مصر تترأس الاتحاد الفريقى - أرشيفية

بقلم : السفير محمد عبدالحميد حجازي

عام كامل ستقضيه مصر في مقعد القيادة الإفريقية مطلع 2019 عندما تترأس الاتحاد الإفريقي، ستكون مصر حريصة فيه على ترك بصمة تليق بمكانتها، وبدورها ستتطلع أفريقيا إليها ولما ستقدمه القاهرة بكل مالها من معارف وقدرات وإمكانيات.

وسأطرح فيما يلي مجموعة من الأفكار والمبادرات التي قمت ببلورتها وبحثها على مدار عملي الدبلوماسي، وبالفعل قطع بعض تلك المبادرات مسارًا عمليًّا إلا أنه لم يكتمل، ولكنها تبقى حية كمبادرات خلاقة يمكن أن تجعل عام الرئاسة المصري للاتحاد الإفريقي عام للإنجازات غير المسبوقة، وبها ستأخذ سياسية مصر الإفريقية منحي عمليًّا جادًّا يضعها على الطريق الصحيح ، طريق المنفعة والمكاسب المتبادلة والمستقبل المشترك.

أولى هذه المبادرات هو إنشاء صندوق تمويلي للمشروعات للشركات المصرية بالقارة الإفريقية ويدار الصندوق على أسس بنكية، كما يفعل بنك التصدير والاستيراد الهندي أو مثيله الصيني، ويرصد لهذا البنك الصندوق، ميزانية استثمارية لا تقل عن 500مليون دولار أو يزيد، وتقدم قروضًا ميسرة لتمويل المشروعات بالدول الإفريقية شريطة إسناد الأعمال لشركة مصرية، فتنفتح الأسواق الإفريقية أمام شركاتنا، ويكون القرض الميسر المقدم من جانبنا إحدى أدوات جذب البلدان الأفريقية للتعامل مع الصندوق المصري الذي سيخصص قروضه لتمويل مشروعات تنفذها شركاتنا .

هذا البنك الصندوق هو الذي تبنت فكرته تقريبا كل الدول صاحبة المبادرات الفاعلة على الساحة الإفريقية خاصة الهند والصين وكوريا الجنوبية وتركيا وروسيا وغيرهم علاوة على اليابان وفرنسا والولايات المتحدة وألمانيا، لكل منهم خطوط تمويل ميسرة تعطي الأولوية لتمويل نشاط شركاتها، مما حقق لهذه الدول حضورًا مؤثرًا على الساحة الاقتصادية والسياسية ويحقق المنفعة المتبادلة.

المبادرة الثانية هي إنشاء صندوق للمقايضة الأفريقي يتم من خلاله تبادل السلع من خلال عملية تقييم للمنتج وفقًا لسعره في السوق العالمي، مما سيخفف الضغط على العملات الأجنبية، ويمكن أن تتولى إحدى الإدارات التابعة لصندوق المقايضة عملية التقويم الاقتصادي لأسعار المنتجات الأفريقية، بينما تتولى إدارة أخرى عملية تدبير النقل بين الدولتين محل الاتفاق، ويمكن أن يتسع نشاط صندوق المقايضة الأفريقي ليمتد ليشمل شراء السلع بشكل مشترك للدول الراغبة فتنخفض التكاليف ويقل الاحتكار والفساد ، وينخفض سعر الشراء الجماعي عن الشراء بشكل فردي، فكل بلداننا الأفريقية تشتري مثلا نفس أدوية القلب أوالسرطان وغيرها، ولعل اشتراك أكثر من دولة عبر صندوق المقايضة في دورة شراء واحدة سيكون حتما أقل تكلفة للجميع.

مبادرات أخرى طرحناها في رئاسات سابقة وكان من الممكن أن تحدث أثرًا كبيرًا كانت مبادرة إطلاق قناة فضائية تبث من القاهرة للقارة الأفريقية، وتهدف إلى التعريف بثقافة القارة وحضاراتها الأصيلة والتي كانت قائمة قبل اجتياح المستعمر الغربي، وتقديم موسيقى القارة والسينما والحركة الأدبية والفنية، وستكون نافذة للإرشاد والتوجيه والتعليم والتثقيف، وأذكر عندما طرحت مصر مبادرتها عام 2006 تقريبا زارنا على رأس وفد من الاتحاد الأفريقي رئيس المفوضية آنذاك ألفا عمر كوناري والذي التقيت معه بقيادات ماسبيرو والمسؤولين عن القطاع الهندسي بالتلفزيون، وزار بعد اللقاءات تلك الاستوديوهات ومدينة الإنتاج الإعلامي.

 وبعدها كان تصريحة الشهير انه بعد أن تعرف علي الإمكانيات المتاحة في مصر”فإن اطلاق القناة ممكن ان يتم غداً”، تابعت الموضوع وعقدنا مؤتمرا مؤسسا لوزراء الإعلام الافارقة.،وباتت الفكرة قريبة للتحقق ولكن لاسباب غير واضحة بالنسبة لي، توقف المشروع الرائع الذي كان يمكن أن يحقق لمصر مكاسب كبرى علي صعيد القارة، وكيف لقناة واعية وصادقة أن تخلق تأثيرا يوعي ابناءنا ضد مخاطر الإرهاب والتطرف ومخاطر الهجرة غير الشرعية ونقل التجارب والأفكار.

ومن المبادرات النوعية التي طرحناها على الساحة الأفريقية ودعمها، آنذاك بفاعلية وزير الصحة الاسبق د. محمد عوض تاج الدين هي انشاء مركزا افريقي للأمراض المعدية والمتوطنة، تجري فيه أبحاث علي الأمراض الاخطر في القارة التي تؤدي بحياة الملايين كالملاريا والايدز والايبولا، وحددنا وقتها مقرا بأحد الابنية الملحقة بجامعة الإسكندرية، ومع التغيير الوزراي الذي طال وزارة الصحة لم نجد حماسا كافيا بعد ذلك لاستكمال المبادرة، رغم أننا كنا قد عقدنا مؤتمرا لوزراء الصحة الأفارقة رحبوا بالمشروع، وقدمت علي هامشة شركات الدواء المصرية منتجاتها في معرض متميز وراقي، بغرض فتح أسواق أفريقية وتسجيل الدواء المصري.

وارتباطا بهذه المبادرة يمكن نضيف قسم لعلاج فيروس الالتهاب الكبدي(س)بما يتيح من علاج وأبحاث ورعاية صحية، بنظم وأدوية العلاج المصري الناجح لهذا المرض الخطير، ويمكن أن يكون الترويج لبرامج علاجية على مستوى القارة بل العالم مصدر دخل سياحي وعلاجي ضخم، ويجرنا ذلك للحديث عن مبادرة أخرى هي مبادرة العلاج المؤسسي، فالدارج في أدبيات العلاج هو هو مفهوم السياحة العلاجية ولا بأس لو كان هناك بذل تحت هذا المسمي التقليدي، ولكن التوجه الأهم والذي تطبقه بفاعليه دول منطقتنا مثل الاردن وبكفاءة وقد عايشت كسفير في البلد الشقيق ما يقومون به في هذا الاتجاه، وتبنينا مع وزير الصحة كذلك آنذاك د. محمد عوض تاج الدين هذا الطرح المؤسسي القائم على إعداد كاتالوج لعدد من مراكز الطبية النوعية وتسعير كل الجراحات في مختلف المجالات كالقلب المفتوح والعيون والكبد وزراعتة.

 وهكذا مع مختلف أفرع الطب والاتفاق من خلال تسويقية لجهات متخصصة ومصالح عربية وافريقية وعلى رأسها هيئات التأمين الصحي في تلك البلدان بل والوزارات والجهات كوزارات الداخلية والدفاع والصحة وغيرها، مما يوفر لها مبالغ طائلة لو تحملت ايفاد مرضاها لاوروبا او الولايات المتحدة كما هو متبع، بل يمكن في عمليات القلب المفتوح وزراعة الكبد وعلاج فيروس (س) التسويق حتي خارج افريقيا والدول العربية مما يدر دخلا ويحقق نفعًا متبادلًا.

تلكم كانت مجموعة من المبادرات الجادة والواقعية والتي كادت ان تلامس ارض الواقع التنفيذي ولكني قدر لها ان تبقى في الظل حبيسة الادراج رغم وجهاتها، ومع توافر الإرادة السياسية

حاليا مع رئاسة مصرالمرتقبة، فالامل معقود عمن يتبناها ويطلق لها العنان لتحقق لأفريقيا ولنا ما نريد.

ولا تفوتني أن أنوه لملفين أساسين على مصر الاعتناء بهما والتقدم بمبادرة نوعية فيهما يخصا التحديان الأهم علي صعيد القارة حالياً هو تحدي الإرهاب ولعل إحياء ودعم الآلية المقترحة والتنسيق والتي تم اعتمادها في اجتماع وزراء الدفاع لدول الساحل والصحراء وحيث اجتماع 27 من وزراء الدفاع معا لإقرار خط عمل مشترك لمكافح الإرهاب عام 2016واتفقوا على تأسيس تلك الاليه لتعمل كسكرتاية  للمجموعة، فعلينا أن نبحث من خلال تلك الالية او من خلال مبادرة متكاملة عن كيفية تقديم خبراتنا ودوراتنا التدريبية في مجال مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات والتنسيق بما يسهم في تخطي افريقيا لهذا التحدي، وارتباطا به هناك تحدي الهجرة غير الشرعية والتي يتوجب على مصر اخذ زمام مبادرة تسهم في دعم قدرات القارة لمواجهة هذه المشكلة.

 والتي تهدد أيضا أوروبا، وقد شاهدت العشرات الأشقاء الأفارقة يجوبون شوارع مراكش إما سعياً للرزق او تمهيدا للانتقال الخطر غير المرحب به الي اوروبا، وبحسب بعض المسؤولين ان بعض ابنائنا الأفارقة يصلون سيرا وعبر الدروب الي المغرب في رحلة قد تستغرق أحياناً ثلاثة سنوات معرضا خلالها لكل المخاطر ،أما التحدي الاقتصادي فعلي مصر من خلال مؤتمرات مشابهة للمؤتمرات التجارية والاقتصادية والاستثمارية التي استضافتهم شرم الشيخ وأحدهم المؤتمر الذي تنظمه وزارة التعاون  الدولي والتجارة والصناعة في من ٨/12 ديسمبر القادم وللمرة الرابعة حتي بات تقليدا أفريقيا نامل في استثماره.

من المهم أيضا النقاش للشباب الإفريقي بحيث يكون المؤتمر القادم للشباب في محافظة أسوان ويكون شعاره أفريقيا واحدة one  Africa وتخصيص ميادين وساحات محافظة أسوان مكانا للحوار والنقاش بعيدا عن الفنادق والقاعات وتكون مساحات للفنون الأفريقية والموسيقى تجوب الاماكن لينتهي الملتقي بعد رحلة نهرية في مدينة الأقصر مهد الحضارة المصرية والأفريقية وفي ساحة احد معابدها وبداخله يكون حفل ختام مهرجان الشباب الأفريقي.

ختاما يجب أن تتحمل كل وزارة مسئولياتها تجاه القارة كل فيها يخصه لنبحث معا في القاهرة أو في إحدي المحافظات موضوع يدعى إليه الوزراء الأفارقة فتستضيف مدينة ساحلية كالاسكندرية مؤتمرا لوزاء الهجرة الأفارقة، ومدينة كشرم الشيخ أو محافظة البحر الأحمر وزراء السياحة الأفارقة وتستضيف القاهرة مؤتمر المدن الأفريقية أومجلسه التنفيذي كما تقرر في قمة المدن الأفريقية في مراكش الأسبوع الماضي .

 حيث تقرر بعد مشاركة فاعلة لوزير التنمية المحلية والوفد المرافق اختيار القاهرة مقرا للمنظمة في إقليم شمال أفريقيا، واختير محافظ القاهرة عضوا بالمجلس التنفيذي للمنظمة، وهكذا يجمع كل وزير في تخصصه قرناءة الأفارقة في مجالات الصحة والري والصناعة والداخلية والسياحة والتعليم وهكذا نخرج بميثاق تعاون مصري أفريقي في مجال التخصص على أن تستضيف كل وزارة قرناءها وعلي مدار السنة يكون لنا مبادرات تجاه القارة تؤكد الرئاسة المصرية للاتحاد الأفريقي ليس حدثًا سنويًّا وينقضي بانتهاء فترة الرئاسة بل توجه مستدام تسهم من خلاله مصر في رفعة شأن قارتها وتتصدى لقضاياها على الدوام.

الدكتور محمد حجازى

 

SHARE

اترك تعليق