عاطف عبد الغنى

تعالوا نتفق أنه لا أحد يملك، أو يستطيع أن يلغى السُنّة القولية (الشفهية) بقرار، وكذلك لا نستطيع أن نتعامل معها على طريقة تعامل أهل الكتاب مع الأسفار المخفية (الأبوكريفا) بأن نحرمّها على عوام المسلمين.

وإذا كان «القرآنيون» ومن سار معهم على درب الضلال، يدخلون فى حربهم للسُنّة القولية من باب إن نفرًا من المسلمين أعلوها على القرآن وأن هناك أحكاما شرعية تم استنباطها من السُنّة تتعارض مع القرآن، فلابد أن نسأل معارضوهم من علماء الدين عما يتقوله هؤلاء، وعن حجية معارضته، وهذه هى القضية الأخطر فى طرح أحمد صبحى منصور وأمثاله.

(1)

وقبولنا للسنة الشفهية بشروط صحتها، يستتبع قبولنا للحديث الشريف: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» رواه أبو داود.

وكيف يُجدد الدين وقد قلنا من قبل إنه ثابت بنص القرآن؟!.. والإجابة أن التجديد المقصود هنا هو إعادة إحياء الدين فى نفوس الناس، ومدار التجديد علوم الدين، والاجتهاد الذى يجب ألا يتوقف فى تفسير النصوص، لتجديد الفقه الدينى وليس الشرع، والفقه متغير بتغير العصور والأماكن والحوادث، وهذه المتغيرات الثلاثة أنتجت ما يسمى فقه الضرورات الذى يهتم بربط الواقع المستحدث بالنصوص الشرعية، وقد يصل الأمر فى بعض الحالات إلى تعطيل الشرع بتعطيل حد من الحدود مثلاً لتحقيق مقصد أهم من مقاصد الشريعة أيضًا، مثلما فعل عمر بن الخطاب – رضى الله عنه – عندما عطل حد السرقة فى عام المجاعة، لقد اجتهد الصحابى الجليل فرأى أن السارق فى هذه الحالة مضطرًا لسرقة الطعام ليحافظ على حياته، والحفاظ على الحياة من مقاصد الشريعة الخمس وما فعله ولى أمر المسلمين، هنا يدخل فى باب الفقه الذى هو علم دينى له شروطه وضوابطه.

 والله سبحانه حرّم أكل الميتة، وحرم أكل لحوم البشر، لكن هناك مثال آخر قريب فى الزمان والمكان، تم فيه إجازة المحرمين، حين أفتى مفتى لبنان للأحياء المحاصرين فى معسكرى «صبرا وشاتيلا» اللبنانى عام 1982 أن يأكلوا لحم الميتة حتى ولو كانت لحومًا بشرية لمن قضوا نحبهم بالمعسكر، ليبقى الأحياء على حياتهم ولا يهلكوا.

 والفتوى السابقة ارتبطت بزمان ومكان محددين، وبظرف استثنائى، وبالتالى فهى ليست مطلقة، وتندرج تحت قاعدة «الضرورات تبيح المخطورات» وهى قاعدة مثبتة فى فقه الأصول، وتخضع للنسق الفقهى العام، ولا تتخذ رخصة أو تكأة لمن يرغب فى المروق من الشرع.

.. وهكذا يجب أن نفهم أن مسألة الاجتهاد والتصدى للتجديد ليست بالسهولة والبساطة التى يتصورها البعض، ولا يجب التعامل معها على طريقة ما يطلبه المستمعون، أو السعى فى التجديد على خلفية المفاهيم الغربية وطرق التفكير عند غير المسلمين تحت ادعاءات خادعة، أو براقة مثل الإنسانية، فالإنسان ليس أرحم بالإنسان من خالقه الذى هو الله سبحانه وتعالى.

(2)

ونظرة أشمل على القضية تدعونا إلى الخروج من دائرة الجدل المحلى إلى الخارج، وهى دائرة أوسع، وقضاياها أخطر، وأعطيكم مثالا لما يحاول الغرب أن يفرضه علينا، عبر مداخل أخرى، تبدو وكأنها لا علاقة لها بالدين وهى فى الحقيقة لها علاقة وثيقة به.

فإلغاء عقوبة الإعدام هو – لا شك – تعطيل لحدود الشرع، وبعض بلدان الغرب قد أخذ بها، وهذه البلدان تنفق أموالاً طائلة، وتمارس ضغوطًا هائلة، رسمية وغير رسمية علينا لنحذو حذوها فنعطل هذه العقوبة، أو نلغيها.

وقد تولت بعض دكاكين المجتمع المدنى هذه الدعوة، وحصلت على تمويلات من بلدان خارجية لتنفيذ برامج تعمل على هذا الهدف، وراحت تروج له تحت عناوين برّاقة – كما أسلفت – مثل إنها عقوبة وحشية أو غير إنسانية، ودعونا نعترف أنه مع تزيين هذه الطروحات لاقت فى مجتمعاتنا الإسلامية بعض القبول عند ضعاف الدين والعقل، وحدث هذا فى غياب حراس العقيدة، علماء الدين، وكان ينبغى عليهم التصدى لمواجهة هذه الفكرة ومثلها، بالحجة، وكشف ما فيها، ونشر الحكمة الإلهية فى شرع الله سبحانه مع توضيح المفاهيم وتبسيطها حتى تصادف الفهم عند أكبر عدد من الناس.

(3)

وفى فيلا المقطم حيث يعقد أسبوعيا ندوة فيما يسمى «رواق ابن خلدون» أحد نشاطات سعد الدين إبراهيم التى يسترزق منها عبر التمويلات، رأيت الطاعنين فى الدين، وسمعت من يتناوله على أنه تراث، أو فولكلور.

 وفى مقابلاتى وأحاديثى الصحفية ومنها ما هو منشور، أو محاوراتى غير المنشورة مع أمثال جمال البنا، اكتشفت  فكرًا معوجًا يطرحه أصحابه على أنه تجديد فى الدين، ويشجعهم، سعد الدين إبراهيم وأمثاله، ومنهم العملاء، وكذا أسرى ومسوخ الثقافة الغربية، ومنهم من تولى التربيط والتشييك بين القرآنيين وجمال البنا، ومؤسسات الغرب التى دفعت نحو انفجار 25 يناير 2011 .

ولم يكن فكر وكتابات وأحاديث وحوارات، القرآنيين، والبنا، وغيرهما إلا قنطرة إذا اختار المسلم أن يخطو عليها فسوف تقوده فى النهاية إلى عالم الكفر والشرك والعياذ بالله، وهذا هو المطلوب من أعداء الإسلام التاريخيين، واشخص ببصرك إلى بلاد الغرب التى ينتشر فيها الإسلاموفوبيا الآن وسوف تعرف من هم.

(4)

وخلاصة القول أن هناك من يتآمر على الدين سعيًا لهدمه، وفى المقابل هناك من يسعى لتنبيه علماء الأمة على سد الذرائع وتسديد الثغور لدرأ الفتن، وقطع الطريق على المتآمرين على الدين بغرض أو عن جهل، لكن قعود علماء الأمة وخشيتهم من التصدى لما هو واجب عليهم بالضرورة، وهو تجديد الدين، سوف يتيح المجال لفريق الكفر والضلال والغى أن يكسب كل يوم مساحات جديدة.

وهذا يعيدنا إلى الحديث الذى أوردناه عن مبعوث الله لتجديد دين الأمة، و لفظة (من) الواردة فى الحديث هى اسم موصول تفيد الإطلاق واحتمالية أن يكون المجدد فردًا أو جماعة، وليس هناك من يملك التصدى للمهمة قدر الأزهر الشريف، فرض كفاية عن الأمة، وجهادا فى سبيل الله ونصرة دينه.

SHARE

اترك تعليق