عاطف عبد الغنى

قبل تحرك جيش نابليون نحو مصر للاستيلاء عليها فيما عرف بـ «الحملة الفرنسية عام 1798» أرسل من يستطلع أحوالها، وكان «قسطنطين فرانسو فولتى» الذى قدمه التاريخ على أنه فيلسوف، ورحّالة، ومستشرق، واحدًا من هؤلاء ووصف الأخير أحوال مصر بأنها غارقة فى الفوضى السياسية، والنذالة الاجتماعية، والخمول الثقافى، وتئن تحت وطأة جيش من النهابين قوامهم الحكام المماليك من السلالات الأجنبية التى حكمت مصر لقرون قبل أن يسيطر عليها العثمانيون الأتراك، ويستعينون بهم فى حُكم مصر لصالح القسطنطينية، وكان هؤلاء الأمراء بمثابة ذراع القهر العثمانى للسيطرة على الشعب المصرى المسكين.

هذه الصورة هى التى شجعت بونابرت على الشروع فى تنفيذ مغامرته إدراكًا منه أن هذه الظروف لن تنتج مقاومة حقيقية ضده، ولن تصد هجومه دولة استسلم فيها المواطن للقهر وانتشرت فيها الضغائن الاجتماعية وتوارى شعور الوطنية والقومية تحت وطأة غياب الدولة الحقيقية.

(1)

الأسبوع الماضى كنت واحدًا من 3 آلاف مدعو إلى مؤتمر يبحث قضية الهوية، ويسعى لوضع استراتيجية لبناء الإنسان المصرى، وهذا مشروع مهم جعله الرئيس عبد الفتاح السيسى الموضوع الرئيسى على أجندة المؤتمر الأول فى فترة رئاسته الثانية، والسادس الذى يتوجه فيه للشباب.

وقبل انطلاق أعمال المؤتمر بأيام قليلة كان هناك جدل مثار عن قصد، لإفساد احتفال مصر بالذكرى الـ (66) لثورة 23 يوليو، وزعيمها عبدالناصر، والهدف تزوير التاريخ، والتشويش على إدراك ومعرفة الشباب لتاريخ وطنهم الحقيقى، ومعروف من يفعل هذا، وهدفه من ذلك، لكن ما يدعو إلى الأسف هو  عجز الإعلام المصرى عن توثيق التاريخ، وأن يحدث هذا التزوير وما زال على قيد الحياة بعض من جيل الآباء والأجداد، الذين عاشوا واقع ما قبل عام 1952 وما بعده، أما الأحفاد فلم يمنحوا أنفسهم فرصة معرفة حكاية مصر الحقيقية فى استسلامهم لثقافة الـ «آى فون «والـ «آى باد»، المزيفة أو المسطحة فى أغلبها.

(2)

عندما نزلت عساكر نابليون من السفن إلى شاطىء مصر كانوا يرفعون لافتات مكتوبًا عليها باللغة العربية «الفرنسيون مسلمون حقيقيون»، هذا هو نابليون الغازى الذى أدرك أن الدين هو مدخل حقيقى لمشاعر وثقافة المصريين، وهذا الجنرال هو نفسه الذى أظهر تعاطفًا مع اليهود ووعدهم بإقامة وطن قومى لهم فى فلسطين للاستعانة بهم فى تحقيق أحلامه الاستعمارية فى الشرق، ومازال أحفاد نابليون الاستعماريون فى الغرب يتوجهون لشعوب الشرق بكل ما هو خادع للشعور القومى مغيّب لجذور الهوية، ماسخ للشخصية التاريخية.

وانكسر على صخرة مصر، وغادر نابليون بليل مهزومًا لكن بقى بعض قواده الذين وقعوا فى غرام ساحرة الشرق، فأشهروا إسلامهم، وتزوجوا مصريات، وفى أثر نابليون جاء محمد على المرتزق الألبانى فجلس على كرسى السلطة، وتخلص من هياكل الإدارة العفنة، فى مجزرة مشهورة قضى فيها على طغمة المماليك، وطارد من أفلت منهم إلى أقاصى البلاد، ثم طرد الباشا التركى، وانفرد بالسلطة.

أحلام محمد على الإمبراطورية دعته إلى إقامة جيش وطنى، وكثير من مشاريع الحداثة فى هذا العهد كانت موجهة بالأساس للتخديم على هذا الجيش، ولم يمنع هذا من تنمية باقى القطاعات، فى الزراعة مثلا، شق الترع والمصارف واستجلب أصنافًا وبذورًا جديدة، واستجاب لفكرة اثنين من المهندسين الفرنسيين فأقام أول قناطر على النيل، لكنه رفض فكرتهم بإقامة برزخ يربط بين البحرين الأحمر والأبيض، إدراكا منه أن «القناة» سوف تجعل من مصر مطمعًا للرأسمالية على غرار خليج البسفور التركى، وجاء حفيده إسماعيل، المبهور بحضارة باريس، فوافق على الفكرة، وتم شق القناة بالسخرة ودفن آلاف من المصريين الذين سقطوا أثناء الحفر في قاعها.

(3)

كانت أعمال محمد على تؤذن بأن مصر تستيقظ، بعد قرون من الغفلة والتخلف، لذلك قررت أوروبا أن تكسره، فاجتمعت عليه وهزمته فى معركة نفارين البحرية الشهيرة، وما لبثت أوروبا الاستعمارية، مع انكسار مصر، أن دفعت بجيوشها من النهابين واللصوص والمضاربين يمثلون هيئات مالية وسفارات غربية وقناصل دول، فأبرموا مع الدولة المصرية اتفاقات اقتصادية مجحفة نتج عنها فوائد ربوية هائلة فى ذات الوقت الذى شجعوا فيه الباشا (الخديوى) من خلفاء محمد على، على التوسع فى الاستدانة وانتهى الأمر بإعلان إفلاس مصر بعد افتتاح القناة بسنوات قليلة (1876) وفرضت أوروبا إنشاء صندوق للدين تحت إشرافها حتى يتثنى لها السيطرة الكاملة على مالية مصر، وتسارعت وتيرة الأحداث التى انتهت بإجبار الخديوى إسماعيل على التنازل عن العرش لابنه توفيق، واندلاع ثورة عرابى، والاحتلال الإنجليزى لتدخل مصر عصرًا جديدًا من الانحدار، صارت فيه رهينة حُكام الأسرة العلوية، والمندوب السامى الحاكم الفعلى للبلاد، ودارت تمثيلية الحُكم بين القصر والإنجليز والأحزاب (وعلى رأسها الوفد) مثل لعبة الكراسى الموسيقية، بينما كان غالبية المصريين حفاة، عراة، يستجدى الناشطون لأجلهم تبرع أهل الخير، بقرش صاغ، لتوفير مداس يحمى أقدام هؤلاء الضعفاء من أذى الطريق.

(4)

كانت هذه مصر عندما قامت ثورة 23 يوليو التى استفاق المصريون على وقع خطواتها المجلجلة بـ «البيادة الميرى» قبل أن ينضموا إليها ويستعيدوا معها كرامتهم المستباحة تحت وطأة التمييز الطبقى..

وغامرت مصر فى عهد عبد الناصر بالدخول فى معارك ضد غول الرأسمالية العالمية وشوكة إسرائيل التى انزرعت فى خاصرة العرب، وللمرة الثانية فى أقل من قرن من الزمان قرر الغرب أن يكسر التجربة، مرة فى عدوان 1956، ومرة عن طريق وكيل الشر إسرائيل فى 1967، ووقعت النكسة التى قصمت ظهر مصر، وسبحان من قيد لنا الانتصار بعد 6 سنوات فقط من السقوط.

وفى السبعينيات جاء الانفتاح «السداح مداح» ليسفر من جديد عن وجه رأسمالية الغرب المتوحشة، وينتج فى الداخل طبقة الشطار والانتهازيين، الذين ورثهم أبناؤهم فى الثروة والسلطة، وقامت على الأخيرين ثورة فى 25 يناير 2011.. ثورة غذاها الغرب للنفاذ إلى مصر هذه المرة عبر النخب التى ربَّاها فى معامله، البرادعى، وحمزاوى، ومن على شاكلتهما، وساند فيها الإسلاميين ليستخدمهم مرحليًا فى نشر الفوضى، لكن فى 30 يونيو 2013 انكسرت المؤامرة، وبعدها بخمس سنوات، وتحت قبة جامعة القاهرة، اجتمعت طليعة المصريين فى مؤتمر الشباب السادس، وفى هذا المؤتمر رأيت أن مصر تستيقظ مجددًا، وتسعى بقوة لاستعادة عافيتها.. بشرط أن تستوعب درس التاريخ حتى لا تتكرر مآسى الماضى القريب؟!وهذا ما أتمناه على الله.

SHARE

اترك تعليق