عاطف عبد الغنى
تنطلق إنسانية البشر من تلك المساحة الملائكية المضيئة فى ضمائرهم، وبينما يحاول الشيطان على الدوام أن يطفئ نورها لينتصر لنفسه يظل الإنسان محافظًا عليها ما بقى إيمانه بأن لهذا الكون خالق أرسله فى رحلة قصيرة إلى الأرض ليعمرها ويبنيها، بالإيمان، والمحبة، والسلام، وأن ينشد فى هذه القيم وجه الله سبحانه، وحكمته فى خلقه، وخلافته للإنسان على الأرض بدون تفرقة، أو عنصرية.
 وتكون السلطة فى هذا الكون أداة لتنفيذ المشيئة الربانية، وليست وسيلة فى يد الطغيان والاستيلاء على مقدرات البشر، ويكون السعى لامتلاكها لأجل أن نجعل من هذا الكوكب الذى نسكنه مكانا لتحقيق المشيئة الربانية، وليس الكفر الذى يقود إلى الإفساد، أو السعى لمنازعة الله فى سلطانه على الناس باسم الدين، أو التأسيس لملك سياسى أرضى باسم إله عنصرى، بخداع إلإله ذاته، أو تخريب العالم لإقامة هذا الكيان على أنقاضه، وهذه النماذج الثلاثة هى السائدة، والتى لابد من مقاومتها تنفيذ لمشيئة الله خالق هذا الكون.
(1)
اسمه هاينز ألفريد كيسنجر، عرفناه واشتهر بيننا باسم «هنرى كيسنجر» ، شهرته فى مصر والمنطقة جاءت مع الأحداث التى تلت حرب أكتوبر عام 1973 ، وكان فى هذا التاريخ يشغل منصب وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، وفى هذا التاريخ، ومن قبله، ومن بعده كانت كل أفعاله تصدر من منطلق واحد هو السعى لإنقاذ إسرائيل، التى تم تهديد وجودها ذاته فى حرب أكتوبر، بشكل غير مسبوق منذ إعلان قيامها عام 1948، لذك أخرج «حاوى السياسة» اليهودى من جعبته الخطة البديلة، ولوح بغصن الزيتون، وطير الحمامات البيضاء يدعو إلى السلام مع العرب وعلى رأسهم مصر.
ومنذ هذا التاريخ لم يخرج كيسنجر من الحلبة، وحتى بعد أن غادر منصبه الرسمى فى الإدارة الأمريكية، لم يستغنى عنه صانعو القرار، والواجهات الرئاسية الأمريكية منذ عهد الرئيس كارتر إلى ترامب، كان دائمًا حكيم الشر هذا، داهية الصهيونية ونبى الإمبريالية الجديد، قابع فى الظل، يرسم، ويخطط، ويحرك خلفه جيوش الفكر الصهيونى، ويعمل وفريقه على هندسة الانتصار على العالم ليس لصالح أمريكا كما يدعى ولكن لصالح إسرائيل دائمًا وأبدًا.
.. قبل 3 أعوام أفصح كيسنجر عن نبوءة، أعلن فيها أن الحرب العالمية الثالثة سوف تندلع فى منطقة الشرق الأوسط، جاء ذلك فى مقالة عكست رؤيته بشىء من التفصيل، ونشرها فى صحيفة «وول ستريت جورنــال» بتاريخ 16/10/2015 تحت عنـوان: «APathOutoftheMiddleEastCollapse»، وترجمة العنوان، « المسار لتجنب انهيار الشرق الأوسط، والمقال موجه بالأساس ضد إيران التى تسعى لامتلاك السلاح النووى، وتهدد به إسرائيل، أما روسيا، والصين، فتنازعان أمريكا نفوذها «أوراسيا» وفى منطقة الشرق الأوسط، مما يهدد الوجود الأمريكى وحلفائه، فى المنطقة،  وانتهى مقال كيسنجر بالقول: «إن السؤال المطروح ليس عن قوة الأسلحة الأمريكية، بل عن عزم أمريكا في فهم وفرض نظام عالمى جديد «.. وسؤالنا نحن ما هو النظام القديم، وما هو بديله الجديد؟
(2)
النظام العالمى القديم انهار مع إعلان انتهاء الحرب العالمية الأولى رسميا فى 11 نوفمبر عام 1918 ، وقد آلت إلى تفكيك الإمبراطوريات القديمة، الجرمانية والروسية والعثمانية والصينية وإمبراطورية النمسا والمجر، ونادى بعدها توماس وودرو ويلسون (28 ديسمبر 1856 – 3 فبراير 1924) بالسلام العالمى القائم على العدل عبر مبادئه الأربعة عشر التى أعلنها للعالم من الكونجرس الأمريكى، ونصت أولى هذه المبادىء على أن تقوم العلاقات الدولية على مواثيق سلام عامة، وتكون المعاهدات الدولية علنية وغير سرية، لكن مقاومة قوى الاستعمار التى خرجت من الحرب منتصرة، ومحتفظة بمستعمراتها، وهما الإمبراطوريتين، الفرنسية والبريطانية أجهضت دعوة ويلسون، ومهدت لاندلاع الحرب العالمية الثانية، ليشهد العالم دمارًا أكبر مما خلفته الحرب الأولى، ويروع الإنسانية استخدام أسلحة الدمار الشامل الفتاكة ممثلة فى القنبلة الذرية التى أسقطتها أمريكا على مدينتى نجازاكى وهيروشيما اليابانيتين، ليتاكد البشر أن الشر بداخلهم قادهم لاختراع أداة انتحار  كوكب الأرض، لينازعوا بها مشيئة الله فى خلقه وإيجاده.
(3)
ومرة أخرى يبرز من يسعى لإحياء كيان عالمى يحكم العالم ويسيطر هو على هذا الكيان الأممى، فيسيطر على العالم، ومن هنا اخترعوا منظمة الأمم المتحدة وجعلوا لها حلف الأطلنطى ذراعا عسكريا، وسعوا لتفكيك الشيوعية العالمية بعد أن انتهى دورها فى إقامة هذا النظام العالمى، الذى فشل أيضا فى أن يصبح حكومة عالمية.
ومرة ثالثة يبرز على السطح مصطلح «النظام العالمى الجديد» مع نهاية حرب الخليج الأولى عام 1991، وقد أعاد هذا المصطلح للتداول الرئيس الأمريكى جورج بوش الأب الذى قاد تحالفًا دوليًا لإعادة ترتيب الأوضاع فى الشرق الأوسط، لصالح أمريكا الصهيونية، وبقدر غموض بوش الأب فى تجسيد رؤيته أو استراتيجية هذا النظام، بقدر ما عكست الأحداث أنه لا يعنى إلا هيمنة قوى الغرب الإمبريالية الجديدة الممثلة فى التحالف الدولى الذى قادته أمريكا لتحقيق أهداف النظام العالمى الجديد (السياسية)، ونؤكد أن هذا النظام لا يسعى فى حقيقته الآن إلا إلى إعادة ترتيب الشرق الأوسط ليصبح تحت قيادة إسرائيل، والفكر الصهيونى اليهودى الذى يسيطر الآن على عقلية الغرب تماما إنطلاقا من أمريكا ويوجه هذا الفكر تمامًا لقبول تأسيس مملكة اليهود، وإسرائيل الكبرى، ولا تنسحب هذه السيطرة على مستوى السياسة، والاقتصاد، فقط، ولكن أيضًا على مستوى العقيدة الدينية من خلال اختراق الفكرة الصهيونية للكنائس الأصولية الإنجيلية فى الغرب وتوجيهها للتخديم على إقامة مملكة اليهود، اقتناعا منها أن هذا فقط ما يؤدى إلى عودة المسيح إلى الأرض مجددا، وحكم العالم لمدة 1000 سنة سعيدة، وسوف تسبق هذه العودة حربا كبيرة فى الشرق الأوسط تسمى فى أدبيات الغرب «أرمجدون» ونسميها نحن فى الشرق «هرمجدون»!
(4)
والآن لابد أن تجد أفكار الحرب الشريرة هذه من يتصدى لها، وأدعياء الشر القادم من الغرب يحاولون أن يوظفوا الإرهاب المصنوع من أفكار التطرف المنسوبة بهتانًا وزرًا إلى الإسلام، ويوظفوا أيضا أفكار بعث الإمبراطوريات التى ذهب زمانها، لنشر الدمار، والخراب فى الشرق الأوسط.. هل يفسر ما سبق جانبا من خراب الربيع المزعوم الذى هب على منطقتنا العربية؟!
وقبل ساعات طرحت مصر من خلال الرئيس عبد الفتاح السيسى فى منتدى شباب العالم الذى أقيم فى مدينة السلام شرم الشيخ، مبادرة يمكن التأسيس عليها لاستراتيجية بديلة، عما يسمى النظام العالمى الجديد.
استراتيجية مصر تسعى إلى أن تحول السلام إلى واقع حقيقى، ومنهاج للحياة، وعمار الكون، من خلال نشر قيم ومبادئ المحبة والتآلف التى تجمع الأسرة الإنسانية، وتجعل من الشعوب وخاصة الشباب الذى لم تتلوث نفوسهم بعد بالكراهية.
أضاءت مصر بالفعل الشمعة الأولى فى شرم الشيخ، وتسعى إلى التأسيس على ضوء هذه الشمعة التى يمكن أن تكبر لتصبح آلاف وملايين المصابيح إذا حمل كل شاب ممن حضروا المنتدى واحدة مثلها وقالوا لأقارنهم حين يعودون لبلادهم، إن بلدا اسمه مصر شهد العالم أن فجر الضمير الإنسانى بزغ فى أرضه، يدعو لإحياء الإنسانية، ونشر السلام على الأرض، على أسس الإيمان ووحى السماء، وأن هذا الوميض الذى لمع من مصر حقيقة وليس سرابًا.
SHARE

اترك تعليق