عاطف عبد الغنى

حكاية مشهورة ومتداولة، وفيها أنه خلال الحرب العالمية الثانية، كانت مئات الطائرات الألمانية وعلى مدى أشهر متواصلة تُسقط على المدن البريطانية عشرات الآلاف من أطنان القنابل، ونالت العاصمة لندن النصيب الأكبر منها، وذهب نفر من الإنجليز فقابلوا  رئيس الوزراء الأسطورى فى التاريخ البريطانى، ونستون تشرشل، واشتكوا خراب بريطانيا، فسألهم : “ماوضع القضاء ؟” أجابوا: مازال القضاء بخير فقال لهم: إذًا البلد بخير فلا تخافوا.

(1)

وأنا لست خائفا على هذا البلد مصر المحروسة، لأننى لدي ثقة فى القضاء المصرى على الرغم من أى شىء يقال، وما يقال فى جلسات “التفسح” و “المقاهى” و “الرطرطة” الفارغة، التى نتزايد فيها بعضنا على بعض فى ادعاء العلم ببواطن الأمور وخفاياها، واستعراض الحكايات من الحكائين الذين يتبارون فى جذب الاهتمام لأنفسهم والظهور على الأقران، وهى عادات باتت مصرية أصيلة، على الرغم من كل ما سبق، ومع التأكيد على أن أعضاء سلك القضاء من البشر وفيهم من يصيب، وفيهم أيضا من يخطأ فهم ليسوا ملائكة منزلين، ولكن نسبة الخطأ معقولة ومقبولة وقليل منها متعمد أو مقصود لمطمع أو مصلحة ، إلا أن هذا القطاع، وهذا السلك يتطهر تلقائيا، ويتجدد فى صمت دون ضجيج، ويلفظ من أحشائه العنصر الفاسد على الفور فلا يدع فرصة لأحد أن يتهمه بما يشينه أو يشكك فى نزاهته.

(2)

والواقعة التالية بدأت تنتشر وتعرف، بالنشر على مواقع “التواصل الاجتماعى” قبل أن يفجرها الإعلامى أحمد موسى فى حلقة الأربعاء (11 أبريل) من خلال برنامجه “على مسئوليتى” المذاع على فضائية “صدى البلد”، وأعلن موسى عن أطرافها والمشاركين فيها بالاسم، وجاء في التفاصيل حسبما ذكر موسى أن المدعو محمد عبد السلام مستشار شيخ الأزهر حاول استغلال موقعه ووظيفته الحالية فى تجاوز القانون والقفز عليه، حيث إن له شقيقًا اسمه أحمد عبد السلام كان فى وظيفة معاون نيابة فى مدينة زفتى بالغربية، واتهم بالتزوير فى محضر أو قضية كان ينظرها.

وحسب تأكيدات موسى – أنه تحرى عن الأمر وتوصل إلى معلومات أفادت بصحة الواقعة و تفاصيلها، ومن هذه التفاصيل أن مجلس القضاء الأعلى برئاسة المستشار مجدى أبو العلا رئيس محكمة النقض أحال المذكور (أحمد عبد السلام) إلى مجلس تأديب فى شهر ديسمبر 2017 بناء على شكاوى قُدمت وتمت إحالتها للتحقيق فى التفتيش القضائى فى النيابة العامة، وانتهى التحقيق بصدور قرار من المجلس الأعلى للقضاء بفصل معاون النيابة أحمد عبد السلام، والفصل يعنى ألا يعمل المذكور فى أى جهة قضائية أخرى، لكن شقيقه محمد عبد السلام مستشار الأزهر، تدّخل فى محاولة منه للتحايل أو الضغط لتعديل قرار المجلس الأعلى للقضاء بشأن شقيقه وتغيير القرار من الفصل إلى الاستقالة، لماذا؟! لأن الاستقالة تتيح له أن يتقدم بعد ذلك لأى جهة قضائية أخرى للالتحاق بها، لكن الفصل يمنعه من ذلك، والقضية قضية تزوير، والتزوير من الجرائم المخلة مثل جرائم الرشوة وغيرها من القضايا المخلة بالشرف.

وحاول المستشار محمد عبد السلام أن يضغط لتعديل قرار المجلس الأعلى للقضاء، لكن المجلس رفض الضغوط والتدخلات، ونحن نتحدث هنا عن مجلس مكون من 7 من شيوخ القضاء الأجلاء أعضاء المجلس الأعلى، وانتهى الأمر بقرار من المجلس بإحالة معاون النيابة أحمد عبد السلام إلى وظيفة غير قضائية.

(3)

هذه هى الحكاية باختصار، ولنا بالطبع انطباعات وملاحظات عليها ونبدأ بالملاحظات.

أولا: كاتب هذه السطور يتفق مع أحمد موسى فى أنه يجب على شيخ الأزهر التحقيق فى ممارسات مستشاره محمد عبد السلام واتخاذ قرار يحافظ به على ثوب الأزهر ناصع البياض وليس هناك أحد فوق القانون.

ثانيا: هناك فصل ثانٍ فى الحكاية يشير إلى أن مستشار شيخ الأزهر محمد عبد السلام ذهب إلى مجلس الدولة ليرشح أخيه لوظيفة مندوب مساعد بمجلس الدولة ويدرج اسمه ضمن كشوف المرشحين ضاربا بقرار المجلس الأعلى للقضاء عرض الحائط.. فماذا تسمى هذا ؟!

ثالثا: ما نشر على مواقع التواصل الاجتماعى وما قاله أحمد موسى فى برنامجه، وما أكتبه أنا هنا، هو من صميم وظيفة الإعلامى، والنشر بدأ بالإعلام غير الرسمى، وانتهى بدخول وسائل الإعلام المرئى والمقروء على الخط بعد التحقق حتى لا نظلم أحدًا، والبحث والكتابة فى الموضوع لم ينطلقا إلا بعد صدور قرار مجلس القضاء الأعلى لكن مستشار شيخ الأزهر مازال يكابر ويريد أن يقفز على القانون ويدفع بشقيقه إلى جهة قضائية أخرى شامخة  اسمها مجلس الدولة.

(4)

ماسبق كانت ملاحظات، أما انطباع كاتب هذه السطور الشخصى فهو أن مصر الدولة تضرب، كل يوم، مثلا بأنها لن تخضع لابتزاز مراكز قوى سواء أشخاص أو جهات مهما علت، لا صحفى ولا ضابط شرطة، ولا عضو بجهة قضائية ولا وزير ولا غفير، وهذه هى الدولة فى صورتها الصحيحة التى تعلى مبدأ العدالة معصوبة العينين التى تحمل ميزانًا فى يدها، وتقضى بين رعاياها بالعدل.

هذه هى الدولة إذا كنا نريد أن نمضى إلى الأمام وننعم بمستقبل أفضل ونتجاوز عصور أنصاف الآلهة الذين فسدوا وأفسدوا باستغلال سلطانهم، ولا سلطان إلا لله ثم القانون.

SHARE

اترك تعليق