عاطف عبد الغنى

أدير شريط الفيديو أمامى على شاشة الكمبيوتر فينطلق الصوت المميز للرئيس الراحل أنور السادات وهو ينطق كلماته ضاغطًا على مخارج الحروف واثقًا وثوق البطل المنتصر فيقول:

« سوف يجىء يومًا نجلس فيه لنقص ونروى ماذا فعل كل منا فى موقعه.. وكيف حمل كل منا أمانته وأدى دوره.. كيف خرج الأبطال من هذا الشعب، وهذه الأمة فى فترة حالكة ساد فيها الظلام يحملون مشاعل النور، ليضيئوا الطريق حتى تستطيع أمتهم أن تعبر الجسر ما بين اليأس والرجاء».

 بالضبط 42 ثانية ينتهى عندها الشريط وتستبدل شاشة «يوتيوب» مشاهد الفخر والانتصار، بالإعلان عن فيديوهات لمعارك وهمية، ومشاهد إباحية، وفوضى وإرهاب.. فيديوهات تدعو للقرف، والنقمة والكفر بالوطن، والإلحاد.. ماذا حدث خلال 45 عامًا، مرت على عبور مصر إلى ضفة الرجاء ؟!.. حدث أن الأعداء لم ولن ينسوا لمصر أنها استعادت كرامتها وكسرت غرورهم وأذلتهم فى حرب أكتوبر 73، وتواصل الآن معاركها لأجل الانتصار للحياة ذاتها.

(1)

فى شهر أبريل 2011 كان المصريون مشغولين إلى حد كبير فى حراسة منازلهم وممتلكاتهم وعلى الإجمال بلدهم التى يتهددها الفوضى من مداخل شتى، منها أعداء الداخل، قبل أعداء الخارج، وقد اختلطت الأمور كثيرًا فلم يعد كثيرون يميزون الصديق من العدو.

 لكن عدو كان يعرف ما يريد فانتهز انشغال المصريين ليصنع فيلمًا أطلق عليه صفة «الوثائقى» لإضفاء الأهمية، وعنوانه: «من الذى قتل أبانا؟!» وبثه لأول مرة على القناة الأولى فى التليفزيون الإسرائيلى.

ينطلق الفيلم الإسرائيلى من حادث اغتيال الملحق الجوى العسكرى (الإسرائيلى) جوالون قبل هجوم المصريين وانطلاق حرب أكتوبر بثلاثة أشهر، بالتحديد قتل جوالون هذا فى الأول من شهر يوليو عام 1973 ، ويقول الفيلم على لسان أحد المؤرخين الإسرائيليين، يدعى أورى ميلشتاين، إن اغتيال هذا الضابط حدث لأنه كشف عن خطة اتفقت فيها مصر وإسرائيل برعاية من الولايات المتحدة على ترتيب حرب ينتصر فيها المصريون انتصارًا صغيرًا، لذلك تم قتل الضابط الإسرائيلى حتى لا يشيع السر ويتم إجهاض الخطة..

ويمضى خيال المؤرخ الإسرائيلى المزيف ميلشتاين، أحد صُنّاع الفيلم، محاولاً تبرير هذا الاتفاق – حسب زعمه – بأن الهدف منه كان إحلال الولايات المتحدة محل الاتحاد السوفيتى فى المنطقة العربية.

(2)

إلى هذا الحد يمكن أن يجنح خيال التزوير الصهيونى؟!

الإجابة: نعم، والبحث فى العقيدة الصهيونية يؤكد أن هذا الخيال لا يقف عند حد بل يصل إلى مخاتلة، وخداع، الإله الصهيونى ذاته بعد وصمه بالعنصرية المقيتة، واغتيال كل القداسات، وانتهاك براءتها لأجل السيطرة والفوز بملذات الدنيا، وهناك تاريخ طويل أحدث وقائعه سرقة وطن الفلسطنيين، وتهويد القدس لتكتمل أركان الأسطورة التى يقتاتون عليها منذ آلاف السنين عن شعب مختار ومفروز من الإله، يسعى لإقامة مملكة سياسية عنصرية يحكم من خلالها العالم ويذل أعداءه التاريخيين الذين سبق وأن استعبدوه فى مصر أو العراق.. هكذا تقول أسطورتهم التى يتعبدون للرب بها.

(3)

هزم السادات ورجاله الأبطال، العدو، وقد مهد للهزيمة بخطة خداع استيراتيجية غاية فى الروعة، تستحق تفاصيلها الذكية أن تروى فى 20 فيلمًا وثائقيًا، نجيب فيه عن سؤالهم: « من الذى قتل أباهم؟!».

وفى ذاكرتى واقعة لا أعتقد أنها معروفة للكثيرين، وهى تشير إلى عبقرية وذكاء السادات، ليس فقط فى الحرب، ولكن فى المفاوضات التى استرد فيها ما تبقى من أرض مصرية لم تحررها الحرب.

 وكان السادات كلما تعثرت هذه المفاوضات بين مصر وإسرائيل يبعث للحكومة الإسرائيلية ويخبرها أنه تم العثور على جثامين أو رفات جنود إسرائيليين فى سيناء، ممن قتلوا فى حرب أكتوبر، ويتكهرب الجو فى إسرائيل التى تهرول حكومتها لتستلم هذه الجثامين وتقيم لها جنازات رسمية، وتنكأ هذه المظاهر جرح الهزيمة، وينتفض الرأى العام الإسرائيلى لمرأى النعوش، ويبكى الآباء ويلطم النساء أبناءهم وشبابهم الذين دفع بهم قادة الحرب للموت على الجبهة المصرية، ويضغط أهالى المفقودين والقتلى على الحكومة للوصول إلى اتفاق مع مصر حتى لا تتكرر المأساة فى حرب أخرى وتحل كارثة أخرى على إسرائيل..

(4)

وعن الجانب الإسرائيلى يمكننا أن ننقل عشرات الروايات والاعترافات الرسمية بالهزيمة، تلك التى أدلوا بها أمام لجنة «أجرانات» التى حملت اسم القاضى رئيسها، وتم تشكيلها لتحقق رسميًا فى أسباب الهزيمة، وأعمال هذه اللجنة ونتائجها، واعترافات قادة إسرائيل أمامها وعلى رأسهم رئيسة الوزراء أثناء الحرب، جولدا مائير، التى فكرت فى الانتحار على إثر الهزيمة، كان كل هذا يأتينا عبر الإذاعة المصرية فى برنامج مميز بصوت الإذاعى القدير، المراسل الحربى فى أكتوبر 73، حمدى الكنيسى، أطال الله فى عمره، وتابعت هذا التأريخ عبر الراديو، قبل أن تظهر وتنتشر وسائل أخرى للإعلام أحدثها هذا الموقع الذى لا نملكه، ولا نتحكم فيما يبثه من سموم، أقلها تزويره التاريخ والتشويش على الحقيقة هذه الوسيلة الجهنمية التى تسمى «يوتيوب».

وفى ذكرى مرور 45 عامًا على الانتصار الكبير للعرب ومصر، فى واحدة من أهم معارك العصر الحديث، نستطيع أن نؤكد أن جهدنا قد قل نحو توثيق حقيقة الانتصار المصرى الباهرة، واقتصر العمل على تناول الحدث على أيام قليلة تدور حول يوم السادس من شهر أكتوبر، نتذكر فيها الانتصار، ونحتفل به بشكل غير منظم، هذا بينما تواصل إسرائيل عملها الدءوب لتزوير الحقيقة وسرقة هذا النصر بكل الطرق والوسائل الممكنة.

SHARE

اترك تعليق