عاطف عبد الغنى

الشعور بخيبة الأمل، لابد أن تصيبك عندما تكتشف مساحة الشر التى تشغل ضمير حكام الغرب، وتعشش فى عقولهم التى أعتقد أنها افتقدت الرشادة؛ خاصة وأنهم لا يملكون فضيلة التفكير الحر الإنسانى بحق، ويتركون أدمغتهم تتحكم فيها مؤسسات، وبعض هذه المؤسسات ترفع شعار الإنسانية، وتحتكره لنفسها حصريا، فتحاول أن تفرض قيمها الأخلاقية، وأفكارها، وإملاءاتها على العالم، باعتبارها تنتمى للحضارة البيضاء القائدة، وتمارس الإنسانية المفقودة لدى الشعوب ذوات البشرة السمراء، والسوداء، والصفراء، ودول العرب، وأفريقيا، وآسيا، وأمريكا الجنوبية.

وحين تحاول مؤسسات الغرب التى ترفع شعارات الإنسانية وحقوق الإنسان، أن تلعب دور ضمير الإنسانية اليقظ، تسقط مع أول ، وكل اختبار حقيقى للعدالة، وينكشف وجهها القبيح.

(1)

خيبات مؤسسات حقوق الإنسان المعولمة لم تعد تصيبنى بالدهشة، فالإنسان يفقد هذا الشعور عندما يعرف جيدًا حقيقة وطوية الآخر، ونوازعه وأفكاره، وبالتالى يستطيع أن يفسر ما يصدر عنه من فعل أو قول، ويسهل عليه تفسيره، وفك ألغازه، وألغامه إذا كان ملغما.

هذا بالضبط ما حدث معى عندما طالعت تقرير مؤسسة «هيومن رايتس ووتش» الذى تطالب فيه بتطبيق العدالة الانتقالية ( وهو مصطلح غربى) حيال  ما يسمى بـ « تنظيم الدولة الإسلامية» داعش.

ودعونى أقول لكم وبشكل مباشر إن العدالة الانتقالية التى يعنيها تقرير المؤسسة، يتلخص باختصار فى دعوة الحكومة العراقية للمصالحة مع داعش، نفس اللعبة التى حاولت نفس المؤسسة أن تلعبها فى مصر ومارست فيها الضغط على الدولة المصرية للمصالحة مع القتلة المنتمين لجماعة الإخوان الإرهابية والهدف النهائى للعبة أن يعود الإخوان طرفًا فى المعادلة السياسية والحكم، وأن يعود المسرح فى العراق أو  فى مصر إلى مرحلة الغليان بتفجير الصراع مجددا لتستمر الفوضى، وبالطبع لصالح أطراف أخرى.

(2)

فى شهر أغسطس من عام 2004 صدر تقرير عن الأمين العام للأمم المتحدة حمل عنوان: «سيادة القانون والعدالة الانتقالية فى مجتمعات الصراع ومجتمعات ما بعد الصراع»، وحمل هذا التقرير تعريفًا لمفهوم العدالة الانتقالية جاء فيه: «يشمل مفهوم» العدالة الانتقالية كامل نطاقات العمليات والآليات المرتبطة بالمحاولات التى يبذلها المجتمع لتفهم تركته من تجاوزات الماضى الواسعة النطاق، بغية كفالة المساءلة وإقامة العدالة، وتحقيق المصالحة..».

وهناك تعريف آخر أبسط، صادر عن مؤسسة غربية تعمل على نفس الملف وفى هذا التعريف أن «العدالة الانتقالية هى  مجموعة التدابير القضائية وغير القضائية التى قامت بتطبيقها دول مختلفة، من أجل معالجة ما ورثته من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وتتضمن هذه التدابير الملاحقات القضائية، ولجان الحقيقة، وبرامج جبر الضرر، وأشكالًا متنوعة من إصلاح المؤسسات».

وبينما تأتى التعريفات رائعة الصياغة تنشد العدالة وتطلب الرحمة والتسامح والرأفة بالبشر، وعودة الحقوق لأصحابها،  لحفظ الروح الإنسانية  أغلى ما خلقه الله سبحانه، يأتى التطبيق على أرض الواقع ليؤكد أنها عدالة انتقائية، وليست انتقالية، وأن الأمر لايعدو عن استغلال تلك النصوص النظرية التى تصدر عن مؤسسات العولمة، ومنها الأمم المتحدة، والمنظمات التابعة لها، أو الخارجية الأمريكية التى تصدر تقريرا سنويا عن حالة حقوق الإنسان فى العالم، أو منظمات المجتمع المدنى، ومنها ما يتاجر بكل شىء حتى بحقوق الإنسان.. ويتحكم اليهود فى بلاد الغرب فى توجهاتها المخططة ضد دول بعينها ومعظمها دول العالم الثالث، والعرب، والصين مثلا، العدو الاستراتيجى للغرب، وبعض دول أمريكا الجنوبية، وآسيا، ولا يجب أن ننسى أنهم حاولوا فى مصر ومازالوا ويؤذيهم جدًا أنهم – حتى الآن – فاشلون.

(3)

وإذا كانت «هيومن رايتس ووتش» و»مجلس حقوق الإنسان» التابع للأمم المتحدة، و»أمنيستى» وغيرها من المنظمات الغربية المعنية بحقوق الإنسان جادة، وتهدف إلى تطبيق العدالة على كوكب الأرض فليعطونا مثالاً من خلال تطبيق المعايير الخاصة بالعدالة، وحقوق البشر على أمريكا و إسرائيل !!

وأن تتوجه هذه المؤسسات إلى منظمة الأمم المتحدة مثلا، وتطلب استصدار قرارٍ من مجلس الأمن يدين جرائم استخدام اليورانيوم المنضب فى حرب – غير مبررة – وغير إنسانية وغير عادلة، شنتها أمريكا ضد المدنيين فى أفغانستان ومن بعدها العراق، بتهم ثبت كذبها حتى من قبل الغزو، ويطالب بمحاكمة المسئولين عنها، وأن تطالب بالتحقيق مع مجرم الحرب جورج بوش، الأب والابن أمام المحكمة الجنائية الدولية التى ترفض أمريكا الانضمام لها حتى الآن بينما تدفع لجرجرة حكام من دول العالم الثالث للمحاكمة أمامها باسم حقوق الإنسان (!!)

وأن تتوجه تلك المؤسسات السابقة للبحث عن مجرمى الحرب فى إسرائيل، التى تمارس جرائم ضد الإنسانية منذ أن ابتليت المنطقة بعصابات اليهود المسلحة (الهاجاناه و إرجون) وغيرهما، منذ ثلاثينات القرن الماضى وزعمائها بيجين، وشامير، وبيريز، وحتى رئيس الوزراء الحالى بنيامين نتنياهو وكلهم مارسوا وارتكبوا جرائم حرب، وإبادة جماعية، وسجلاتهم السوداء تشهد عليهم، من مذابح دير ياسين، وكفر قاسم، مرورا بـ صبرا وشاتيلا وحتى عملية الرصاص المصبوب التى قادها رئيس الوزراء الحالى على غزة، قبل عدة سنوات.

(4)

وفيما يخص «داعش» يشير جزء من هذه الحقيقة إلى أن أمريكا التى غزت العراق ودمرت مؤسسات الدولة عام 2003 أسست للنظام الطائفى فيها، وحدث هذا عبر خلق استقطابات متعمدة للطوائف شيعة و سُنّة و أكراد واستقطابات أخرى – لم تكن موجودة أيام صدام –  بدلا عن تعزيز الاندماج والوحدة، وتم استبعاد النخبة السنية من وظائف الحكم العليا بشكل ممنهج، ومع استياء السُنّة نشط تنظيم القاعدة فى العراق وسوريا.

ومع انطلاق الربيع العربى تم تدوير جانبٍ من تنظيم القاعدة وفلول صدام وغيرهم من السُنّة المغضوب عليهم لتشكيل ما يسمى بـ «تنظيم  الدولة الإسلامية» داعش، وفى ذات الوقت الذى تم فيه اختراق التنظيم بمعرفة أجهزة الاستخبارات الغربية، تم دعمه بالأسلحة والعتاد الأمريكى، وكان الهدف واضحا، خلق دولة دينية ترفع شعار الإسلام فى المنطقة، وخلق محور سنى يتصادم مع المحور الشيعى، وتقسيم دول كبيرة وتمثل رقمًا فى المعادلة العربية مثل العراق، إلى كنتونات.

ومع الانتصارات السريعة المذهلة لتنظيم «داعش»، سارعت بعض التنظيمات الإرهابية الفرعية فى بعض الدول العربية بإعلان المبايعة والولاء للتنظيم، وشجعت أمريكا التى يحكمها ترامب، (ويحكم الأخير اللوبى الصهيونى والمجمّع الصناعى العسكرى) ويوجه السياسات الخارجية للإمبراطورية حتى تتوافق مع مفاهيم القوة والسيطرة الواردة فى مخطط «القرن الأمريكى» الاستراتيجى، والذى يسعى لوجود دائم لجيش أمريكى كبير الحجم يبسط نفوذه وهيمنته على العالم، وخلق أماكن توتر ونزاع يتم فيها استهلاك وبيع الأسلحة التى تدر أرباحًا بالمليارات لنخبة واشنطن، بينما يموت الفقراء جراء الحرب والمرض فى الدول التى يتم البحث فيها عن حقوق الإنسان.

وتأتى اليوم «هيومن رايتس ووتش» لتكتشف أن على حكومة العراق أن تعقد صلحًا مع داعش وتحاكم مجرمى الحرب الذين انتهكوا حقوق الإنسان حيالها.. إنها أسطوانة مشروخة صار كذبها يؤذى آذاننا (!!).

SHARE

اترك تعليق