السيسى

يبدو أننا أمام إطلالة جديدة وهامة للسيد الرئيس عبد الفتاح السيسى، ولمصر على الساحة الدولية، حيث تخطي الرئيس في مشاركته في الدورة ٧٣ للجمعية العامة للأمم المتحدة هموم الداخل ومشاغله التي طغت على مشاركاته خلال الدورات السابقة. وحيث كان خلال الدورات السابقة مستغرقا ومهموماً عن حق بالتحولات السياسية التي شهدتها البلاد منذ 30/6/2013، وما كانت تتعرض له البلاد من إرهاب وعنف وأزمات اقتصادية وتحديات داخلية لمسار دستوري لم يكتمل. لينتقل في هذه الدورة بمصر لمشهد آخر ولديناميكية جديدة، وضع خلالها مصر – فيما بدا واضحا – في مقعد القيادة محليا، وإقليميا، ودوليا، متبوءً دورا محوريا رائدا بدا ملائما له تماما، حين عبر بقوة وصدق يميزه دائما عن هموم دول العالم الثالث. وكيف لا ومصر حاليا هي رئيسة مجموعة الــ 77 والصين. وتحدث باسم الدول الأفريقية وقد مثلناها باقتدار في مجلس الأمن الدولي لمدة العامين الماضيين باقتدار وفاعلية، ولازلنا أعضاء عن أقليم الشمال بمجلس السلم والأمن الأفريقي لمدة ثلاث سنوات ومع بدايات العام القادم ستتولي مصر رئاسة الاتحاد الأفريقي. وعبرّ الرئيس في كلمتة عن قضايا وهموم الشرق الأوسط، والأوضاع في منطقتنا خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، والأوضاع في ليبيا وسوريا واليمن والعراق. وخلال حديثة الواثق القوي والشامل أمام الجمعية العامة تحدث عن هموم العالم الثالث وقضاياه، وقدم تحليلاً صادقاً للتحديات التي تواجه النظام الدولي المهدد بسبب إهدار دور الأمم المتحدة، وتقويض لبنتها الأساسية، وهى الدولة القومية التي تتعرض للتفكيك الممنهج بفعل النزاعات التي تقوض فرص شعوبنا خاصة في المنطقة العربية، وأفريقيا في التنمية، والحياة. ودعا من أجل إيجاد نظام دولي جديد أكثر إنصافاً وعدالة، بدلا من النظام الذي يخدم الدول الصناعية الكبري على حساب مصالح دول عالمنا النامي. ولقد ذكرني الرئيس بكلمته الجادة أمام مجموعة الــ 77 + الصين بمواقف مصر عندما كانت رائدة كفاح التحرر الوطني في أفريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينية وفي قيادة حركة عدم الانحياز. إذاً قدم الرئيس مصر هذه المرة للعالم كفرصة استثمارية واعدة بعد أن قدم في السنوات السابقة مصر الدولة التي تواجه تحدي الإرهاب، وتحدي بناء مؤسساتها الدستورية، وتحدي بناء اقتصادها الوطني، فقد خطت واثقة بالشكل الذي أرست فيه دعائم دولة المؤسسات، وأرست فيه دعائم الدستور، والبرلمان، وتبنت برنامج جاد وصعب للإصلاح الاقتصادي أشادت كل مؤسسات التمويل بنجاحه، كما حسمت معركتها إلى حد كبير ضد الإرهاب. وعليه تحدث الرئيس بثقة عندما نبه لمخاطر انهيار الدولة القومية، بوصفه صاحب تجربة في الحفاظ على دولته القومية، بفضل تلاحم فريد بين جيش وشعب هذا الوطن، وتصدي بنجاح للإرهاب، وللمؤامرات التي لم تتوقف، ولاينال مع شعبه وجيشه الضغوط التي تتعرض لها البلاد أمنيا وسياسياً واقتصادياً وتنموياً وسياحياً بل ومائياً. ورغم كل ذلك تجاوز بمصر الصعاب وبدا مطلاً على العالم مسديا النصح، مرشدا ومن واقع التجربة علي أهمية حماية الدولة القومية فهي لبنة النظام الدولي المهدد حالياً. ودعا للتسويات الشاملة للنزاعات التي هي مصدر أساسي للإرهاب وانتشاره، ومصدر للهجرات غير الشرعية، ودعا لحلول شاملة لها مبنية علي أساس الجماعية و الدبلوماسية متعددة الأطراف، وإعلاء دور الأمم المتحدة بدل من التفرد الذي يسود عالم اليوم. ولم ينس الرئيس هموم وقضايا العالم الثالث في كلمته محدداً أن عدم المساواة وانعدام العدالة والإنصاف بين اقتصاديات العالم الصناعي المتقدم، والعالم الثالث الذي لا يزال يرزح تحت وطأة سياسات مجحفة لا تتيح له النفاذ للأسواق، أو بناء إنتاجيته، بل تٌرك ليعاني من الأزمات الاقتصادية المتتالية لصالح الدول الصناعية الكبرى ولصالح مؤسسات التمويل. حقق الرئيس أهداف الزيارة بعرض صورة مصر اليوم كدولة واثقة وقادمة اقتصادياً وتنموياً بشدة، ومما يعزز التفاؤل قربها من تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاستقرار الأمني، وتعزيز البنى التحتية، ودعم قدراتها بزيادة معدلات الاستثمارات الخارجية، وباكتشافات غاز شرق المتوسط وبناء قطاع اتصالات حديث يرافقه قطاع بنوك ومصارف متصل بالعالم يستطيع أن يقدم كل الخدمات المصرفية على أحدث مستوى، ومع شبكة طرق وموانئ ومدن وممرات بحرية تعيد بناء جغرافيا الوطن . تلك هي مصر التي قدمها الرئيس هذه المرة الفرصة الاستثمارية الواعدة والدولة الرائدة القائدة المسؤلة. ولم يفت الرئيس عرض ذلك خلال اللقاءات الثنائية الهامة خاصة القمة الأهم مع الرئيس ترامب، والتي أضافت مظهراً إيجابياً لرصيد المشاهد الإيجابية التي حققتها العلاقات مع الولايات المتحدة مؤخراً، فأشاد الرئيس ترامب بسياسة مصر الاقتصادية، وكذلك جهودها في مجال مكافحة الإرهاب، وتحقيق التسويات في المنطقة. وما لفت الأنظار بعد ذلك حديث الرئيس ترامب وللمرة الأولي في مؤتمر صحفي بعد كلمته وخلال أيضا قمتهُ مع نتنياهو عن حل الدولتين، ولأول مرة في تحول يعزي حتماً لاستماعه لوجهة نظر مصر بين وجهات نظر عربية ودولية كان لها هذا التأثير. عاد الرئيس إلى مصر وقد أحسن عرض صورة مصر أمام مجتمع الأعمال والاستثمار الأمريكي، والدولي، محملاً بنتائج إيجابية للقاءات قمم هامة مع زعماء العالم، الأهم أنه قدم مصر كرائد فاعل على المسرح الدولي يعبر عن قضايا وهموم وطنه وأقليمه والعالم. ………………………………………………………….. * الكاتب: مساعد وزير الخارجية الأسبق

الدكتور محمد حجازى
SHARE

اترك تعليق