حورية عبيدة

يخطئ من يظن أن القضية الفلسطينية شأن إسلامي وعربي محض، غافلاً عن كونها فرضاً قبطياً بنفس الشأو والقدر؛ وقبطي كلمة تعني مصري، فعندما دخل الإسلامُ مصر كان كل المصريين أقباطاً، 90 بالمائة منهم اعتنق الإسلام طواعية، وبقى العشرة بالمائة على مسيحيتهم؛ حيث حافظ الإسلام على كنائسهم وأديرتهم، وأطلق لهم حرية العبادة وإقامة الشعائر، بعد أن عانوا من التقتيل والتعذيب والاضطهاد والقهرعلى يد مسيحي الرومان في مصر، مما حدا بهم إلى الفرار للأديرة في حضن الجبال، بعض هؤلاء الأقباط تواصلوا مع مسيحي القدس في فلسطين خاصة بعد “العهدة العمرية” نسبة للخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه؛ حيث أمّنَ المسيحين، وترك لهم حرية ممارسة طقوس عبادتهم، فكان التواصل القبطي المسيحي أي المصري الفلسطيني لَيناً ميسوراً.

حين نعود للوراء قرابة الألفيّ عام؛نجد الوجود القبطي في فلسطين مذ اكتشاف الملكة هيلانة للصليب المجيد وتأسيس كنيسة القيامة، ثم أتى الفتح الإسلامي ليحافظ على التمازج والتعايش القبطي المسيحي فيها، ساعتها امتزجت تلك العلاقة بموروث فرعوني مصري وكنعاني فلسطيني صبَغ العلاقة بصبغة خاصة، فنجد مثلاً الأقباط الذين عاشوا بالقدس يحتفلون بأعيادهم المصرية كعيد البشارة؛والزيتونة؛ والفصح؛ وخميس الأربعين؛ والغطاس؛ والميلاد، جنباً إلى جنب كافة الأقليات الدينية الأخرى التي تجاورهم كالكاثوليك؛والبروتستانت؛ والأرمن؛ والموارنة؛ والأحباش؛والسريان وغيرهم، بَيد أن الأقباط كانوا أول مَن أسّس علم اللاهوت وادخلوا الكتابة وأدواتها، بلو جلبوا معهم أسماء الآلهة الفراعنة مثل بانوب؛ وبخيت؛ وباهور، لتذوب مع الأسماء المسيحية الفلسطينية.

في دراسة هامة أعدها الباحث الأكاديمي الجزائري “عبد الحميد أبو النصر” المختص والمَعنيّ بالأدب العربي  والتاريخ وتوثيق المخطوطات؛ وقدَّم لها المؤرخ المصري العلامة  د.عاصم الدسوقي تحت عنوان “الأقباط في بيت المقدس”؛ بيّن كيف أن الأقباط ساهموا في تشييد الكنائس في فلسطين ككنيسة القيامة في القدس؛ ودير السلطان ورطونيوس ومارجرجس؛ وكنيسة العذراء مريم؛ وهيكل جبل الزيتون، وساهموا بفنهم  الديني والشعبي والدنيوي كالنسيج القبطي الشهير؛ والزخرفة المعمارية، وغيرها من الفنون، كما يمتلكون خارج القدس كنيسة ودير الأنبا انطونيوس في يافا؛ وكنيسة ودير الأنبا أنطونيوس في أريحا؛ وكنيسة البشارة في الناصرة؛ وكنيسة المعمدان على نهر الأردن؛ وكنيسة القديس أندراوس بأريحا؛ والسيدة العذراء بالناصرة، وغيرها الكثير من الأديرة والكنائس.

ثُلةٌ من الأقباط بفلسطين من الأرثوذكس؛وقليل منهم بروتستانت وكاثوليك، وفي ظل رحابة الإسلام وسماحته وبالعهدة العمرية تعايشوا مع مختلف الطوائف الدينية في سلام وتعاون، بلو وقفوا ضد الأحباش المسيحيين الذين حاولوا السيطرة على كنائس الأقباط بالتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي، وهذا ليس بغريب فموقفهم سياسياً مُسجل مذ عقود خلَت؛ وقت وقف الوزير “واصف باشا غالي” مُسانداً فلسطين في عصبة الأمم، كما شارك الأقباط في حرب 48، والبابا شنودة الثالث الذي قرر في عام 73 منع الأقباط من الحج للأراضي المقدسة مادامت مُحتلة؛ تعبيراً عن رفض الكنيسة المصرية للاحتلال الغاصب؛ وغضباً لتعديه على المقدسات المسيحية والقبطية في فلسطين.

وطبق الاتفاقاتٍ مبرمة مصرية إسرائيلية؛فإن التراث القبطي الإنساني محفوظُ بالقدس ومدونٌ، يثبِتُ عمق الروابط المصرية الفلسطينية والتي لن يهزها جماعات التطرف؛ولا التغيرات السياسية التي قد تطرأ على بعض العلاقات الدولية بين البلدين، بعد أن بات الأقباط جزءاً لاولن ينفص معُراه عن القدس وفلسطين، ولأن التسامح هو عقيدة القبطي والمسيحي والمسلم في أرضنا العربية مهما ادّعى الأفَّاكون المغرضون.

SHARE

اترك تعليق