عاطف عبد الغنى

من القاهرة تبدأ – دائما – نقطة الانطلاق، وفى القاهرة تعود وتتجمع كل الطرق، ومع القاهرة يبدأ التغيير فى الشرق الأوسط، ولأن القاهرة قاومت وصمدت وأفشلت – حتى الآن – مخططات التغيير السلبى للغرب العولمى، والإخوانى، والأممى الفارسى، والعثمانى، صمدت دول كثيرة فى المنطقة كان يستهدفها المخطط، وقاومت، لكن الهجمة مازالت قائمة، والمقاومة مستمرة.

(1)

ثمة 3 مشاهد دارت تفاصيلها فى وقت متزامن تقريبًا – خلال الأسبوع المنقضى – يمكن أن نلخص من خلالها، حال استعراضها، الموقف الآنى للعرب وأزمات المنطقة.

العاصمة المصرية القاهرة هى مسرح المشهد الأول، وقد شهدت خلال الأسبوع المنقضى زيارة ولى العهد السعودى الأمير الشاب (33 عامًا) محمد بن سلمان الذى جاء إلى مصر فى زيارة عكست دلالات كثيرة عن العلاقات المصرية – السعودية خلال المرحلة الحالية والمستقبل القريب، ويمكن أن نضيف إلى مصر والسعودية ضلعا ثالثا، هو الإمارات، ونَصِف هذا المثلث بأنه محور الاعتدال فى المنطقة العربية والشرق الأوسط، ونموذج الاستقرار، الذى يعوَّل عليه مقاومة مخططات الشر، والتى يراد من خلالها إخضاع هذه المنطقة لمخططات غريبة عن طبيعتها، وقيمها، حين تسعى إلى تنميط شعوبها وتدخل هذه الشعوب حظيرة التبعية والاستعباد، أو الاستعمار على النمط الحديث الذى يبدأ من عند استعمار العقول وما يتبع ذلك من السيطرة على كل مقدرات الحياة.

وفى القلب من المخطط، ينشط الإرهاب، ويضرب المنطقة، وتنشط الحرب بالوكالة، من الغرب إلى إيران، وتركيا، وقطر، وتنشط مخابرات هذه الدول وأموالها الساخنة للعمل فى التجنيد والتجييش والتمويل.

وتنشط – أيضا – الخلايا والتنظيمات والميليشيات، فى سيناء، وعلى حدود اليمن – السعودية، وتهدد إيران دول الخليج، وتوظف أمريكا قطر، وتقفز تركيا على كل الأحبال، بحثا عن مصالحها فى براجماتية تتسم بالفجاجة الشديدة.

ووسط هذه الحرائق المشتعلة، والتشابكات المعقدة، ومحاولات التفرقة وتعكير المياه، خاصة بعد ثورة 30 يونيو 2013 ، تصمد القاهرة والرياض لكل محاولات الوقيعة حال اجتماعهما على هدف واحد، وتعود الرياض لتلتقى القاهرة حين يأتى الأمير الشاب، نيابة عن المملكة، وشعبها، وملكها، ويمكث ضيفا معززا مكرما بيننا لمدة 3 أيام، يقضيها فى نشاط مكثف يكافئ عمره الشاب، وروحه أيضا، التى أخبرنا عنهما الكاتبان الكبيران، صلاح منتصر، ومكرم محمد أحمد، وقد اجتمعا بالأمير ضمن عدد من الكُتّاب والصحفيين لمدة ساعتين فى منزل السفير أحمد القطان، وخرجا من اللقاء بانطباعات نقلوها لنا فى مقالاتهما، وما كتبوه جعلنى أنا شخصيًا أعجب بالأمير الشاب.

(2)

مسرح المشهد الثانى مدينة بروكسل، العاصمة البلجيكية، والمقر الرئيسى لمنظمة حلف الناتو.

وعلى خلفية لوحة مصورة تحمل النجمة الرباعية الشهيرة رمز الحلف، وقف الأمير القطرى الشاب تميم بن حمد، يصافح الأمين العام لحلف الناتو «نيس ستولنبرج»، وقد اتسعت ابتسامة الأمير دليل سعادة «المبسوط» بانتصاره.

وسرعان ما تصدرت صورة الأمير وقائد الذراع العسكرى للحكومة العالمية الحساب الرسمى للأمير على موقع تويتر، وذيَّلها بتغريدة قال فيها:

«قطر وحلف شمال الأطلسى تدشنان استراتيجية عسكرية ثنائية لترسيخ الأمن والسلم فى منطقتنا وستعزز الاتفاقية التى وقعت اليوم جهود قطر والحلف فى التعامل مع التحديات الأمنية التى تواجه عالمنا».. وانتشرت التغريدة وتناقلتها وكالات الأنباء الغربية بخاصة وهللت لصورة، كلّفت قطر مليارات الدولارات أنفقها نظام سفيه فى الدفع لمنظمة الأطلنطى لشراء الأسلحة اللازمة التى تكفى لتحطيم ليبيا وتسوية مدنها بالأرض ودفن عشرات الآلاف من أهلها تحت الأنقاض، وحدث هذا أيضا فى سوريا (اليمن لها حسابات أخرى عند قطر)، وكان يمكن أن يحدث فى مصر، وأمير قطر وأبوه يتمنيان ذلك، وبينما كانت طائرات الحلف تسقط حمولاتها الثقيلة فوق رؤوس الأشقاء العرب، كانت الدوحة تستقبل رؤساء الحكومات وقواد الجيوش فى الحلف، وخبراء إسرائيل، ومن قبلهم الأمريكان، ومن بعدهم، الأتراك والإيرانيين، وغيرهم.

يا ترى ماذا كان يدور فى عقل الأمير الشاب تميم وهو يلتقط هذه الصورة؟!

يدور ما ورثه عن أبيه وأمه، حب العظمة، ولعب دور هو أكبر بكثير من حجم نظام الحمدين، وما يضير الغرب أن يستغل غرور آل حمد ويحصل على ثروات قطر؟! والخليج والعرب كلهم لو استطاع؟! وشياطين الحكام فى الغرب يؤمنون أن دول الخليج حصلت علي أموال بلادهم بالباطل عندما ارتفعت أسعار النفط والطاقة فى أعقاب حرب أكتوبر 1973 التى خاضتها مصر بمساندة أشقائها العرب لأجل إعادة الحقوق الفلسطينية السليبة.

(3)

المشهد الثالث المتزامن كان مسرحه غزة التى زارها الأسبوع الماضى وفد أمنى من رجال المخابرات المصرية الذين حُمِّلوا بملف المصالحة الفلسطينية، وإنهاء حالة الانقسام بين الأشقاء التى طالت لتصل إلى ما يزيد على 11 عامًا، استغلها الطرف الإسرائيلى لتحقيق مكاسب على الأرض لا تُقدَّر بثمن، وما كان سيحصل عليها لولا خصام وعراك الأشقاء، وأحدث هذه المكاسب وأخطرها ما يتعلق بالقدس.

ملف المصالحة الذى يحمله الوزير خالد فوزى بتكليف من الرئيس عبد الفتاح السيسى يحوى ورقة اتفاق تم توقيعها فى القاهرة منتصف شهر أكتوبر من العام الماضى، هذا الاتفاق الذى فرّح عواصم العرب، وزلزل كيان تل أبيب، وتم على أثره تشكيل حكومة وفاق وطنى فلسطينية، وما إن بدأ تنفيذ بنود الاتفاق على الأرض وبتدخل من باقى الفصائل الفلسطينية حتى تعثرت الخطوة الكبيرة، وعادت تبرز الخلافات بين الأشقاء.

المدهش أن قطر حاولت بشتى الطرق وبكل ما تملك من أموال أن تستلب لنفسها ملف القضية الفلسطينية لتزيد لحجمها ما يضيفه لها من مخايل الزعامة، أو هكذا تصور نظام الدوحة، وبذلت خلال السنوات الماضية منذ 2011 وإلى وقت قريب جهودًا مضنية وأنفقت أموالا كثيرة لأجل هذا ، لكن الفلسطينيين أنفسهم كان لهم فى النهاية رأى مخالف لرغبة الدوحة.

(4)

وأكد البيان المشترك الصادر عن الرئيس السيسى، والأمير محمد بن سلمان على الرؤية المصرية السعودية نحو القضية الفلسطينية التى لا بديل عنها، والتى تتلخص فى إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية.. انتهى الكلام.

SHARE

اترك تعليق