إسماعيل منتصر

أستعير عنوان هذا المقال من الصحفى اللامع الراحل محمد حسنين هيكل الذي كتب في أعقاب حرب أكتوبر سلسلة مقالات شهيرة بعنوان كيسنجر وأنا .. مجموعة أوراق .

بالطبع لا أزعم أن ما كان بينى وبين الرئيس السادات يشبه ما كان بين هيكل  ووزير خارجية أمريكا كيسينجر.. فقد كان الأستاذ هيكل أيامها واحدا من ألمع نجوم الصحافة في العالم بينما كنت أنا علي وشك الانتقال  من كي جي تو إلى سنة أولى صحافة.. ومع ذلك كانت هناك علاقة تربطنى بالرئيس السادات أكبر بكتير من علاقة صحفي  برئيس.. علاقة مواطن شاب برئيس بلاده وهي علاقه أتمسك  بالحديث عنها، وإبداء رأيىّ فيها.

والحقيقة أنني لم أعرف شخصية مصرية ثار حولها الجدل كما ثار الجدل حول شخصية الرئيس السادات.

بالنسبة للبعض يعتبر الرئيس السادات بطلا أسطوريا حقق  لبلاده الانتصار وسبق زمانه بكثير .. وبالنسبة للبعض الآخر فإن الرئيس السادات خان وطنه وتنكر لعروبته وباع مقدرات شعبه للعدو .

أصحاب هذا الرأي الأخير قلة قليلة ينتمي أكثرهم للتيار الناصري.. ولكن مشكلتهم أنهم كانوا دائما من أصحاب الصوت العالي ..

وليس في  استطاعة أحد أن يقف علي الحياد بين الرأيين فإما أنك مع الرئيس السادات أو أنك ضده وعليه!

أنا شخصيا أنتمي لأصحاب الرأي الأول الذين يعتبرون السادات بطلا أسطوريا سبق عصره وزمانه.. والحقيقة أنني لا أستطيع أن أقبل وأفهم منطق الذين يكرهون السادات ويعتبروه خائنا لوطنه.

يزعم أصحاب هذا المعسكر أن الفضل في بناء الجيش المصري وتجهيزه للحرب يعود إلي الرئيس جمال عبد الناصر وليس الرئيس السادات ،ويزعم أصحاب هذا المعسكر أن الرئيس السادات لم يكن في  نيته أبدا أن يحارب ولكنه اضطر تحت ضغوط شعبه وجيشه ، ويتجاهل هؤلاء أن الرئيس جمال عبد الناصر قبل مبادرة روجرز الأمريكية واختار الابتعاد عن طريق الحرب

ثم إنني لا أستطيع أن أفهم منطق أصحاب هذا المعسكر الغريب العجيب.

يقولون إن هزيمة يونيه 67 أشرف من انتصار أكتوبر 73.. ويزعمون أن هزيمة 67 أدت إلي انتصار 73 .. أما انتصار 73 فقد أدى إلي انبطاح مصر أمام العدو الصهيوني.

كيف تكون الهزيمة أشرف من النصر؟!

لا أعرف .. وكيف تؤدي الهزيمة إلي انتصار ويؤدي الانتصار إلي هزيمة؟!..  لا أفهم .

كل الذي أعرفه وأفهمه أن عبد الناصر اختار أسوأ قادة للجيش وقام بتشتيت هذا الجيش وبعثرة جهوده .. وأنه المسئول الأول عن تدمير هذا الجيش وتحطيمه ..أما الرئيس السادات فقد أعد الجيش أفضل إعداد واختار له أكفأ القادة وزوده بأقوى الأسلحة ثم اتخذ قرار الحرب وحارب .

ثم إن أصحاب هذا المنطق المغلوط من أصحاب التيار الناصري انقسموا علي أنفسهم وهم أيضًا محل انتقاد الكثير من المصرين.. بل إنهم محل  انتقاد أبناء الرئيس عبد  الناصر أنفسهم .. لأن  قادتهم ورموزهم تحالفوا مع الإخوان… ألد أعداء عبد الناصر .

وليس معني ذلك أنني أكره الرئيس جمال عبد الناصر .. الحقيقة أنني أحبه وأقدره ربما أكثر مما يحبه الناصريون ويقدرونه.. الفارق أن الذين ينتمون للتيار الناصري يتصورون أن جمال عبد الناصر  نصف إله … بينما ما أراه أنا أنه زعيم عظيم ورئيس عظيم .. له انجازات عظيمه وأخطاء عظيمة أيضا . !!

وأعتذر عن هذه المقدمة التي  طالت بأكثر مما قدرت وأدخل مباشرة في موضوع المقال.. حكايتي مع الرئيس السادات.. حكاية مواطن شاب مع رئيس بلاده .. وهي حكاية تلخصها ثلاثة مشاهد جمعت المصادفة بينها في مكان واحد ..شارع رمسيس .

وقعت أحداث المشهد الأول فى أعقاب هزيمة يونيو أو معرفة الشعب بتفاصيل الهزيمة.

كنت واحدا  من ملايين المصرين الذين صدمتهم الهزيمة  .. لدرجة أنني لم أصدق .. لم أصدق أن إسرائيل انتصرت واحتلت سيناء ودمرت الجيش المصري.

وفي مثل هذه الأجواء المحبطة سرت شائعة غريبة فتحت باب الأمل لأمثالي  من جديد .. مصر قامت بأسر 6 آلاف جندي إسرائيلي سيتم نقلهم بقطار حربي للقاهرة ومن المقرر وصولهم إلي محطة مصر في تمام الرابعة من بعد ظهر الغد..

ذهبت مع الآلاف لرؤية الأسرى الإسرائيليين قبل موعد وصولهم بنحو ساعتين .. كان الزحام هائلا ولم أستطع أن أتجاوز مكاني في شارع رمسيس .

وطال الانتظار ثم فجأة وجدت العشرات من عربات الإسعاف تنطلق في  شارع رمسيس .. وعرفت الحقيقة عرفت أن القطار الحربي وصل إلي  محطة مصر حاملا الجرحي من الجنود المصريين وليس  الأسرى الإسرائيليين .

يومها بكيت كما لم أبكِ في  حياتي أوجعتني الهزيمة .. وأوجعني الوهم ..  وكنت مثل طفل صغير ضربه أطفال أكبر منه، فراح يبحث عن أبيه ليحتمي فيه ويطلب منه أن يقتص له من الذين ضربوه .. فلم يجد هذا الأب.

وبهذه المشاعر المؤلمة عشت سنوات مابعد هزيمة يونيو.

 ومات الرئيس جمال عبد الناصر وأصبح السادات رئيسا لمصر … وتصورت أنه الأب الذي يبحث عنه الطفل المضروب لكنه خيب  رجائي.

وبدأت أحداث المشهد الثاني.

 اندلعت مظاهرات الغضب في  مطلع عام 1972 تطالب بإسقاط السادات بعد أن قام الرئيس السادات بتأجيل عام الحسم الذي أعلن أنه سيكون في عام 1972

كان السبب الرئيسي لمظاهرات الغضب أن المصريين تصوروا أن الرئيس السادات لن يحارب، وأنه لا يفعل أكثر من إضاعة الوقت. ووجدت نفسي واحدا من هؤلاء الغاضبين وجدت نفسي مشاركا في المظاهرات التي اندلعت في يناير من عام  1972.

انطلقت في  طريقي إلي ميدان التحرير للمشاركة في المظاهرات لكنني لم أستطع تجاوز شارع رمسيس .. وتذكرت وأنا واقف في الشارع وسط المتظاهرين ماحدث يوم وصول قطار الجنود الجرحي.. وامتدت يدي تقذف بالحجارة جنود الشرطة.. وارتفع صوتي يصرخ ويهتف بسقوط السادات.. وعلي  امتداد ثلاثة أيام رحت أكرر ما فعلته.. استخدام الحجارة والهتاف بسقوط السادات.

 وانتهت المظاهرات ووجدت اليأس يتسرب إلي نفسي.. لن نحارب ولن يسقط السادات!… ومرت الأيام وذات يوم وقعت الواقعة.. ذات يوم بدأت فجأة أحداث المشهد الثالث.

كنت أستمع بالمصادفة للراديو ظهر يوم 6 أكتوبر من عام 1973 عندما سمعت المذيع يلقي بالبيان رقم واحد ولم أفهم .. وسرعان ما انطلق صوت المذيع بالبيان رقم اثنين .. ولم أصدق، وعلي امتداد أيام القتال عشت ملتصقا بالراديو .. أكتم فرحتي خوفا من المفاجآت وتحققت المعجزة وانتصرنا.

 وذات يوم وبينما كنت أقف في شارع رمسيس أنتظر حضور الأتوبيس لكي يقلني إلي منزلي بحي شبرا، وجدت الرئيس السادات يستقل سيارة مكشوفة متجها إلي  مجلس الشعب  لحضور الجلسة التاريخية التي  كرم فيها قادة الجيش المصري.. ووجدت نفسي أندفع نحو سيارته ألاحقها وأنا أهتف له بأعلي صوت والدموع تنهمر من عيناي .. وتذكرت ما مر بي من أحداث في  نفس المكان .. في  شارع رمسيس .

أخيرًا وجد الطفل الصغير المضروب أباه لكي يحتمي به ويقتص له من الذين ضربوه وانصرف موكب الرئيس في اتجاهه إلي مجلس الشعب .. ووقفت مكاني وقد أتاني شعور عظيم بالخجل من نفسي .

كنت واحدًا من الذين تسببوا في  إرباك الدولة في وقت عصيب تحتاج فيه إلي الاستقرار والعمل في هدوء .. كنت واحدا من الذين حاولوا إسقاط هذا الرجل الذي تحمل مالاطاقة له به، والذي راح يعمل في  صمت .. يخطط ويجهز ويختار قادة جيشه ويسافر إلي  آخر الدنيا لكي يضمن السلاح لجيشه.. ثم اتخذ قرار الحرب في  الوقت الذي كان يناسب ظروف الجيش واستعداده وتدريبه.. وليس ما يطلبه المستمعون، كان شعوري بالخجل عظيما.. الخجل من أبي الذي اقتص لي وثار من الذين ضربوني..

ويمر علي  هذه الذكرى 45 عامًا وأجد نفسي مدينًا بالاعتذار لرجل تمنيت أن تسمح لي الظروف بتقديمه له ..

الرئيس السادات أرجو أن تقبل اعتذاري، صحيح أنه اعتذار متأخر جدا لكن أن تصل متاخرًا خير من ألا تصل أبدا .

SHARE

اترك تعليق