عاطف عبد الغنى

3 تواريخ مهمة لابد أن نرصدها لنفهم كيف انطلقت الأحداث التى تمخضت عن زلزال «الربيع القطرى» أو «الربيع العبرى»، أو كما أطلق عليه زورا وبهتانا فى البداية: «الربيع العربى».

التاريخ الأول 30 أكتوبر 1991 وفيه انطلق مؤتمر مدريد للسلام بترتيب ودفع كبيرين من الغرب لإنقاذ إسرائيل من انتفاضة فلسطينية جديدة على أيدى الأجيال الفلسطينية البائسة وأطفال الحجارة.

والثانى: 27 يونيو 1995 وهو تاريخ استلاب حمد بن خليفة لكرسى عرش الإمارة الخليجية الصغيرة شبه جزيرة قطر بعد الإطاحة بأبيه الغائب خارج البلاد.

والتاريخ الثالث: هو 4 نوفمبر 1995 وفيه أقدم متطرف دينى يهودى يدعى إيجال عامير على اغتيال رئيس الوزراء اليهودى إسحاق رابين بأن أطلق عليه عدة رصاصات قاتلة فى ميدان «ملوك إسرائيل» حتى يمنعه – حسب أقوال القاتل – من أن يعيد أراضى إسرائيل إلى العرب..

(1)

لقد قرر اليهود أن يديروا معاركهم مع العرب على طريقة الاستيلاء على العدو وهو فى كامل قوته، واختراق مجتمعات هذا العدو عبر مناطق الضعف فيها وشرعت مراكز الأبحاث التى تتبنى الفكر الصهيونى فى هندسة ما بتنا نردده نحن الآن عن حروب الجيل الرابع، والخامس.

ورواية ما حدث علينا – غالبًا – قادمة من خارج بلادنا ونحن نعرف ونكتشف ما حدث عن الغرب أو حتى إسرائيل.

والرواية الأولى التى ننقل عنها كشفتها صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية نفسها قبل عدة أشهر، وفيها أن قطر دفعت بسخاء لعدد من زعماء لجنة الشئون العامة الأمريكية الإسرائيلية (تسمى اختصاراً أيباك) ليرضوا عن قطر المغضوب عليها من إسرائيل، خلال السنوات الأخيرة بسبب دعمها لحماس وحزب الله وعلاقتها بإيران، إضافة إلى ألاعيب قناة الجزيرة القطرية التى تحاول فيها الترويج لإسلامية وعروبة النظام القطرى وإظهاره بأنه الداعم الأول للقضية الفلسطينية والمساند لحقوق الفلسطينيين.

وقد تعهد أمير قطر الحالى تميم بن حمد بوقف تحريض الجزيرة، ونظن أن قطر تتراجع بانتظام محسوب فى دعم الميليشيات الإسلاموية التابعة لإيران، والتفاصيل كثيرة فى هذا الأمر لكنها كلها تقريبًا تكشف عن نهج «دبلوماسية الشيكات» التى يعتمدها النظام القطرى لشراء كل ما يريده وما يصب فى صالح الخطط الشيطانية التى تسكن رأس هذا النظام.

(2)

منذ البداية كان اليهود حاضرين حول كرسى عرش الأمير حمد وقريبين جدًا من أذنه، وهم – غالبًا – الذين لعبوا دور إبليس فى إقناعه أن طريق الوصول إلى البيت الأبيض والرضاء الأمريكى يبدأ من تل أبيب.

.. لكن لماذا عينت تاريخ حادث اغتيال رابين.. وما أهميته؟!

رابين كان قائد عملية السلام بين إسرائيل والعرب، والسلطة الفلسطينية، وكان يبدو أنه مقتنع بالمضى فى عملية السلام إلى مدى بعيد، لذلك قرر المتطرفون اليهود التخلص منه ليسمحوا بتيار اليمين الإسرائيلى المتطرف بالوصول إلى الحكم، وبالفعل لم يمض كثيرًا حتى قفز الليكود (حزب الصقور) إلى الحكم، وأفرز نتنياهو رئيسا للوزراء، وجاء الأخير لتتكسر على صخرته مباحثات السلام، وحل القضية الفلسطينية ولو حتى على أسس شبه عادلة.

وما يخص قطر فى حادث قتل رابين هو ما كشف عنه الصحفيان الفرنسيان نيكولا بو، وجاك مارى نهاية عام 2013 فى كتاب أصدراه بعنوان: «قطر التى تريد بنا شرًا» .

يقول الكاتبان إنه خلافًا للشائع فإن فكرة إطلاق قناة الجزيرة لم تكن وليدة عبقرية الأمير حمد بن خليفة، ولكن كانت نتيجة طبيعية لاغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلى إسحق رابين (تم اغتياله بعد 4 أشهر تقريبًا من تولى حمد العرش) وغداة الاغتيال قرر الأخوان ديفيد وجان فريدمان وهما يهوديان فرنسيان عمل كل ما فى وسعهما لإقامة السلام بين إسرائيل وفلسطين، (على الطريقة اليهودية.. يعنى بدون منح الفلسطينيين أيا من حقوقهم) وهكذا اتصلا بأصدقائهما من الأمريكيين الأعضاء فى «أيباك» الذين ساعدوا أمير قطر فى الانقلاب على والده لإقناع هذا الأخير بالأمر.

ويمضى الكاتبان فيقررا أن الشيخ حمد وجد فكرة الجزيرة مثالية للتخديم على عمل عرابيه، وفتح الأبواب للوصول إلى تل أبيب التى سوف تمهد له الطريق إلى قلب واشنطن.

(3)

وانتشرت صور كثيرة – فيما بعد – للسياسى والزعيم وأحد جيل الرواد الإسرائيليين البارزين، شيمون بيريز، والداهية تسيبى ليفنى، وإسرائيليين آخرين، وهما يلتقيان الأمير القطرى، ويصافحهما بود كبير، ويتجولون فى أسواق الدوحة المكيفة، وكذا صور اجتمع فيها القرضاوى مفتى الأمير بحاخامات يهود، لكن كل هذا لا يغنى عن البحث بجدية عن الشبكة العنكبوتية التى استولت على رأس النظام القطرى، ورسمت له سياساته، وأهم رافدين فى هذه الشبكة هما مؤسستان أمريكيتان «ثنك تانكس» بالتحديد هما «راند»، و «بروكينجز»، والأولى اشتهرت بأنها تابعة للمؤسسة العسكرية الأمريكية وشهرتها جاءت بعد الكشف عن بحثها الذى أنجزته لصالح هذه المؤسسة عن «الإسلام المعتدل» أو «الإسلام الليبرالى» ، ونصحت فيه بالعمل على تحويل الدين إلى طقوس روحانية ونشر التصوف كبديل لصرف المسلمين عن فكرة الجهاد، ليس الجهاد على طريقة داعش والقاعدة، ولكن فكرة الجهاد ضد العدو الغازى أو بمعنى أدق الاستسلام على طريقة العقائد البهائية والقاديانية التى احتضنها من قبل المستعمر البريطانى، لضرب مقاومة الشعوب الإسلامية التى كانت ترزح تحت نير احتلاله لبلادها، أما مؤسسة «بروكينجز» التى أنشئت فرعها الوحيد خارج الولايات المتحدة فى الدوحة، التى دفعت لها 15 مليون دولار خلال 4 سنوات، فقد اخترقت هذه المؤسسة النظام القطرى تماما، ووجهت سياسات الإمارة، التى مثلها حمد بن جاسم (كافأه حمد فعينه رئيسًا للوزراء)، فى المجلس الاستشارى لـ «بروكينجز»، التى صارت ترسم كل مناحى الحياة فى قطر، وتخطط لكل القطاعات، وأهمها ما يتعلق بالتعليم، والبحوث السياسية، بجانب توجيه النظام، والسيطرة على عقله، فلا مانع من العمل على تنشئة أجيال عربية على طريقة الليبرالية الجديدة وقيم العولمة.

(4)

واستجلبت قطر عدد فروع الجامعات الأجنبية أو قل سعت هذه الجامعات لإنشاء هذه الفروع طمعًا فى أموال النفط التى  تمثل ثروة، ومقدرات الشعب القطرى وقام المعهدان أو المركزان راند وبروكينجز أيضا بهندسة أساليب الحشد والتجييش لقوى المعارضة العربية فى كافة البلدان، دون تفرقة لمعارضة وطنية، أو عميلة، تبحث عن مصالح مادية، وكان دائما الشعار المرفوع «التحول الديموقراطى والإصلاح السياسى»، وجعل المخططون للربيع من هذا العنوان منهج عمل لتثوير المجتمعات العربية، وإلهائها عن محاولات الاختراق الحقيقية لنشر أفكار وقيم بديلة لأفكار وقيم الثقافة العربية المستمدة بالأساس من الأديان السماوية، وأفكار الغزاة الجدد المشار إليها، تبدأ من إقرار حقوق الشواذ، ولا تنتهى عند الإلحاد، ناهيك عن نشر أفكار الفوضى الأناركية، واللعب بورقة الأقليات والنحل والملل، وكل ما من شأنه تفكيك المجتمعات، وإعادة تركيبها على أسس تخدم الصهيونية، وتفكيك الدول العربية وتقسيمها لتقزيمها مقابل إسرائيل، وفى هذا المخطط كانت قطر حاضرة تبحث عن المكاسب فى دولة الخلافة الإسلامية المنتظرة.

SHARE

اترك تعليق