محمود ضياء

 حرصت مصر على مر التاريخ أن تشكل القارة الأفريقية أولوية متقدمة على صعيد سياستها الخارجية، إرتباطاً بما تضمه من مصالح حيوية وإهتمامات يأتى فى مقدمتها مياه النيل فى ظل الحاجة الملحة لتنفيذ مشروعات تنمية مواردها بالمنابع العليا هذا إلى جانب الحفاظ على أمن وإستقرار الملاحة فى البحر الأحمر وقناة السويس وإستقرار الأوضاع فى منطقة القرن الأفريقى خاصة بالسودان التى تشكل العمق الإستراتيجى للأمن الإقتصادى والعسكرى لمصر على الإتجاه الإستراتيجى الجنوبى.

إن ما تشهده القارة الأفريقية من تطورات على الصعيد الأمنى باتت تطرح العديد من التحديات والتهديدات التى تفرز تداعيات سلبية على الأمن القومى المصرى ، فمن حالة عدم الإستقرار السياسى والأمنى التى تشهدها دولتى الجوار المباشر لمصر ليبيا والسودان وإن كانت الأخيرة أقل حدة نتيجة لوجود حكومة مركزية تسيطر إلى حد كبير على الأوضاع بالبلاد ، إلى ما يواجهه الصومال الشقيق من غياب وجود الدولة المركزية منذ سقوط نظام سياد برى وتفكيك الجيش الوطنى الصومالى عام 1991 ، ووجود قوات شبه عسكرية ( ميليشيات ) تتبع بعض القوميات والقبائل داخل العديد من الدول الأفريقية ، مع عدم توفر قاعدة للتصنيع الحربى لتلبية إحتياجات القوات المسلحة بدول القارة ، ووجود قواعد أجنبية على أرض بعض الدول الافريقية غير خاضعة لسيادة تلك الدول ” أبرزها جيبوتى “، علاوة على تنامى الإرهاب والتطرف الذى بات يشكل تهديدًا قويًا والتى تزايدت تهديداته مع إرتباطه بالصور الأخرى للجريمة المنظمة عابرة الحدود مثل الإتجار بالمخدرات والأسلحة وتهريب والإتجار بالبشر والإختطاف والتى تشكل فى مجموعها مصادر التمويل والتسليح للجماعات الإرهابية، كذلك أصبحت العمليات فى الفضاء الإلكترونى عنصرًا شديد الخطورة سواء فى زعزعة إستقرار الدول وتغيير أنظمة الحكم بها ، أو تنفيذ الجريمة المنظمة العابرة للحدود ، أو فى تصاعد وإنتشار الإرهاب والتطرف بالترويج للأفكار المتطرفة والتجنيد والتدريب والتسليح والتغلب على الإجراءات الأمنية لتنفيذ العمليات.

كل هذه التهديدات أصبح لها عديد من التأثيرات السلبية على أمن مصر القومى فى المقام الأول وأمن الدول الأفريقية بصفة عامة، الأمر الذى يتطلب ضرورة تضافر كافة الجهود الأفريقية للتغلب على تلك التحديات والتهديدات ، فمحاربة الإرهاب على سبيل المثال تتطلب العمل من خلال مقاربة شاملة لا تستثنى أى من التنظيمات ولا تقتصر على العمليات الأمنية والعسكرية وإنما تشمل أيضًا نواحى التنمية البشرية والإجتماعية والأبعاد الفكرية والثقافية وتجديد الخطاب الدينى.

لا يخفى عليكم توفر الإرادة السياسية والشعبية فى مصر خلال الفترة الأخيرة لتعزيز التعاون مع الدول الأفريقية فى كافة المجالات وهو الأمر الذى أكد عليه السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى مراراً وتكراراً بأننا عازمون على الإسهام الفاعل مع بقية الدول الأفريقية فى مواجهة التحديات المتربصة بنا لا سيما الإرهاب والجريمة المنظمة ، ويعكس الأهمية التى توليها مصر لأفريقيا زيارة فخامة الرئيس لأكثر من 25 دولة أفريقية من إجمالى حوالى 80 زيارة خارجية قام بها وعقده أكثر من 125 لقاء مع قادة وزعماء ومسئولين أفارقة من إجمالى حوالى 575 لقاء وكذا المشاركة فى كافة القمم الأفريقية التى عقدت فضلاً عن مشاركة مصر فى كافة المنتديات الإستراتيجية الإقليمية والدولية وإستضافتها للعديد من الفعاليات والقمم الأفريقية.

وقبل أن أختم كلمتى أؤكد على ضرورة توفر الإرادة السياسية للدول الأفريقية والمنظمات الإقليمية وشبه الإقليمية الممثلة بأفريقيا وإدراكها الحقيقى أن المصير مشترك، وقناعتها بضرورة توحيد الجهود وترسّيخ التعاون الأفريقى، هو ما يزيد من قدرتها على مواجهات التحديات والتهديدات وإدارة الأزمات بصورة ناجحة.

ومن هذا المنطلق أعرض أبرز التوصيات من وجهة نظرى لدعم وتعزيز التعاون المصرى مع الدول والمنظمات الأفريقية فى المجال الأمنى والتى تتمثل فى  الآتى:

– ضرورة تبادل المعلومات والتنسيق الأمنى والإستخباراتى خاصة فى مجال مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية والإتجار بالبشر.

– تعزيز أمن الحدود بتسيير دوريات مشتركة.

– تشجيع التصنيع الأفريقى المشترك للسلاح خاصة مع وجود نواة جيدة للتصنيع الحربى بعدد من الدول الأفريقية (على سبيل المثال لا الحصر فى مصر وجنوب أفريقيا).

– تجفيف المنابع الرئيسية لتمويل المنظمات الإرهابية من خلال إنشاء آليات للتعاون والتنسيق من أجل مكافحة الجرائم العابرة للحدود، لاسيما الإتجار بالمخدرات والأسلحة والبشر وغسل الأموال

– تفعيل دور القوة الأفريقية الجاهزة لحفظ السلام بالقارة الأفريقية وبما يحد من التواجد الأجنبى بالقارة.

………..

 *الدراسة المنشورة هى كلمة الدكتور / محمود ضياء التى ألقاها بالصالون الفكرى “مصر وأفريقيا آفاق المستقبل”، المنعقد بمؤسسة عدالة ومساندة يوم الجمعة الموافق الأول من يونيو 2018.

SHARE

اترك تعليق