منتدى شباب العالم

كتب: على طه

إذا كان شعار منتدى شباب العالم ٢٠١٨ “ابدع.. انطلق” .. فالإبداع والانطلاق المرجوين للشباب لابد أن يرتكزان على أرضية مصرية خالصة.

والأرضية المصرية غنية بالتراكمات الحضارية عبر العصور المختلفة التى عاصرتها مصر أقدم حضارات البشر، وأقدم دولة على كوكب الأرض عرفها التاريخ..

وخلال الأيام القليلة القادمة تفتح مصر ذراعيها لاستقبال شباب العالم فى صورة مبهجة للتعارف وتقديم صورة لمصر “أم الدنيا” ومهد الحضارة وترتكز الصورة التى تم إعدادها للتقديم خلال المنتدى على رؤية مستوحاة من كتاب المفكر الكبير الراحل ميلاد حنا المعنون بـ “الأعمدة السبعة للشخصية المصرية” والأعمدة السبعة هي الانتماءات التى عددها “حنا”  فى كتابه وأفرد لها فصولا تحدد هذه الانتماءات وهى على الترتيب:  انتماء مصر الفرعونى ثم اليونانى والرومانى ثم القبطى، ثم الإسلامى، ثم العربى، ثم البحر المتوسط، والانتماء السابع هو “الأفريقى”.
يأتى كتاب الأعمدة السبعة للشخصية المصرية فى 176 صفحة من الحجم الكبير ينقسم  إلى عدة فصول ” الفصل الأول يتحدث عن مصر رقائق من الحضارات، والفصل الثانى يتناول الأقليات وأحداث الفتن، والفصل الثالث يعرض الأعمدة السبعة للشخصية المصرية، والفصل الرابع يتناول الانتماءات، والفصل الخامس يؤكد على أن الشخصية المصرية ليست قوالب متماثلة.

يرى مؤلف الكتاب د. ميلاد حنا، أن هذا الكتاب موجه إلى العقل، ينمى الوطنية، وهو كتاب ليس فى التاريخ أو السياسة أو علم الاجتماع، أو علم النفس، أو الفلسفة، وهو ليس عن الديموقراطية أو حقوق الإنسان، ولكــــــــنه كتاب للوحدة الوطنية .

يعرض الكاتب لرقائق الحضارة المصرية المختلفة والمتباينة ـ يطلق عليها أعمدة الشخصية المصرية ـ لكنها فى نفس الوقت مستمرة ومتصلة وهى التى كونت فى تتاليها الشخصية المصرية الحالية كما نعرفها.

العمود الأول للشخصية المصرية الانتماء الفرعونى

إن إحساس المصرى بفرعونيته يختلف من شخص إلى آخر ومن فئة إلى أخرى، ويعود اعتزاز المصريين بالانتماء الفرعونى إلى أن مصر قدمت للعالم بالفعل أقدم حضارة معروفة ومدونة فى العالم .. وآثارها المنتشرة فى العالم تدل على ذلك، ويعتقد كثير من العلماء أن ترحيب المصريين بالمسيحية يرجع إلى أن مبدأ التثليث كان معروفا سائدا ومقبولا لقرون طويلة ومكون جزء من عقيدة قدماء المصريين .. كما أن رمز مفتاح الحياة يشبه إلى حد كبير علامة الصليب التى هى رمز للخلاص فى المسيحية .

ومن هنا كان حماس أقباط مصر للانتماء الفرعونى ليس لأنهم يعبدون آلهة المصريين القدماء ولكن لأنهم يشعرون أن فى ذلك عمقا تاريخيا لعقيدتهم المسيحية، وتأكيدا لانتمائهم لتراب هذا الوطن بكل تراثه.

ويقول د. ميلاد حنا إن كثير من الممارسات والتقاليد وبالذات فيما يتعلق بإجراءات الوفاة والجنازات قد انتقل من الفراعنة إلى الأقباط المسيحيين ثم إلى الأقباط المسلمين .

على أن الانتماء الفرعونى هو إحساس داخلى لدى كل مواطنى مصر دون استثناء بحيث يعطى المصرى مشاعر الاعتزاز والفخر لأنه إذا كانت الدنيا كلها تشهد وتشيد بحضارة مصر القديمة فلماذا نحرم المصريين من هذا الاعتزاز والفخار.

العمود الثانى للشخصية المصرية الانتماء للعصر اليونانى الرومانى

عندما دخل الإسكندر الأكبر مصر عام 332 ق.م قام الوالى الفارسى بتسليمها له دون مقاومة واستقبله المصريون بالترحاب لتخليصهم من الاحتلال الفارسى.

وقد زادت ارتباطات مصر طوال حكم البطالمة مع اليونان لذلك سميت تلك الحقبة بالعصر اليونانى حيث تأثرت مصر بالفكر والحضارة والفلسفة اليونانية.

ثم أصبحت مصر بعد ذلك ولاية تابعة للإمبراطورية الرومانية وتبدء حقبة جديدة هى الحقبة اليونانية الرومانية .

وهكذا كان دخول اليونان ثم الرومان إلى مصر سبيلا للامتزاج الحضارى فأخذ اليونايون والرومان عن المصريين علوم الفلك والعمارة والإنشاءات وغيرها، كما أخذت مصر بفكر الفلسفة اليونانية .. فإن ما وصلت إليه الحضارة الإنسانية من تقدم ما هو إلا تراكم للمعرفة البشرية فى مراحلها المختلفة .

١ – أهم مايميز هذه الحقبة اليونانية الرومانية فى مصر الاستفادة من الأبجدية الإغريقية ودمجها مع اللغة المصرية القديمة وظهور لغة جديدة هى اللغة القبطية وقد تكونت تدريجيا قبل ظهور المسيحية بعشرات السنين.

٢-  دخلت المسيحية مصر فى القرن الأول وانتشرت بسرعة فى حدود القرن الثانى أى فى الحقبة اليونانية الرومانية ومن ثم فإن مصر تكون قد غيرت دياناتها من الديانات الفرعونية القديمة إلى المسيحية .. وبذلك يكون شعب مصر قد غير ديانته ولغته فى وقت متقارب وهذا هو التغيير الأساسى الأول وأحد معالم الشخصية المصرية .

٣- استمرت جامعة الإسكندرية منارة لنحو ثمانية قرون منذ أن أنشأها بطليموس الأول حوالى عام 300 ق. م اصبحت معهد للبحث العلمى واهتمت بكافة أنواع العلوم .. وبفضل جامعة الإسكندرية ظلت الحضارة الإغريقية مزدهرة إلى العصر المسيحى.

ومما هو جدير بالذكر أيضا أن جامعة الإسكندرية فى المرحلة السابقة لظهور المسيحية قد قامت بترجمة التوراة من العبرية إلى اليونانية وهى الترجمة المعروفة بالترجمة السبعينية، فكان ذلك إضافة جديدة فى عالم الدين يذكر بالفضل لمصر وجامعاتها بالإسكندرية.

العمود الثالث للشخصية المصرية الانتماء للعصر القبطى

هناك يقين بين المؤرخين على وجود حقبة زمنية تعرف بالعصر القبطى ولكن خلافًا أكاديميا فد يدور حول تحديد البداية التاريخية لهذه الحقبة وذلك لأن بداية ” العصر القبطى “متداخلة فى” الحقبة اليونانية الرومانية ” من منطلق أن مصر تحولت إلى ولاية رومانية قبل التقويم الميلادى أى قبل دخول المسيحية.

وهناك أراء ترى أن بداية العصر القبطى مع نشأة اللغة القبطية فى القرن الأول أو الثانى بعد الميلاد ورأى آخر يرى أنه يبدأ عام 284 ميلادية وهى السنة التى بدأ فيها أقباط مصر تقويمهم القبطى والمسمى تقويم الشهداء فى عهد دقلديانوس.

وقلة من المؤرخين يربطون العصر القبطى بعام 234م عندما أصدر قسطنطين الأول مرسوم برفع الاضطهاد عن المسيحيين، والبعض يزعمون أنه يبدأ عام 389م عندما أصدر ثيودسيوس مرسومه الذى أعلن فيه أن المسيحية هى الدين الرسمى للدولة الرومانية وأنهى بذلك حقبة الحكم الوثنى.

أما د. ميلاد حنا فيرى أن بداية هذه الحقبة هى عام 284م وذلك لارتباط هذا التاريخ ليس فقط بأحداث الاستشهاد التى فرضت نفسها لتكون بداية ” التقويم القبطى” وهو حدث هام ولكن لأن تلك الحقبة كانت مصر قد أخذت معلما وشكلا حضاريا جديدا فاللغة قد تغيرت وسادت بالفعل الديانة المسيحية..

وكان لكل ذلك انعكاساته على كافة ألوان الحياة الفكرية والثقافية والحضارية والفنية وأصبحت مصر رغم تبعيتها السياسية من الناحية الرسمية إلى الدولة البيزنطية موطنا لحضارة من نوع جديد ولعبت مصر من خلال هذا الانتماء الدينى الجديد دورا مهمًا فى صياغة المسيحية على المستوى العالمى وذلك من خلال وجود المدرسة الاهوتية العريقة بالأسكندرية وخلال قيادته أى قيادة الكنيسة القبطية.

قدمت مصر إلى العالم المسيحى كله معالم رئيسية : حضارة وفنًا وفكرًا وآثارًا غير منكرة هى موضوع فخر واعتزاز المصريين ونبرز أهم معالمها فى الآتى :

١-  صياغة قانون الإيمان المسيحى

فور انتشارالمسيحية فى مصر، أنشأت مدرسة الإسكندرية اللاهوتية وكان بها علماء مسيحيون على قدر عال من الحكمة والمقدرة سواء فى معرفة الكتب المقدسة ولها يرجع الفضل أو فى الآداب الإنسانية والفلسفة أو اللغات السائدة فى تلك الحقبة و فى المركز القيادى المتميز الذى يأخذه البطريرك القبطى فى مختلف المجامع المسكونية التى عقدت فى القرن الرابع والخامس.

ففى مجمع نقية عام 325م قاومت الكنيسة القبطية بدعة إريوس بقيادة البطريرك القبطى والشماس أثانسيوس ـ الذى أصبح بطريركا فيما بعد ـ وقد انتزع ” قانون الإيمان المسيحى” وكذلك كان لها دور فى مجمع القسطنطنية عام 381م ومجمع افسس عام 431م، أما فى مجمع خلقدونية عام 451 فقد تم تدبير مؤامرة ضد بابا الإسكندرية ديوسقورس حتى لا يحضر المجمع وكان لى متعمدا عدم الحضور..

وقد رفض الأقباط الاعتراف بقرارات هذا المجمع من وقتها وإلى يومنا هذا.. خلاصة القول: إن كنيسة الأقباط فى مصر لها أن تفخر بأنها قد اتخذت دورًا قياديًّا فى صياغة الفكر الدينى المسيحى فى القرون الأولى رغم أنها كانت من الناحية النظرية ولاية تابعة للدولة الرومانية أولا ثم بيزنطة ثانيا ومن هنا فالمسيحية فى مصر أصيلة الجذور مثلما هو الحال فى كنيسة الفاتيكان بروما، وهى تتباهى على كنائس أخرى كثيرة فى إنجلترا وألمانيا والسويد وأمريكا وغيرها فضلا عن كنائس أفريقيا وآسيا حيث وصلت إليها المسيحية من خلال التبشير فى قرون تالية.

٢- الرهبنة ابتكار مصرى

إن فكرة الرهبنة ” أى يترك الرجل أو المرأة ” أسرته وأهله وأمواله وأن يتفرغ وينقطع للعمل الدينى والعبادة بكافة صورها، هى فكرة مصرية أصيلة وتعترف كل فروع الرهبنة التابعة للمذهب الكاثوليكى فى روما أن مبدأ الرهبنة قد نشأ فى مصر من خلال الأنبا أنطونيوس 250ـ 356م .

وهذا يعنى أن فكرة نذر الإنسان نفسه لقضية “ويترهبن” أى ينقطع لخدمتها هى فكرة تصوفية مصرية نابعة من تراث مصر فى تلك الحقبة القبطية وعلينا كمصريين أن نعتز ونفخر بذلك.

٣- كنيسة مناضلة لا تبغى السلطة

منذ أن دخلت المسيحية مصر إلى الآن لم تكن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية إلا كنيسة مناضلة لم تبغى الحكم ولا شاركت فيه ولم يكن لها أى انتماء إلا إلى أرض مصر.

اضطهاد الدولة الرومانية ثم الدولة البيزنطية للأقباط كان من أهم الأسباب التى أدت إلى ترحيب الأقباط بدخول العرب مصر.. ومنذ دخول العرب مصر إلى الآن والكنيسة القبطية مؤسسة شعبية ولم تشارك فى السلطة وحاولت أن تتعايش وتتكيف مع كافة العصور والمراحل الإسلامية ” بمرها وحلوها” على حد سواء وبهدف المحافظة على “سلامة الوطن” وعدم شرخه فضلا عن المحافظة على جماعة الأقباط وحقهم فى ممارسة عبادتهم.

وعدم تدخل الكنيسة القبطية فى شئون الحكم أكسبها ” تراث المسالمة ” للحاكم بقدر المستطاع وأكسبها أهم من ذلك كله الولاء كل الولاء لأرض وتراب مصر، وقد عبر عن ذلك قداسة البابا شنودة الثالث بمقولته الشهيرة والبليغة ” أن مصر ليست وطنا نعيش فيها ولكنها وطن يعيش فينا”.

٤- الكنيسة تسيطر داخليا وتنتشر خارجيا

عقب الخلاف بعد المجمع المسكونى بخلقودنية عام 451م ازداد الانشقاق وتبلور فى مصر الفكر والحركة لتكوين جماعة أصحاب رأى “المشيئة والطبيعة الواحدة للمسيح” وانفصلت الكنيسة القبطية عن الكنيسة البيزنطية ، حاول الأقباط تنمية العلاقات مع الثقافات السامية من سريانية وحبشية وعربية فقام الأقباط بتبشير الحبشة بالمسيحية فى القرن الرابع وظلت الكنيسة الحبشية تابعة للكنيسة القبطية إلى أن انفصلت عنها فى عام 1952م وقاموا بالتبشير بحرية فى فلسطين إلى حد ما فى شبه الجزيرة العربية وسوريا .

 وكان هناك نمو فى العلاقات بين كنيسة الإسكندرية وكنيسة أنطاكية للدفاع عن عقيدة الطبيعة الواحدة. وقد اتسمت هذه الحقبة من العصر القبطى وعشية دخول العرب لمصر بأن الصراع كان كله متبلورا حول الأفكار والخلافات الدينية.

وعندما دخل القبط القرن السابع الميلادى كانت أزمة المجتمع من خلال الصراعات الدينية قد استعصت على الحل وهنا حاول الأمبراطور هرقل ( 610ـ 641) أن يعيد الوحدة إلى جسم الإمبراطورية الممزقة.. ولم تنجح محاولات هرقل رغم استخدامه العنف ودخلت مصر فيما أسماه المؤرخون “عهد العذاب العظيم” وحدث هذا كله فى وقت احتدم فيه سخط الشعب واختل المن وتردت التجارة والصناعة وكانت هذه الأحوال كلها باعثا للمصريين على الترحيب بالعرب ويحدوهم الأمل فى أن يتمتعوا بحياة فيها راحة وطمأنينة.

وهكذا كانت البداية للانتقال إلى رقيقة حضارية رابعة وأخيرة من رقائق الحضارات فى مصر.

العمود الرابع للشخصية المصرية الانتماء للعصر الإسلامى

لكى نتعرف على خلفية هذا المزج والتداخل والمودة الموجودة الآن بين الأقباط والمسلمين لابد أن نتدارس قليلا هذه الرقيقة المهمة والأخيرة من رقائق الحضارة الأربع.

فقد كان دخول العرب مصر مختلفا عن بقية الأقطار فلم يكن غزوا أو فتحا بحد السيف إذ إن هذه البداية واستمرار العلاقة الوطنية والتآخى بين أبناء الوطن الواحد جاء ثمرة واستمرارصا لنقطة البداية عند الفتح.

وتنفرد مصر بأن لها علاقة مع الإسلام منذ الأيام الأولى إذ يروى المؤرخون أن الرسول قد بعث برسائل إلى الحكام البارزين فى ذلك العهد”السنة السادسة من الهجرة” وبسرعة تحول الإسلام إلى قوة سياسية وعسكرية هائلة.. وكان كل اهتمامهم هو تثبيت أقدام الحكم لتوسيع الأمبراطورية الإسلامية.

وكما دارت صراعات فكرية شديدة فى القرون الأولى للمسيحية حول طبيعة المسيح كذلك دار ما عرف بحركتى الخوارج والشيعة وصراعات شديدة فى العالم الإسلامى من خلال ما يرويه د. ميلاد حنا من خلال قراءاته لتاريخ الحقبة الإسلامية ” أن المصريين الأقباط لم يشتركوا لا فى قليل أو كثير فى الصراع الحاد بين الفرق المختلفة فلم نسمع أنهم منحازون إلى الخوارج أو إلى الشيعة..

وهو يرى أن هذا الموقف يرجع للأسباب الآتية:

استمر المصريين لا يتحدثون إلا اللغة القبطية قرونا طويلة بعد دخول العرب إلى مصر، أولا ولذلك فإن تتبعهم للصراع حول التفسيرات المختلفة للقرآن والسنة خصوصا فى القرن الأول للهجرة، لم يكن بالعمق والفهم الكافيين ..

لذلك لم يدرك المصريون أبعاد ما جرى حولهم فى البلدان العربية أو الصراعات بين فرق الإسلام المختلفة، مكتفين بأنهم قد تخلصوا من اضطهاد بيزنطة.

ثانيا: حتى أولئك الذين كانوا على بينة من الأمر وهم بالتأكيد قلة من المثقفين ومن يعرفون القراءة والكتابة أو قريبون من الحاكم آثروا الصمت والسلام فقد عانوا طويلا من خلال الصراعات المذهبية فى القرون الأولى من المسيحية واستمر اضطهادهم بسبب تمسكهم بمذهب الطبيعة الواحدة.

• وتوجد علاقة أكيدة بين تحول المصريين من المسيحية إلى الإسلام وبين تحول اللغة القبطية إلى العربية. ومن بين الأسباب التى أدت إلى تحول الأقباط من المسيحية إلى الإسلام .

أولا: الخلافات المذهبية المعقدة التى أثيرت عبر المجامع المسكونية .. أوجدت حالة من البلبلة لدى المواطن العادى البسيط ..حيث إن ” للمسيح طبيعة واحدة لا طبيعتان” فوجدوا الإجابة جاهزة وبسيطة فى الشعارات الإسلامية لا إله إلا االله ” وأن لا كهنوت فى الإسلام”

ثانيا:عند دخول المسيحية مصر تكونت الكنيسة كتنظيم سرى تحت الأرض يدعو للتبشير بها كأنه حركة تحرر” وانتشرت المسيحية بسرعة وفى يسر”

ثالثا: رغم البداية الرائعة لملابسات دخول عمرو بن العاص إلى مصر.. لكن مع مرور الوقت ظهرت بعض القرارات والتعاملات التى تعامل الأقباط  كذميين .

رابعا:أدرك الفلاح المصرى أن الإسلام فى صورته الأولى البسيطة لا يفرض مؤسسة دينية دنيوية ” وأن العلاقة الدينية ستكون مباشرة بينه وبين ربه مما يسمح له بأن ينقل معه إلى الإسلام ما يستهويه من طقوس وعادات من ديانته القديمة سواء المسيحية أم الفرعونية.

إن ثقة الفلاح المصرى البسيط المتدين قد اهتزت عبر التاريخ فى مؤسساته الدينية فقد عرف أن كهنة آمون تحالفوا عدة مرات مع الفاتحين والغزاة.. وعندما دخل العرب مصر قامت المؤسسة الدينية مرة اخرى والتى تحولت إلى المسيحية بالتحالف والخضوع للفاتحين وكان ذلك بدعوى إنقاذ الكنيسة من اضطهاد هرقل امبراطور بيزنطة.. ورأت الكنيسة نفسها ومصالحها وأديرتها.. ولكن نتيجة للضغوط التى تعرضت لها الكنيسة وأبنائها برر المصريون الأقباط لأنفسهم التخلى عن المؤسسة الدينية والانضمام إلى الدين الجديد

إن الدولة المركزية التى يسيطر عليها الوالى أوجدت حالة من الخضوع والسلبية لازالت آثارها موجودة حتى الآن. *هناك شبه إجماع على أن ” مصر لم تبد كبلد ذى أغلبية إسلامية إلا فيما بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر .

* وهذا يعنى أن تعايش الديانتين استمر داخل آلاف العائلات ولقرون طويلة وهذا ما أوجد هذه الألفة التى نلمس استمراريتها حتى الآن . وإذا كانت قد مرت على مصر فترات اضطهاد لسبب أو لآخر فالملاحظ هو أن الاضطهاد لم يستمروكان شاملًا.

*وإنما عند وجود موجه اضطهاد فإن الاضطهاد كان عاما وشاملا  ولم يكن مقصورا على الأقباط وا للمصرين جميعا.

* وكلما كان الخليفة أو الوالى أكثر سماحة كلما نعم الأقباط بحرياتهم فى ممارسة طقوس ديانتهم .. وكان حالهم كأقلية زمية حالهم أفضل بكثير من حال أمثالهم فى بلدان أخرى .

*ومنذ حكم الإسكندر حتى حكم عبد الناصر، عاش المصريون على أمل التغيير إلى الأفضل ..وفى النهاية ومع كثرة التغيرات استسلموا للأمر الواقع . وفى تقدير د. ميلاد حنا ” أن البداية الحقيقية لحقبة الحضارة الإسلامية فى مصر تبدأ من حكم الفاطمين مصر فهى التى شهدت التحول الأكبر من المسيحية إلى افسلام فى عهد الحاكم بأمر االله ثم حدث التحول من اللغة القبطية إلى اللغة العربية”.

*وكان طبيعيا أن يكون دخول الفاطميين هو نقطة تحول من السنة إلى الشيعة ولم يكن هذا التحول نتيجة اقتناع مذهبى بقدر ما كان نتيجة سخط المصريين (من ظل منهم على مسيحيته ومن أسلم ) على دولة العباسيين.

*لم تدم فترة الازدهار طويلا ولكن الانقسامات فى الخلافات أدى إلى ضعفها مما جعلها عرضة للغزو الصليبى والتتارى … إلى أن خلص الدولة الإسلامية من هذا الغزو صلاح الدين الأيوبى .

*ويذكر د. ميلاد حنا قول البابا شنودة الثالث ” أن هذه الحرب تسمى “الحروب الصليبية” عند الغرب لأنهم اتخذوا من الصليب شعارا لهم ومبررًا للغزو ولكن العرب كانوا أكثر ذكاء وفطنة إذ يسمونها ” حرب الفرنجة” من منطلق أنهم أرادوا غزوة حضارية من الفرنجة ” أى الأجانب او الأغراب ” للبلاد العربية وكيف أن الصليبيين لم ينجحوا فى استمالة أقباط مصر إليهم على إعتبار أنهم يحاربون تحت راية الصليب وحارب الأقباط إلى جوار المسلمين للدفاع عن أرض الوطن أرض المسلمين والأقباط معا”

امتدت على مصر فترة طويلة مظلمة وكئيبة هى حقبة حكم المماليك والعثمانيين حتى عام 1805 عندما تولى محمد على حكم مصر.

خلاصة القول إن هذه الرقائق فى مجموعها من الفرعونية إلى نهاية العهد العثمانى أوجدت تأثيرا حضاريا ممتازا وطيبا يدل على خامة أصيلة تلمع إذا احتكت بمناخ جيد.

وينتقل الكاتب بعد ذلك إلى الرقائق الجغرافية والتى تمثل الثلاث الأعمدة الأخيرة للشخصية المصرية.

العمود الخامس للشخصية المصرية انتماء مصر العربى

على الرغم من فتح العرب لمصر، يمثل نقلة كيفية فى تاريخ الهجرات العربية إلى مصر، فهذا لا ينفى أن سكان شبه الجزيرة العربية حتى قبل أن يسموا عربا كانوا على اتصال بشعب مصر من زمن يسبق عصر قيام الأسرة الفرعونية .

وبعد فتح العرب لمصر شهدت البلاد مرحلة جديدة ونشطة من هجرات القبائل العربية جاءت أصولها من الجزيرة العربية من أهم هذه الهجرات “هجرات الفتح العربى، هجرات مخططة من خلفاء بنى أمية، ثم هجرات فى العصر العباسى، ثم هجرات العصر الفاطمى، والهجرات فى عهد صلاح الدين الأيوبى”..ولذا تتباهى مصر بأنها أقدم بوتقة إنصهار فى العالم وأن نتاج هذا الإنصهار هو سبيكة واحدة متجانسة نظرا للعمق التاريخى لهذا الإنصهار ولنه تم عبر قرون طويلة فإن الحديث عن النقاء العرقى فى مصرر هو حديث غير مقبول. ٕذا كان القباط كثيرا ما يتوهمون أنهم يحملون اصولا فرعونية فما ذلك إلا رد فعل طبيعى

*وكأقلية تود أن تؤكد إنتمائها لهذا الوطن وحده دون سواه.

*ويظن د. ميلاد حنا انه من المنطقى وجود علاقة جدلية بين التحول إلى الإسلام وبين انتشار اللغة العربية .. ولذا وجدت عدة مجموعات بشرية لها أوضاع مختلفة فيما يتعلق باللغة (عرب لا يتكلمون إلا العربية، مصريون قبلوا الإسلام ويتحدثون القبطية والعربية، أقباط مسيحيون تمسكوا بديانتهم ويتحدثون القبطية وبعض الكلمات العربية، أقباط مسيحيون متمسكون بالقبطية كتمسكهم بالمسيحية ولا يتحدثون إلا اللغة القبطية.

وفى هذا المناخ من التحول الحكيم إلى اللغة العربية صدر قرار من البطريرك غبریال بن فريك (1131ـ 1145)يقضى بأن نستخدام اللغة العربية فى صلاة القداس وكافة الخدمات فى الكنيسة وذلك بجوار اللغة القبطية وهو الأمر الذى لايزال ممارسا حتى الآن فى مصر وتقهقرت اللغة القبطية على الأديرة ولولا ذلك لندثرت اللغة القبطية وأصبحت لغة تاريخية مثل الهيروغلفية أو المسمارية أو الأرامية أو اللاتينية. إن المصرين جميعا أتقنوا اللغة العربية وبرع فيها الأقباط من وقتها وحتى الأن، ولذا عندما نؤكد على غننا شعبا واحدا لا نكون مفتعلين..

فمن غير المستطاع التفرقة بين مصرى وآخر لا من ناحية الشكل أو المظهر أو اللغة او اللكنة أو التكوين الثقافى أو النفسى.. وانقسمت الدول العربية إلى مجموعتين حضارتين هما (مجموعة استطاعت أن تبقى على ديناتين هما “الإسلام والمسيحية”، مجموعة ثانية هى الدول أحادية الديانة”الإسلام”) إنتماء مصر العربى هو إنتماء مصلحة اقتصادية، وحضارية، وسياسية ولم يكن عبثا أن جاء فى المادة الأولى من الدستور أن ” الشعب المصرى جزء من الأمة العربية يعمل على تحقيق وحدتها الشاملة” ويرى د. ميلاد حنا أنه لا سبيل أمام الدول العربية إلا الوحدة المتكاملة ولكنه يرى أيضا أن هذا الطريق طويل جدا وعلى الدول العربية أن ترسخ فكرة التعاون الاقتصادى الذى يؤدى بدوره إلى وحدة سياسية، ولكن هذا لن يحدث بدون نمو ديموقراطى فى المنطقة العربية كلها.

العمود السادس للشخصية المصرية انتماء مصر للبحر المتوسط

من المؤكد أن هناك علاقة جدلية بين التاريخ والجغرافيا، فالحقبة التاريخية المسماة باليونانية الرومانية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالانتماء الجغرافى لمصر من خلال إطلالها على البحر الأبيض المتوسط،.وتستطيع أن تؤرخ تاريخ البحر المتوسط فى تاريخ السكندرية أما قبل إنشائها فلم يكن لهذا البحر ككل مترابط تاريخ، إنما كان هناك نشاط محدد فى هذا الجانب أو ذاك.

إن إنتماء مصر إلى مجموعة دول البحر المتوسط قد وصل إلى نقطة تحول جديدة فى العصور الحديثة مع الحملة الفرنسية عام 1798 والتى كان لها معان ثقافية بعيدة المدى .. وأعقب ذلك إرسال محمد على للعديد من المصريين فى بعثات إلى أوربا كمقدمة لنقل مصر من ظلمة العهود العثمانية لإلى بداية عصر النهضة.. وبرزت فكرة القومية فى دول أوربا والتى انتقلت لمصر من خلال البعثات وبدأ عصر النهضة فى مصر. إنتمائها للأمة العربية ويرى د. ميلاد حنا أنه لا يوجد تعارض بين إنتماء مصر للبحر المتوسط وابل يرى أن الأخير متمم للأول وليس نقيضا له.

العمود السابع للشخصية المصرية انتماء مصر لإفريقيا

يرى د. ميلاد حنا إنتماء مصر لأفريقيا هو المستقبل لمصر .. كذلك أن لمصر مصلحة استراتيجية فى إنهاء الحرب الأهلية فى السودان ليس فقط لأنه تكون العمق الاستراتيجى لمص، وليس فقط لتأمين مياة النيل، ولكن لأن وحدة السودان هى حلقة الوصل بين شمال أفريقيا العربى بقلب وجنوب أفريقيا .. كما أن لمصر وضعا خاصا فى أغلب دول أفريقيا السوداء بحكم علاقاتها بحركات تحرير دول أفريقيا..

وعلاقة الكنيسة القبطية بالكنيسة الأثيوبية منذ زمن بعيد. ولذا فهو يرى أنه لا سبيل لشعب مصر لكى يستمر فى توفير عمل لكل سكانه ولاستمرار الحضارة فى أرضه إلا من خلال الانتشار إلى كل العالم العربى والأفريقى.

خلاصة القول إن هذه الأعمدة السبعة موجودة داخل كل مصرى ولكن بدرجات متفاوتة.. فإحساس المصرى بالانتماء الدينى يكون عادة قوى وبارز ولذلك فالأعمدة الإسلامية والقبطية بارزة وضخمة ومسيطرة فى مصر فى الوقت الحالى “تباديل وتوافيق ” مختلفة فى أحجام هذه العمدة وفق نشأة وانتماء كل منا، ويختلف حماسنا لهذه الباقة من الانتماءات وفق تغير الظروف العامة للمجتمع ووفق تغير الظروف الشخصية لكل منا ولكن ذلك لا ينفى الحقيقة الموضوعية الراهنة وهى أن هذه الأعمدة السبعة، وفى مجملها مسيطرة على التركيبة النفسية لكل مصرى.

إن الشخصية المصرية الوطنية قد تأثرت تاريخيا بهذه الرقائق الأربع من الفرعونية إلى الإسلامية، فضلا عن تأثرها بالانتماءات الجغرافية لأنها تقع فى قلب البلاد العربية فضلا عن تأثرها بحضارات حوض البحر المتوسط ثم أفريقيا.

لسنا قوالب متماثلة لكل منا شخصيته ولكننا فى كل هذا لسنا ـ كأفراد ـ قوالب ثابتة أو أنمطا واحد، بل يختلف كل منا فى رؤيته لهذه الأعمدة السبعة ومدى قرب أو بعد أى منها من كل واحد منا وهذا الاختلاف لا الخلاف هو فى النهاية الذى تتكون منه كل شخصية على حدة. فكل منا له انتماءاته..

كما أن لكل مرحلة انتماءها المرتبط بها فمثلا فى الفترة ما بين ثورة عرابى وثورة يوليو كان الشعار مصر لكل المصريين، وفى هذا إحياء للحقبة الفرعونية، وفى فترة الحكم العثمانى كان النغم الرئيسى هو الانتماء إلى الأمة الإسلامية، وفى المرحلة الناصرية كان الانتماء للقومية العربية.. وفى عهد الرئيس السادات دفع بالانتماء الإسلامى مرة أخرى، لكن مصر كان لها أيضا انتماءات أخرى مما جعلها تثبت على الساحة الدولية.. فنجد المثقفين فى المرحلة الليبرالية يركزون على انتماء مصر لحوض البحر المتوسط.

وخلاصة القول، هى أن هذه الباقة الفريدة من الارتباطات والانتماءات تعطى فرصا هائلة لأى قائد أو حزب سياسى لأن يسخرها كلها أو بعضها بمهارة وفن وفق ظروف مصر والمنطقة والعالم سياسيا واقتصاديا وعسكريا، فالدول متعددة الانتماءات أكثر مرونة وتحملا للصعاب والأزمات والصدمات والمشقات من تلك التى لم يخصها تاريخها وموقعها إلا بعدد هزيل من الانتماءات ومن ثم أصبحت مصر قادرة على الاستمرارية فى الحياة والوجود والمساهمة فى الحضارة الإنسانية على كل مستوى.

وهناك فترات يتعاظم فيها بروز نوع من الانتماء على الآخر ،على سبيل المثال فى فترات الهزيمة والانكسار يزداد الإنتماء الدينى ويعلو فوق أى انتماء ونرى ذلك جليا بعد نكسة 1967 ويرى د.ميلاد حنا أنه كلما خرج الانتماء الدينى المسيحى ـ الإسلامى عن مساره الروحى كلما ذاد الصراع والتصادم ويصبح الدين سلاحا فى الصراع السياسى، وتتحول المقومات الأساسية للمجتمع من أسس المواطنة إلى أسس الانتماء والهوية الدينية، وهذا هو بداية الطريق إلى الهوية والمستنقع. خلاصة القول: هى أن لدى كل منا تراكمات من ارتباطات وانتماءات شخصية تكونت مع الزمن هى رصيد شخصى أهم وأبقى من رصيد البنوك ولنا جميعا كشعب خواص إنسانية تكون الشخصية الوطنية متأثرين بتاريخنا وموقعنا.

إن فن الحياة هو فن التعامل مع هذه الباقة من الانتماءات فمن استخدمها بذكاء وبفهم وحذق، سعد فى حياته وأصبح مقبولا من المجتمع حوله، ومن ركز على انتماء واحد سواء أكان انتماء عائليا أو مهنيا أو دينيا سيضيق أفقه ويضيق به الناس من حوله ويصاب بالإحباط وينتهى به الأمر إلى الوحدة والضيق والكفر بالحياة ذاتها.

SHARE

اترك تعليق