سمير فرج

يهل علينا يوم السادس من أكتوبر، من كل عام، حاملاً معه أجمل ذكرى لانتصار العسكرية المصرية في العصر الحديث، تستعيد مع القوات المسلحة المصرية، وشعب مصر بأكمله، ذكريات العزة والفخر والكرامة والاستبسال.

لن أنتظر لبعد غد، السبت، لأستعيد، بكل دقة، تفاصيل يوم السادس من أكتوبر 73، فتلك التفاصيل لم تفارقني يوماً، وكأنها كانت بالأمس القريب، عندما دخلنا غرفة العمليات في الصباح، وكل من بداخلها على علم بأن اليوم، هو يوم الهجوم، واقتحام قناة السويس … وبدأت البلاغات الأولى تتوالى، من استلام المهمة للقادة بتوقيت الهجوم، وتمام استعداد مجموعة المدمرات والغواصات في البحر الأحمر، لتنفيذ مهمة إغلاق مضيق باب المندب، أمام الملاحة الإسرائيلية.

وفي تمام الساعة الثانية عشر ظهراً، رفعنا خرائط التدريب من على حوائط مركز العمليات، لنضع خرائط “الخطة جرانيت”، لاقتحام قناة السويس، وتدمير خط بارليف، وتكوين رأس كوبري بعمق 15 كم شرق قناة السويس. وفي الواحدة ظهراً، وقبل بدء الهجوم، حضر الرئيس محمد أنور السادات، إلى غرفة العمليات، يتبعه جنود يحملون الشطائر والعصائر، ليبلغنا بأن فضيلة مفتي الديار المصرية قد أباح لنا، نحن المقاتلون على الجبهة، الإفطار في رمضان. وبدأ الجنود في توزيع الشطائر والعصائر، والحقيقة أن الجميع وضعوها في الأدراج، فمن منا يهتم بطعام أو شراب في تلك اللحظات الحاسمة من عمر الوطن.

وبدأ العد التنازلي لشن الحرب، وتلقينا البلاغات بوصول قوات خلف الخطوط، التي اندفعت في عمق سيناء، لإبلاغنا عن تحرك احتياطيات الجانب الإسرائيلي، وما هي إلا دقائق حتى انطلقت قواتنا الجوية في ضربتها الأولى، معلنة بدء الهجوم، ورأينا على شاشات مركز العمليات، طائراتنا الحربية تعبر القناة، فتيقنا حينها أن المعركة قد بدأت، بعد سنوات وسنوات من الانتظار … وبدأت البلاغات تتوالى بسقوط نقط خط بارليف … وعبور موجات الاقتحام الأولى وفقاً لخطة “التوجيه 41″، التي أعدها الفريق سعد الدين الشاذلي.

وبعد نحو ساعة من انتهاء الضربة الجوية الأولى، وإذ نحن منهمكين في تجميع بيانات أعمال القتال، إذا بالفريق الجمسي يهب من مكانه، في اتجاه الفريق الشاذلي، هامساً في أذنه ببعض الكلمات، قبل أن يتوجها، معاً، إلى المشير أحمد إسماعيل، ليستكملوا همساتهم معه … والحقيقة أنني تعجبت، فلا أرى أمامي ما يستدعي الهمس، أو إبلاغ المشير إسماعيل بأمر ما، فالخطة تسير على أكمل وجه … وخسائرنا أقل من المتوقع في تلك اللحظة. ثم رأيت المشير أحمد إسماعيل يستأذن الرئيس السادات في التحدث معه في أمر خاص، وخرج الاثنين من الغرفة، إلى غرفة ملحقة، وما هي إلا دقائق معدودة حتى عادا معاً إلى غرفة العمليات … عرفت، فيما بعد، أن المشير إسماعيل كان يبلغ الرئيس السادات بخبر استشهاد شقيقه، أثناء الضربة الجوية، خاصة لعلمه بارتباط الرئيس السادات بشقيقه، الذي كان الأصغر والأقرب له بين إخوته … وعلمت بعدها أن الرئيس السادات تلقى الخبر في قمة الهدوء والثبات، قائلاً “كل الجنود والضباط أبنائي وإخوتي، وهو واحد منهم … لله ما أعطى ولله ما أخذ، وكل شيء عنده بميعاد”. ثم عاد لغرفة العمليات، ليطمئن على سير العملية، قبل أن يتوجه للقاء الأستاذ محمد حسنين هيكل، والسفير السوفيتي.

ومازلت أتذكر أن أجمل خبر أسعدني يوم السادس من أكتوبر 73، هو التقاط المخابرات الحربية المصرية، لإشارة لاسلكية موجهة من قائد القوات الجوية الإسرائيلية، لجميع الطيارين الإسرائيليين، بمنع الاقتراب من قناة السويس لمسافة 15 كم، بعدما شاهد كثافه حائط الصواريخ المصري، على شاشة الرادار الإسرائيلي. أرسل تلك الرسالة دون تشفير، غير عابئ بالتقاطنا لها، أمام محاولة إنقاذ قواته … ساعتها تيقنت أن الهجوم المصري سوف ينجح، وأن قواتنا البرية سوف تعبر القناة، وتقتحم خط بارليف، بعدما تمكنت من شل حركة القوات الجوية الإسرائيلية، وتحييد قدرتها على التدخل في هذه العملية … فكان لرجال الدفاع الجوي المصري فضل عظيم وكبير، في تحقيق النصر في ملحمة أكتوبر 73.

بعد الحرب مباشرة، وانتصار قواتنا المسلحة فيها، توجهت للدراسة في كلية كمبرلي الملكية في إنجلترا، وبفضل من الله، وبفضل ذلك الانتصار المجيد، مكثت عاماً كاملاً وأنا ضابطاً متوجاً بتاج النصر، يشار إليه بالبنان، بأنه أحد أفراد القوات المسلحة المصرية، التي قلبت موازين القوى، بما حققته في حرب أكتوبر 73 … ولم يحدث أن مرت محاضرة، إلا وكان السؤال في نهايتها، عن كيفية تحقيق المصريين لذلك النصر، مستخدمين مبادئ جديدة في هذه الحرب، من ابتكارهم؟ خاصة أن مصر وإسرائيل هما الدولتان الوحيدتان اللتان خاضتا حرباً حديثة متكاملة، منذ الحرب العالمية الثانية.

وقد منحني ذلك الانتصار، وانتمائي للقوات المسلحة المصرية، أن أشارك في ندوات، ذات طابع سري للغاية، للجيش البريطاني، حول تطوير الفكر القتالي، بعد حرب الشرق الأوسط، وكانت أهمهم تطوير سياسة الدفاع المضادة للدبابات، في مسرح عمليات غرب أوروبا، أيام الصراع بين حلف وارسو، وحلف الناتو، وكل ذلك بسبب تلك الحرب التي قدم فيها الجيش المصري أساليب ومفاهيم جديده في فنون القتال، لم تكن معروفة من قبل، وابتكرها الجيش المصري ليتغلب على مصاعب خط بارليف، ذلك المانع الذي أعتبره البعض أكبر مانع مائي في التاريخ، وأقوى خط دفاعي.

وأذكر أنه بعد انتصار مصر في حرب أكتوبر 73، غيرت معظم دول العالم، من تفاصيل عقائدها العسكرية، بناء على ما فعله المصريون في حرب أكتوبر، سواء على مستوى القوات البحرية أو الجوية أو الدفاع الجوي أو حتى في أساليب قتال القوات البرية … أقول هذا ليفخر كل مصري بأداء القوات المسلحة المصرية، في هذه الحرب، التي سجلت في صفحات التاريخ الحديث، كأعظم المعارك العسكرية.

Email: [email protected]

SHARE

اترك تعليق