جدتى لأبى عاشت حتى تجاوزت المائة بسنين (الله يرحمها).. كنت صبيًّا صغيرًا فى السن عندما عادت هى صبية فى مشاعرها، كبيرة فى إدراكاتها، وحكمتها.

 وكنت أشترى وُدَّها بقطعة حلوى، أو دعابة ساذجة أدعوها فيها لإغلاق عينيها وفتح فمها واعدًا إياها بأن أحشيه بالحلوى، فأخاتلها وأضع فيه الشطة، وننخرط أنا وهى فى الضحك، بينما تحاول أن تنهرنى فتخرج الكلمات من فمها الفارغ من الأسنان مخلوطة بضحكاتها الأثيرة.

وأعود أخلد إليها وأطلب أحاجيها وحكاياتها التى لا تخرج عن عدد محدود تعيده، وأطلب منها واحدة بالتحديد والسبب فاصل البهجة الذى يأتى مع نهايتها المصحوبة بـ «زغزغة» من أصابعها فى باطنى، فتزيدنى ضحكا على الضحك من النهاية التى آل إليها أبطال الحدوتة، وموضوعها أن ذئبًا أراد أن يخدع حملان صغيرة لينفرد بها ويلتهمها، فى غياب الراعى، فذهب إلى «عشة» الحملان وطرق بابها مرة واثنتين، وهى ترفض أن تفتح له تنفيذا لأوامر راعيها الذى رباها على الحرص من الذئب ذى الساق السوداء.

 ولأنه ذئب لم يعدم الحيلة، فذهب ودهن ساقه بالجير الأبيض وعاد يطرق باب العشة ويقنعها أنه من جنسها، جاء يحرسهم إلى أن يعود راعيهم، ومد من فرجة الباب ساقه المدهونة بغير لونه، فحسبته النعاج الصغار أنه حمل مثلهم، وبعد مقاطعة اطمأنوا وفتحوا له باب «العشة».. فدخل وافترسهم!

ولما كبرت، لم أجد أليق من حدوتة جدتى لأسقطها على سياسات إسرائيل تجاه العرب وراعيهم (!!)

(1)

المشكلة فى الشرق الأوسط أنها صارت الآن مثل الغابة، وحمد بن جاسم رئيس وزراء قطر السابق كان – ذات مرة – قد وصف إسرائيل بالذئب الشرس وسط قطيع من النعاج، وأضاف فى وصفه أن شراسة الذئب يستمدها ليس من قوته، ولكن من ضعف النعاج، ولا أعرف تاريخ هذا التصريح الذى قاله أحد مؤسسى نظام الحمدين القطرى (حمد بن خليفة وحمد بن جاسم)، فطول الوقت العلاقات بين قطر وإسرائيل قائمة وطول الوقت يخاتل الذئب الإسرائيلى والثعلب القطرى بعضهما البعض.. إسرائيل تبتز قطر، وقطر تلاعب إسرائيل وعينها على حماس، ميليشيا الخلافة الإسلامية، لكن فى السنوات الأخيرة التى زادت فيها قطر من تصدير البروباجندا الإسلامية، حمّرت لها إسرائيل عينها وبدأت حملة فضحها، وفى الحملة خرجت القناة العاشرة الإسرائيلية منذ شهور قليلة لتعلن أنه فى اللقاء الأول عام  2005 ومن النظرة الأولى التى ألقتها الحسناء اليهودية تسيبى ليفنى فى عينى الوزير القطرى حمد بن جاسم فى أروقة مبنى الأمم المتحدة، انفلت عيار الأخير وعرض على الحسناء تطبيعا كاملًا من جانب الإمارة القطرية دون أى شروط، وأكدت التسريبات الإسرائيلية أن بن جاسم أوضح للحسناء ليفنى أن بناء قطر لعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل لا يشترط مسبقًا إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس.. ومضى تقرير القناة يسرد العلاقات، والمقابلات، والتربيطات السرية، والعلنية، بين الدولة وتل أبيب، لقد فضحتها إسرائيل لأنها لم تقبل من الدوحة لعبة العميل المزدوج، تضاجع تل أبيب فى الظلام، وتهاجمها تحت الأضواء، تتاجر معها فى الخفاء، وترسل المساعدات لغزة فى العلن، ويمكن لإسرائيل أن تقبل هذا من تركيا مثلا للحفاظ على علاقاتهما معها، ففى كل الأحوال لا يمكن أن تساوى قطر وزن تركيا.

(2)

الله سبحانه وتعالى هو الديان، لقد باعت قطر العرب بوهم وطمع كبيرين.. أو كما قال الكاتب السعودى أحمد الفراج فى مقال إن حمد بن خليفة آل ثانى (والد أمير قطر الحالى) أبعد الدوحة عن المحيط العربى بعد خلع والده فى انقلاب سريع ومريب، أصيبت فيه دول الخليج بصدمة، وأسس قناة الجزيرة التى كان يشرف عليها ربيبه فى الخيانة حمد بن جاسم نهارًا ويزور إسرائيل ليلًا.

(3)

وفى متابعة أخبار الذئب الصهيونى والنعجة العربية الشاردة، تجاه مصر، يمكن أن نلاحظ أن الخيانة والغدر تحولتا معهما إلى سلوك فاجر.. هذا ما تؤكده الحوادث، وفيها قليل معلن، وكثير يجرى فى الخفاء.

 أما قطر فقد أكدت اعترافات المتهمين الذين أحيلوا للقضاء العسكرى خلال الأسبوع الماضى وعددهم 555 إرهابيًا من المنتمين لداعش «ولاية سيناء» أن لها دورًا كبيرًا فى إيواء العناصر الإرهابية ومنهم طارق الزمر المتهم الهارب خارج البلاد والذى كان يتولى عملية توفير الدعم المالى لتمويل الجماعة من جهات خارج مصر، وبما يُعِين كوادر وعناصر الجماعة على تنفيذ عملياتها العدائية وجرائمهم الإرهابية.

هذا ما أسفرت عنه اعترافات 88 متهما وهو ما يساوى 16% تقريبًا من عدد المقبوض عليهم، وسوف تسفر التحقيقات مع المتهمين واعترافات المزيد منهم فى الأيام القادمة عن المزيد من العملاء والخونة والدور القطرى فى دعم الإرهاب الموجه ضد مصر.

(4)

أما إسرائيل فقد انتابت حكومتها اليمينية، وعلى رأسها رئيس الوزراء نتنياهو، حمى مطاردة مصر فى تحركاتها الدبلوماسية، أينما ذهبت شرقًا أو غربًا، أو أبرمت اتفاقًا شرقًا أو غربًا من دول الفيشجراد فى أوروبا إلى قلب أفريقيا، ومن روسيا ودول أوراسيا، إلى قبرص واليونان، ومن المطاردة إلى التحريض، والدفع باللوبى الصهيونى فى الكونجرس الأمريكى ليضغط على مصر بما يملك من أوراق باتت فى نظر المصريين مكشوفة ومحروقة.

من هذه الأوراق المعونة الأمريكية، وأحدث تحرك نحوها جاء فى تهديد لجنة مخصصات مجلس الشيوخ وعضوها الرئيسى المدعو «باتريك ليهى» (عدو مصر اللدود)، بتعليق جزء من المعونة وتبلغ 300 مليون دولار مخصصة لمصر إلى أن تساهم القاهرة فى تسديد الفواتير الطبية الخاصة بسائحة أمريكية أصيبت فى مصر عام 2015 وتكاليف علاجها فى بلادها 400 ألف دولار(!!)

.. هل هذا كل شىء يا سيد ليهى؟! ومطلوب من مصر أيضًا إيلاء قضية الإيطالى ريجينى اهتمامًا خاصًّا (!!)، ومن باب المماحكة ملف حقوق الإنسان (!!)، وأخطر من كل ما سبق أن واشنطن تريد من مصر أن تلغى القيود على تمويل جماعات هدم الدولة أو كما يقول تقرير فاضح فى هذا الصدد منشور فى صحيفة أجنبية تناصب مصر العداء، إن ليهى يطالب بإلغاء القرارات التى صدرت عام 2013 والمتعلقة بإدانة 43 أمريكيًّا ومصريًّا عملوا فى منظمات غير حكومية، وأن تصدر مصر قرارا بالعفو عن هؤلاء المتهمين، وتلغى قانون الجمعيات الأهلية الصادر سنة 2017 الذى يصفه ليهى بأنه صارم بحق المجتمع المدنى (!!).

هذا ما تعلنه الدمية الأمريكية، أمام الستار، بينما يحركها من خلفها لاعب «الماريونت» الصهيونى، هذا الرسم الكارتونى الذى حفظناه من كثرة مرات نشره، تماما كما حفظت أنا حدوتة جدتى.

SHARE

اترك تعليق