غلاف كتاب الوعد الحق

كتب – على محمد حجاج

النائحة الثكلى ليست كالنائحة المستأجرة، حضرنى هذا المثل وأن أقرأ رائعة عميد الأدب العربى طه حسين  “الوعد الحق”  بقلب مملوء بالنزف والحزن على الدنيا، وما تبديه وتعمله مع أهلها.

 استحضر طه حسين هذه الثلة المباركة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، انصبغ بآلامهم وعاشها معهم كواحد منهم ، بل لا نخرج عن الحقيقة إذا قلنا إن آلامه التى سيقت إليه من رحم الأقدار كانت شقيقة لآلامهم من نفس الأب والأم.

لقد افترقت اللهجات والجنسيات والصور إلا أن الآلام كانت جامعة ولم تفرق أو على حد تعبيره وهو يذكر قول والد بلال فى حديثه عن الرق والحرية ، أو ليس من الغريب أن يجمع الرق ما فرقته الحرية، إن هذا الكلام الذى استنطقه طه حسين من شخوصه الذين كانوا حقيقة متجسدة فى لحم ودم، ثم صارت حقيقة متعينة وموجودة فى بطون الكتب ، لم يخرجه طه حسين من الكتاب بل أخرجه فى نزف روحه ودمه حينما تقرأ الأيام ونجد ما يحدث بين الأخوة فى الأسرة الواحدة ثم ترى مثيله فى الوعد الحق، لا تجد فى نفسك سوى أن طه كتب وعده الحق، كما كتب وعد هؤلاء: سالم مولى أبي حذيفة ذلك الذى أم الأشراف فى المدينة، وبلال الذى قال أنا حبشى وقد كنت عبدًا يعتلى الكعبة، وحتى المرأة نفسها التى بحث عنها فى فجاج الأرض ووجدها فى سوزان فى فرنسا هى هى بثينة التى احتضنت سالم وتلوعت عليه، ذاكرة مصاب كل أم بمصاب الفارسية أم سالم ، هى هى أم أنمار تلك التى كانت تسعى على ولد ونفسها، فسعت على ولد ثالث هو خباب بن الأرت.

إن العجمى التى حالت بين طه وسوزان هى ذاتها العجمى التى كنت تقف بين أم أنمار وربيبها خباب والمرأة ذاتها هى التى عبرت الساحل وتلطفت ورفقت ودنت وأعلت حتى صار العربى فرنسيا والفارسى عربيًا.

إن طه حسين لم يكن يكتب الوعد الحق بل كان يعايشه لحظة بلحظة يعاين غصصه وآلامه، يعاين لحظات انبلاج الفجر، التى لم يشهدها رباح ولا صحاحه، وشهدها بلال وبعد ذلك بثها طه فى سحر الأديب، أو أدب الساحر، فى دمعة المكلوم وفى نشوة الظافر.

 الوعد الحق لطه حسين كنز فى دار المعارف لا يخلق ولا يبلى لأن روح طه حسين مبثوثة فى جنباته ووعد الله الحق ثابت فى كل حكاية من حكاياته .. ” وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدوننى لا يشركون بي شيئًا.” صدق الله العظيم .

بهذه الآية بدأ الوعد الحق، وبها يُختم.

SHARE

اترك تعليق