إسماعيل منتصر

عشقت الموسيقى منذ طفولتى ..البداية كانت ببعض الأغنيات القصيرة الساحرة مثل أغنية “غريبة ومنسية” للمطربة الجميلة نجاة الصغيرة،  و “نار يا حبيبى” و “أهواك” لمطرب جيلنا وكل الأجيال عبد الحليم حافظ.. ثم بدأت تشدنى مقدمات ونهايات البرامج الإذاعية المختلفة والتى اكتشفت فيما بعد أن معظمها مأخوذ من الموسيقى العالمية.

هل اكتشف والدى رحمه الله حبى المبكر للموسيقى؟..هل كان فى خطة تربيته وتنشئته لي أن تصبح الموسيقى أعظم هواياتى؟.

ليس فى استطاعتى تحديد الإجابة لكن والدى على أية حال أمسك بيدى وأدخلنى عالم الموسيقى من أجمل وأرقى أبوابه.

هكذا عرفت الأوبرا وبدأت مع شقيقاتى فى حضور حفلات الأوبرا الموسمية والتى كانت تستضيف أعظم الفرق العالمية.

وبدأت أكتشف سحر وجمال هذا العالم الجديد.. شاهدت معظم عروض الأوبرا العالمية.. “كارمن” و”عايدة” وحلاق أشبلية” و”زواج نيجارو” وغيرها.. واستمتعت بأعظم فرق العالم وهى تعزف أعظم الأعمال الموسيقية التى عرفتها البشرية.. أعمال خالدة لموسيقيين خالدين “بيتهوفن” و”موزار” و”تشايكوفسكى” و”بيزيه” و”فردى” و”باخ” و”شتراوس” وغيرهم الكثير.

وعرفت عن هذا العالم الكثير.. عرفت أن أصوات مغنيين الأوبرا يتم تصنيفها حسب طبقة صوت المؤدى.. ثينور وهو الصوت الرجالى العريض وسبرانو وهو الصوت النسائى الحاد جدًا القادر على الوصول إلى أعلى درجات السلم الموسيقى،.. والميتاسبرانو وهى الدرجة الأقل حدة من السبرانو.

وعرفت أن السيمفونية عمل موسيقى مكون من أربع حركات تشارك كل الآلات الموسيقية فى عزفها.. أما الكونشيرتو فهو عمل موسيقى مكون من ثلاث حركات تلعب فيه إحدى الآلات الموسيقية دور البطولة تعزف منفردة وتقوم باقى الآلات الموسيقية بالرد عليها فى انسجام وتناغم.

ثم اكتشفت سر جمال هذا النوع من الموسيقى.. الموسيقى الكلاسيك.. ويتلخص هذا السر فى أن هناك دائمًا لحنا أساسيًّا رئيسيًّا… تصاحبه أكثر من خلفية موسيقية تصعد وتهبط مع اللحن الرئيسي أحيانًا وتتداخل معه أحيانًا أخرى.

وليست كل الأذان قادرة على الاستماع للموسيقى بهذه الكيفية.. بالاستماع للحن الرئيسى وفى نفس الوقت الاستماع للخلفيات التى تصاحبه… وكلما كانت الأذان قادرة على التمييز بين اللحن الرئيسى والخلفيات المصاحبة له، كلما زاد استمتاعك وارتقى حسك.

وعرفت أكثر وأكثر.. أن كل الذين ألفوا الموسيقى الكلاسيك لا يفعلون ما يفعله ملحن الموسيقى الشرقية.. لا أحد منهم يجلس أمام بيانو أو يمسك بيده أى آلة موسيقية ويجرب ما يفتح به الله عليه من ألحان.. دائمًا يمسك المؤلف بقلم وورقة ويكتب بالرموز الموسيقية اللحن الرئيسى والخلفيات المصاحبة له.

وأظن أن كثيرين لا يعرفون أن المؤلف الموسيقى الشهير “بيتهوفن” أصيب بالصمم فى أواخر أيامه ولم يسمع على الأقل ثلاث سيمفونيات من تسعة قام بتأليفها.. ومع ذلك كتب ألحانها وأصبحت واحدة من مفردات التراث الحضارى العالمى.

سمعت يومًا الراحل حسين فوزى وكان واحدًا من ألمع المثقفين المصريين.. سمعته يجيب عن سؤال وجهته له إحدى مذيعات التلفزيون.

سألته المذيعة إذا حدث وسافرت إلى القمر وأمضيت به عدة شهور فهل تأخذ معك كتبًا أم أسطوانات موسيقية.. اختر!.

رد حسين فوزى بسرعة وبدون تردد.. آخذ معى كتبًا ومن بينها نوت موسيقية.. أقرأها وكأنى أسمعها(!!!).

وأصحبت موهوبًا فى تذوق الموسيقى الكلاسيك والاستماع إليها.. ذات ليلة جلست مع صديق لى رحمه الله نستمع إلى البرنامج الموسيقى من الراديو.. كنا نسمتع إلى عمل نسمعه للمرة الأولى.. وقبل أن ينتهى العمل الذى نستمع إليه قلت لصديقى.. إن ما نسمعه يحمل روح دفورجاك.. وانتهى العمل الموسيقى وسمعت المذيع يقول سيداتى آنساتى سادتى استمعتم إلى سيمفونية العالم الجديد من أعمال الموسيقار العالمى دفورجاك(!!!).

وهكذا غرقت فى بحر الموسيقى الكلاسيك دون أن أسمح لنفسى حتى بالاقتراب من شواطئ الموسيقى الشرقية!.

كنت أعتبر الموسيقى الكلاسيك أكثر رقيًا وتميزًا من الموسيقى الشرقية التى تعاملت معها كأنها رجس من عمل الشيطان… لا أقترب منها.. ثم.. وقع الزلزال!

أهدانى والدى بمناسبة تفوقى فى امتحان الصف الثانى الإعدادى راديو ترانزستور صغير كان أيامها أعجوبة من أعاجيب التكنولوجيا.. وكان مع هذه الأعجوبة أعجوبة أخرى.. سماعة صغيرة بسلك طويل.. أغرس نهايته فى الراديو وأضع السماعة داخل أذنى فأسمع مالا يسمعه غيرى(!!).

وذات ليلة استلقيت على فراشى أستمع إلى الراديو الترانزستور.. وبينما كانت أصبعى تحرك مؤشر الراديو ببطء التقطت أذناى ما أصابنى بالذهول.

استمعت إلى لحن شرقى تعزفه آلتى الماندولين والكمان.. وعرفت فيما بعد أنه المقدمة الموسيقية للكوبليه الثالت من أغنية أمل حياتى التى لحنها الموسيقار الأشهر محمد عبدالوهاب.. وجاء بعد هذه المقدمة صوت أم كلثوم تغنى وتشدو بكلمات الأغنية وزادت مساحة الذهول ورحت أصفق طربًا وأنا مستلقٍ يغمرنى شعور عميق بالسعادة.

وهكذا وقعت فى غرام صوت أم كلثوم من أول لحن تلقيه المصادفة فى أذنى.

فى صباح اليوم التالى لم أَضيع وقتًا.. بدأت رحلة اكتشاف أم كلثوم.. وأمضيت شهورًا فى هذه الرحلة استمعت خلالها لمعظم أغانيها الجديدة والقديمة.

كانت أغانى أم كلثوم بالنسبة لى لآلئ منثورة على شاطئ مسحور وكانت مهمتى ومتعتى أن أجمع هذه اللآلئ وأتحسسها بيدى.

وقابلتنى مشكلة لم تكن فى حسبانى.. عرف أبي أننى أسمع أم كلثوم فغضب غضبًا شديدًا وأًصدر أوامره لى بالامتناع تمامًا عن تعاطى صوت أم كلثوم(!!!).

ولم يكن فى إمكانى الانصياع لأوامر والدى.. وتحولت أم كلثوم بالنسبة لى إلى فاكهة محرمة.

وهكذا استمرت علاقتى بأم كلثوم.. كنت أطارد أغانيها فى محطات الإذاعة وبرامج التليفزيون لكن فى الخفاء.. وعندما كان يحين موعد حفلتها الشهرية أول خميس من كل شهر كنت أبذل جهودًا خرافية لتهريب جهاز الراديو داخل حجرة الصالون البعيدة عن غرفة نوم والدى.. وأستمع إلى الحفلة وأذنى ملتصقة بالراديو خوفًا من أن يفضح صوتها أمرى!.

وكنت أحيانًا أقنع شقيقاتى بالسهر معى والاسمتاع لحفلة أم كلثوم لا لشىء إلا لكي يتفرق الدم بين القبائل إذا استيقظ والدى وقرر عقابى (!!).

وحدث يومًا أن عدت إلى منزلنا مبكرًا.. ووجدت باب شقتنا نصف مفتوح فدخلت دون أن أدق الجرس.. وفاجأنى صوت أم كلثوم وهى تغنى “أنساك”.. ونظرت إلى أبى فوجدت الدموع تنهمر من عيناه.. ونظرت إلى أبى متسائلًا فقال لى.. تذكرت والدتك رحمها الله.

لكنها أم كلثوم!

أعلم يا ولدى لكننى منعتك من سماع أغانيها خوفًا من أن تستيقظ مشاعرك مبكرًا وأنا لا أريد لك أن تنشغل بغير دراستك!

وأفهمت والدى أن آخر ما أسمعه من أغانى أم كلثوم هو الكلمات والمعانى ولكننى أستمتع بصوتها والألحان التى تغنيها.

ولم أكن بعيدًا عن الحقيقة ففى كثير من الأحيان كنت أسمع أغانى أم كلثوم فأحس وكأننى أسمع كونشيرتو عالمى.. تتحاور فيه الآلات الموسيقية مع أجمل آلة موسيقية خلقها الله.. صوت أم كلثوم (!!).

كان صوت أم كلثوم بالنسبة لي كأنه عروس البحر التى أحبت أميرًا من البشر فقامت باختطافه وسحبته إلى الأعماق ليعيش معها فيرى عالمًا غير العالم الذى نعرفه وألوانًا غير الألوان التى نراها.. دون أى اعتبار بالطبع للفوارق الفسيولوجية التى تمنعه من أن يعيش ويتنفس تحت الماء!!

هكذا هو صوت أم كلثوم بالنسبة لى يسحرنى ويخطفنى ويسحبنى معه إلى الأعماق فيغيب عنى كل شئ.. حتى الكلمات والمعانى!

وكثيرًا ما تمنيت حضور حفلة لأم كلثوم التى كانت مشهورة بلقب كوكب الشرق، وإن كانت بالنسبة لى كوكب الشرق والغرب والشمال والجنوب.. كثيرًا ما تمنيت أن أسمعها وجهًا لوجه لكن وضعى كتلميذ، ومصروفى المحدود، منعانى من ذلك فكنت أحضر يوم حفلتها العرض السينمائى فى سينما قصر النيل حيث اعتادت أن تغنى.. وكنت أحرص أن يكون موعد الفيلم الذى أراه قبل حفل أم كلثوم مباشرة.. فأجلس على مقعدى لا يشغلنى الفيلم المعروض وإنما أنشغل بالمسرح الذى ستغنى عليه بعد ساعات قليلة.. فإذا انتهى الفيلم عدت سريعًا إلى منزلى للحاق بموعد حفلة أم كلثوم فأستمع إليها وكأننى أراها(!!).

وقادنى صوت أم كلثوم وأغانيها التى أصبحت أحفظها لحنا وكلمات عن ظهر قلب إلى عالم الموسيقى الشرقية، فعرفت عبد الوهاب، وعبد المطلب، وفريد، وحليم، وقنديل، وغيرهم وعرفت أيضًا المطربين العرب مثل وديع الصافى وصباح فخرى وناظم الغزالى.

وأصبح الغناء واحدًا من أكبر هواياتى وكنت أستمتع كثيرًا باستعادة هذه الأغانى وترديدها بصوت عال مثل أى مطرب محترف لكننى لم أجرؤ أبدًا أن أفعل ذلك أمام الآخرين فكنت أنتهز فرصة وجودى منفردًا لأغنى.

كان مصيف رأس البر حيث اعتدت أن أذهب كل صيف، هو المكان المثالى لممارسة هواية الغناء.

كان شاطئ رأس البر ذا طبيعة خاصة فكنت أسبح فيه إلى مسافات بعيدة ثم أتوقف فتطال قدماى الأرض.

وكنت أبتعد عن الشاطئ والناس حتى أنفرد تمامًا بنفسى، فأنطلق فى الغناء ساعتين أو أكثر بأعلى ما أملك من صوت، وأعود بعد ذلك إلى الشاطئ سعيدًا منتشيًا!

وأصبحت الموسيقى وأصبح الغناء جزءًا مهما من أسلوب حياتى.. بعد أن تعلمت أن أسمع وأستمتع.

أسمع الموسيقى الكلاسيك الغربية وأستمتع بها.. أسمع الموسيقى الشرقية وألحانها الجميلة وأستمتع بها.. لكن الأهم أننى تعلمت أيضًا أن أسمع وأستمتع بصوت الطبيعة.. صوت البحر وصوت الهواء.. صوت الشروق وصوت الغروب.. صوت القمر والنجوم.. صوت الأزهار والورود.. فأنتشى وأصيح بأعلى صوتى طربًا.. الله (!!).

SHARE

اترك تعليق