موتة شريفة وكا آخر أمنياته أن تثأروا لهزيمتنا فى فلسطين وتعملوا لتحقيق وحدة وادى النيل واستقلاله".. ويكمل د.محمود نجيب باقى الحجاية وقد عاش جزءًا منها بنفسه: كنت وقتها ضابطًا احتياطيًا بدرجة ملازم أول وخدمتى كانت فى مستشفى أخلاء الخسائر بالعريش.. وتم استدعائى إلى رفح على وجه السرعة وكانوا قد نقلوا أخى محمد نجيب المصاب أصابة خطيرة من أرض المعركة فى دير البلح إلى رفح.. ولم أكن قد علمت بإصابته إلى عندما وصلت وجدتهم يخيروننى بين أمرين كليهما فيه خطورة على حياة محمد نجيب إما أن ينقلوه إلى العريش خاصة أن لديهم أخبار عن نية اليهود للإغارة على رفح فى تلك الليلة أو يبقى فى العريش وأتحمل أنا المسئولية إذا أصابه مكروه من غارات اليهود..

بالطبع فضلت أن ينقل إلى العريش وبالفعل جاء قطار خصيصا لهذه المهمة، وكان المفروض أن يوصل هذا القطار الجرحى إلى القاهرة وليس إلى العريش فقط لكن حدث أن كسرت إحدى عجلات القطار قبل وصوله الإسماعيلية بعدة كيلومترات فأرسلوا يستدعون النجدة من الإسماعيلية، كنات حالة محمد نجيب قد ساءت من طول الرحلة وصار لا يستطيع أن يتحرك خطوة واحدة بدون أنبوبة أوكسجين تساعده على البقاء حيًا وبينما أنا أجلس عند رأسه أراقبه وجدته يطلب منى وبإلحاح أن أنهض لأساعد فى نقل المصابين من القطار المتعطل إلى قطار النجدة واضطررت أن أذعن للأمر، أما هو فقد أرسلوا من مستشفى الإسماعيلية سيارة إسعاف لتحمله، كان يصطحبنا فى هذه السيارة طبيب شاب أذكر أسمه الأول وهو عمر، وعندما وصلنا إلى مستشفى الإسماعيلية فوجئت أن إدارتها ترفض استقبال المصاب فطلبت من سائق السيارة أن يحمل معى محمد نجيب على النقالة وقلت له لا تأبه لأى اعتراض يقابلنا وتقدمنا به داخل المستشفى فإذا بإحدى الممرضات تشير لنا إلى حجرة خالية بها سريران، وفى هذا المستشفى التابع لفرنسا فى ذلك الوقت وجد محمد نجيب رعاية طبية فائقة، ومن موقعى أيضًا فى هذا المستشفى وكنت أرافق محمد نجيب، رأيت فلول الضباط العائدين من فلسطين يحكون قصصًا وهمية تبرر هروبهم من ميدان المعركة.. ولأيام طويلة كان يتكرر سيناريو واحد كالآتى: محافظ الإسماعيلية يشحن العربات اللورى بالجنود ويرسلها لأرض المعركة ولا يكادون يصلون وبمجرد اطلاق بعض الرصاص عليهم حتى يعودوا من حيث أتوا لقد خسروا معركتهم قبل أن تبدأ..

واستمر محمد نجيب بالإسماعيلية حتى أرسلت لعلى نجيب من هناك واتفقنا على نقله القاهرة، وبالفعل نقل إلى مستشفى العجوزة ليستكمل علاجه وربما ى ساعات الوحدة والتأمل على سرير المرض هى التى أتاحت للضابط العائد من المعركة أن يستعرض ما حدث ويربط بين الهزيمة على أرض فلسطين وأسباب الفساد الضى أستشرى فى مصر بسبب تصرفات الملك وحاشيته، لقد انعكست تلك الحالة على الجيش وتأكد محمد نجيب أنه لا فائدة من صلاح الأحوال.. فى مستشفى العجوزة أيضًا كان يزوره أحد الضباط الصغار الذين خدمو تحت أمرته هذا الضابط الذى كان برتبة الصاغ هو نفسه محمد عبد الحكيم عامر الذى عرفه فيما بعد بجمال عبد الناصر.

الضباط الأحرار..

ويكمل د.محمود نجيب: فى وقت مبكر قبل الثورة عرضت قيادة الضباط الأحرار على عزيز باشا المصرى لكنه رفضها، بعدها عرضت على اللواء صادق ورغم تعاطفه مع هؤلاء الضباط فإنه رفضها أيضًا بسبب انشغاله بصراعه مع حيدر وخوفه على منصبه وهو من كبار رجال الدولة.. وقبل محمد نجيب المخاطرة وتقدم الصفوف حاملًا تاريخه ورتبته ومستقبله ورأسه على كفه.. ويحكى محمد نجيب فى كتابه مصير مصر عن الظروف التى تعرف فيها على جمال عبد الناصر والتى سبقت انضمامه للضباط الأحرار فيقول: "وذات يوم أحضر عامر أحد أصدقائه معه وكان هذا صاغًا آخر شابا تذكرت أنى قابلته فى الفالوجة فى فلسطين واسمه جمال عبد الناصر وأدركت بسرعة مع أن أحدا منهما لم يخبرنى بذلك أن عبد الناصر كان زعيم منظمتهم وأنه زارنى بغرض أن يختبر رأى عامر فى شخصيتى.

وقد كان عمر عبد الناصر وقتها 31 عامًا أما عامر فكان أصغر منه بعامين.. ولقد كان من عكس الأوضاع الغريبة أن يجد ضابط كبير نفسه تحت الاختبار (وإن كان ذلك بطريقة مؤدبة) بواسطة اثنين من الضباط الصغار إذ أن خيرة ضباطنا الكبار باستثناء عدد قليل كانوا جميعًا تنقصهم قوة العزيمة والذى كنا نحتاج إليه هو نار الشبيبة التى يحد من جماحها عقل كهل، وأظهر عبد الناصر أنه يتفق معى ولم يمض زمن طويل حتى كان هو وعامر يزوراننى فى منزلى بالليل وفى موضع آخر يقول محمد نجيب: "وبعد عدة مقابلات ظهر أننا متفقون على جميع المبادئ الأساسية فدعانى عبد الناصر أن ألتحق بالضباط الأحرار وهى الهيئة السرية التى كان هو مؤسسها ورئيسها فوافقت، ومن أعضاء اللجنة التسعة المؤسسين لم أقابل إلا خمسة قبل الثورة ولم أخلف عبد الناصر رئاسة الهيئة إلا بعد حرق القاهرة فى 1952".. انتهى كلام محمد نجيب وليس فيه أى غموض أو لبس فجمال عبد الناصر هو مؤسس الحركة ورئيسها لكن انضمام محمد نجيب لها بدأ بشكل أو بآخر منذ وجوده فى مستشفى العجوزة يعالج إصابته فى حرب فلسطين وكان هذا مع بداية عام 1949 أى قبل قيام الثورة بسنوات ثلاث وليس بشهور ثلاثة كما أدعى البعض.. ولم يكن هذا أول عهد لمحمد نجيب بالعمل الوطنى والخلايا السرية فقد انضم سنة 1923 لجمعية اللواء الأبيض وهى جمعية سعت لمنع البريطانيين من فصل مصر عن السودان.. أما ما حدث بعد انضمام محمد نجيب للضباط الأحرار.. فهذه حكاية أخرى..

*منشور فى عدد مجلة "أكتوبر" رقم 972 الصادر بتاريخ 11/6/1995

محمد نجيب مع أخيه

محمد نجيب في المدرسة الحربية

محمد نجيب في سلاح الحدود

محمد نجيب في أواخر أيامه

 

SHARE

اترك تعليق