أيمن الغندور

بعدما كان العالم على شفا حرب نووية ، بسبب المنعطف الخطير الذى وصلت إليه المشكلة بين شطرى شبه الجزيرة الكورية ، والتهديد بشن حرب نووية من قبل كوريا الشمالية ، وتحريك الولايات المتحدة لأسطولها ناحية شبه الجزيرة الكورية التهديد بتوجيه ضربة نووية وقائية لكوريا الشمالية ، ووضع اليابان قواتها على أهبة الاستعداد بعد اطلاق صواريخ باليستية من كوريا الشمالية تجاهها ، تدخلتا روسيا والصين محذرتان أطراف النزاع بأنهما لن تسمحا بنشوب حرب نووية على حدودهما الشرقية واليابانيون كذلك ، وحتى الولايات المتحدة ليس فى مصلحتها نشوب حرب قد لا يحمد عقباها وتؤدى إلى حرب عالمية ثالثة . ولقد جنح أطراف النزاع نحو التهدئة حيث طالعتنا وسائل الإعلام الأسبوع الماضى بخبر عاجل عن لقاء جمع بين زعيمى كوريا الشمالية والجنوبية والاتفاق على نزع الأسلحة النووية من شبه الجزيرة الكورية وإبرام اتفاق سلام بين البلدين . وهنا يثار التسأؤل حول مدى إلقاء حل المشكلة الكورية بظلاله على المشاكل المشابهة مثل المشكلة الإيرانية ؟

وسنحاول من خلال هذا التحليل الإجابة عن السؤال المطروح :

أوجه الشبه بين المشكلة الكورية والإيرانية

تعد إيران إحدى دول محور الشر كما صنفتها الولايات المتحدة والدول الغربية مثلها فى ذلك مثل كوريا الشمالية ؛ وذلك لمحاولتهما امتلاك سلاح نووى ، وتهديدهما لجيرانهما ، فضلا عن دعم النظام الإيرانى للإرهاب فى عدد من دول العالم وخاصة الدول العربية ، ومن الناحية الاقتصادية يعانى الاقتصاد الإيرانى من مشاكل كبيرة كالتى تعانى منها كوريا الشمالية ؛ بسبب الحصار الاقتصادى المفروض عليهما وتجميد حساباتهما فى البنوك من قبل الولايات المتحدة والدول الأوربية ، وقد أدت هذه الظروف الاقتصادية الصعبة إلى تدنى الظروف المعيشية للمواطنين الإيرانيين ، وبالنسبة للتحالفات السياسية يساند النظام الإيرانى من القوى الكبرى روسيا والصين بما لهما من ثقل فى مجلس الأمن وعلى الصعيد الدولى وهما نفسهما الداعمان الأساسيان للنظام فى كوريا الشمالية ، وكما أن كوريا الشمالية تهدد أمن كوريا الجنوبية واليابان باستخدام الأسلحة النووية ضدهما فإن النظام الإيرانى يهدد دول الخليج مباشرة باحتلاله لثلاث جزر أماراتية فضلا عن تحرشه بالسفن فى الخليج العربى مما يهدد أمن ناقلات النفط العالمية ، فضلا عن تهديده لأمن الدول العربية كافة من خلال محاولة نشر المذهب الشيعى وتصدير نظام ولاية الفقيه فى الدول العربية ، وكما تعد كوريا الجنوبية واليابان حليفان استراتيجيان للولايات المتحدة والدول الغربية فإن دول الخليج العربى تعد حليفاً مهما أيضاً ويوجد بها قواعد عسكرية أمريكية ؛ مما يعد تهديداً مباشراً للمصالح الأمريكية ، وقد هددت الولايات المتحدة والدول الغربية إيران من المساس بأمن الخليج العربى ، ومن حيث الدول التى تسعى لحل المشكلة الإيرانية فمجموعة 5+1 وهي مجموعة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولى، وهي الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، روسيا، الصين بالإضافة إلى ألمانيا، والتي تتولى المفاوضات مع إيران حول برنامجها النووي. بدأت المجموعة عملها في عام 2006 ولا تزال مستمرة حتى اليوم ، التى تسعى لحل المشكلة الإيرانية ، فهى تقريباً نفسها الدول التى تسعى لحل المشكلة الكورية .

الضغوط الدولية على إيران

التهديد العسكرى

يشكل الوجود العسكرى الأمريكى فى الخليج أحد عناصر الضغط على النظام الإيرانى ، فوجود قواعد عسكرية أمريكية فى قطر والإمارات والسعودية ، سيجعل من إيران هدفاً مباشرا للقوات الأمريكية فى حالة التفكير فى شن حرب على دول الخليج ، أو توجيه ضربة وقائية للمنشآت النووية الإيرانية ولكن ستكون مكلفة ومثيرة لمشاكل، ولكن بالنظر لكلفات وتبعات امتلاك إيران لسلاح نووي، فإنه يبقى الخيار الحقيقي خاصة لو دعمه عدد من دول الخليج .

وأيضاً تزايد التوتر بين إسرائيل وإيران منذ بدء الوجود العسكرى الإيرانى فى سوريا، قد يدفع هذا التوتر الذى وصل حدته عقب الكشف الإسرائيلى الأخير عن سرقة الموساد الإسرائيلى لوثائق البرنامج النووى الإيرانى والتهديد الأمريكى بالانسحاب من الاتفاقية النووية لمواجهة عسكرية .

العزلة الاقتصادية والدبلوماسية

سيلجأ المجتمع الدولى الرافض لامتلاك إيران للسلاح النووى إلى فرض مزيد من العزلة الاقتصادية عبر العقوبات على النظام الإيرانى وأيضا حصاراً دبلوماسيا للنظام الإيرانى لحين انصياع النظام الإيراني أو انهياره. كما أن إعلان رئيس كوريا الشمالية وقف برنامجه النووي وسعيه لإخلاء منطقة شبه الجزيرة الكورية من هذا السلاح النووى وكذلك إيقاف تجاربه للصواريخ الباليستية ؛ سيضع النظام الإيراني في زاوية ضيقة مع شعبه وإقليمه والمجتمع الدولي مما سيزيد الضغوط عليه ، حيث أصبح الآن في نظر الرأي العام العالمي أن إيران هي الدولة الوحيدة التي تسعى لامتلاك السلاح النووى الذي يهدد الأمن والاستقرار الدوليين ، وبالتالي فإن تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من الاتفاقية النووية (5+1) التي وقعتها مع إيران والتي يحين موعد تجديدها في 12 مايو الحالي، ستجد مبرراً لإدانة النظام الإيراني وبالتالي تأييد موقف الإدارة الأميركية في التضييق على السياسة الإيرانية وهو ما يعني انتقاد محاولة أية دولة أوروبية تسعى لتخفيف الضغط على طهران .

إلغاء الاتفاق النووى مع إيران

عقدت إيران والدول الست (الصين وروسيا وأمريكا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا) 2015 اتفاقاً يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني . وبموجب الاتفاق عُطل تخصيب اليورانيوم فى منشأة «بوردو» النووية الإيرانية لمدة 15 عاماً، وهى أحد المسارات التى يمكن من خلالها إنتاج قنبلة نووية إيرانية، كما قلل الاتفاق من عدد أجهزة الطرد المركزى التى تُستخدم فى تخصيب اليورانيوم فى منشأة «ناتانز» الإيرانية بنحو 5 آلاف جهاز بدلاً من 20 ألفاً قبل الاتفاق. كما توصّل الاتفاق للحد من لجوء إيران لطريقة ثالثة لتطوير القنبلة النووية من خلال المفاعل النووى للمياه الثقيلة «آراك»، بالتوصل لإعادة تصميمه بالشكل الذى يحد من إنتاج البلوتونيوم، إحدى المواد المستخدمة فى صناعة الأسلحة، ووفقاً للاتفاقية لن تستطيع إيران بناء مفاعل من نوع المياه الثقيلة حتى عام 2025. على أن يتم رفع العقوبات المفروضة على إيران تدريجيا .

وكان من ضمن برنامج الرئيس الأمريكى ترامب الانسحاب من الاتفاق النووى مع إيران، حيث سيعلن عن موقفه من الاتفاق فى 12 مايو الحالى ، وأصبح الاتفاق مهدداً بالانهيار بالكامل فى حال صعوبة التوصل لاتفاق حول التعديلات التى طلبتها «واشنطن» من الدول الأوروبية الموقعة مجموعة (5+1)، ولا تزال الأخيرة تدفع قدماً نحو الحفاظ على الاتفاقية فى محاولة لطرد شبح حرب بدأت تلوح بين إيران وإسرائيل بعد كشف «تل أبيب» وثائق فسرتها بأنها برنامج تسلح نووى إيرانى سرى على غرار تبريرات «واشنطن» لغزو العراق 2003.

فيما حثّ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريس الرئيس ترامب على عدم الانسحاب من الاتفاق النووى الإيرانى ، ودعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى الحفاظ على الاتفاق النووى مع إيران، مطالبة فى الوقت نفسه بمناقشة برنامج «طهران» الصاروخى ويتمسك الرئيس الفرنسى ماكرون بالحفاظ على الاتفاق النووى مع إيران ، وتدعم روسيا الاتفاق النووى مع إيران وترفض فرض مزيد من العقوبات عليها.

أوراق الضغط الإيرانية

يمسك النظام الإيراني بيده بالكثير من الملفات المعقدة في المنطقة مثل: الميليشيات الطائفية، أو دعم التنظيمات الإرهابية سواء الحوثية فى اليمن أو حزب الله فى لبنان والنظام العلوى فى سوريا والجماعات الشيعية فى البحرين والحشد الشعبى فى العراق ، ويتدخل ويسيطرالنظام الإيرانى على القرار السياسي في بعض العواصم العربية مثل العراق ولبنان وسوريا وهو من يدعم ويحرك الحوثيين ويلقى دعما من النظام القطرى وهذا يمكنه من المراوغة ومحاولة المناورة وإثارة مشاكل إقليمية أخرى للهروب من الالتزامات الدولية ، ولكن مساعدة النظام الإيرانى للحوثيين بصواريخ باليستية تم استخدامها لضرب الأراضى السعودية أثار حفيظة الدول العربية والمجتمع الدولى وزاد من إصراره على كبح جماح النظام الإيرانى وطموحاته النووية .

المشاكل الداخلية فى إيران

الظروف المعيشية الصعبة التى يعيشها الشعب الإيرانى دفعته لتننظيم الاحتجاجات والمظاهرات ورددت شعارات مناوئة لحكومة الرئيس حسن روحاني ومنتقدة لغلاء الأسعار والوضع المعيشي ، وقد انتقلت هذه المظاهرات بمرور الوقت إلى العاصمة طهران واتخذت شكلا سياسياً ضد نظام المرشد الحاكم فى إيران وخرجت مظاهرات حاشدة تدعو إلى سقوط حكم المرشد والذى يراه الايرانيون كابوسا جاثما على صدورهم ، وقام المتاظاهرون بتخريب وحرق الأماكن العامة ، بل وتطورت الأحداث بالدعوة إلى الثورة على نظام المرشد واسقاطه ، ورغم تمكن النظام الإيرانى من اخماد الثورة وقتل الكثير من المتظاهرين إلا أنه يمكن القول إن نار الثورة تشتعل تحت الرماد وقيام الثورة الإيرانية مسألة وقت خاصة مع زيادة الضغوط الدولية على إيران ونشر فكرة الثورة فى العقل الجمعى للإيرانيين من قبل المعارضة الايرانية التى قامت بعقد مؤتمرات لاسقاط نظام المرشد فى فرنسا ، والقبض على الرئيس الإيرانى الأسبق أحمدى نجاد ، وأيضاً وعدم وضوح الرؤية حول مستقبل نظام المرشد الإيرانى ومن سيخلفه ، تردد أخبار فى الفترة الأخيرة عن وجود خلاف وصراع بين الحرس الثورى الإيرانى والجيش الإيرانى أدى إلى قيام النظام الإيرانى بالإعلان عن مناورات عسكرية مشتركة بين الجيش والحرس الثورى الإيرانى لنفى صحة هذه الأخبار .

ومن تحليل ما سبق يمكن القول إن إعلان كوريا الشمالية عن تخليها عن الأسلحة النووية و الظروف الدولية الراهنة والوضع الداخلى فى إيران يجعل النظام الإيرانى ليس أمامه سوى الانصياع لقرارات المجتمع الدولى والتخلى عن طموحاته فى امتلاك السلاح النووى واطماعه فى التمدد والتوسع ونشر المذهب الشيعى فى الدول العربية ومحاولة اسقاط نظمها الحاكمة ، إلا أن نظام الملالى الحاكم فى إيران والفكر الذى يعتنقه سيجعله يستمر فى تهديد الأمن القومى العربى والتدخل فى الدول العربية وزعزعة استقرارها ؛ مما يجعل الدول العربية تطالب بتحجيم قدرات إيران العسكرية وخاصة النووية والصواريخ الباليستية لأنها باتت تهدد أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط ، وستتبنى الدول الأوربية التوجه نفسه نظراً للضغوط الأمريكية خاصة مع تبنى الرئيس الأمريكى لسياسات أكثر حدة مع إيران مع وجود ضغط إسرائيلى على الولايات المتحدة لتقليص قوة إيران العسكرية ؛ فإما انتهاج النهج الكورى الشمالى مع تقديم ضمانات حقيقية وإما سيصبح اسقاط نظام الملالى فى إيران مطلباً دولياً.

SHARE

اترك تعليق