سمير فرج

تقابلنا للمرة الأولى ونحن طلبة في كلية أركان حرب، بعد أن اجتزنا اختبار المسابقة من بين ١٥٠٠ ضابط، قبِل منهم ١٦٥ ضابطاً، فقط. كان عُمر سليمان، آنذاك، برتبة العقيد، وكنت أنا برتبة الرائد، واستمرت الدراسة لمدة عام ونصف، كان العقيد عُمر سليمان، خلالها مثالاً، للانضباط، والهدوء، متواضع جداً، قليل الكلام، شديد الذكاء، وهي نفس الصفات التي لم يفقد أي منها على مدار السنين، ومع التدرج في المناصب الوظيفية.

تم إعلان تخرجنا مبكراً عن موعده، بسبب اقتراب حرب أكتوبر ٧٣، وكمكافأة لي على تفوقي، وتقدم مركزي، فقد تم توزيعي على هيئة عمليات الحرب، كما تم توزيع عُمر سليمان للانضمام إلى صفوف المقاتلين في ميدان الحرب. بعد انتصارنا العظيم في الحرب ، سافرت في بعثة إلى كلية كمبرلي الملكية بإنجلترا، كطالب أولاً، ثم كمدرس، لمدة عام، بكلية القادة والأركان. قبل أن أعود إلى وطني، وأتولى دوري كقائد كتيبة في اللواء مشاة، الذي يقوده العميد عُمر سليمان، آنذاك، وهكذا اجتمعت به، مرة أخرى.

كان لواء المشاة ضمن القوات المكلفة بالدفاع عن سيناء، وفقاً لبنود اتفاقية السلام، مما أتاح لنا فرصة العمل معاً لمدة ٢٤ ساعة يومياً، لمدة عام ونصف، لا نفترق خلالهم إلا مرة واحدة في الشهر للإجازة. كانت تلك الفترة كافية لأقترب أكثر وأكثر من ذلك القائد الحاسم، ذو الشخصية القوية، المتواضع النفس، عالي الدرجات في علمه، وخبرته الميدانية، التي اكتسبها أثناء حرب أكتوبر، خلال وجوده ضمن صفوف الجيش الثاني الميداني، ولم يبخل بنقلها إلينا.

أثرني العميد عُمر سليمان بمواقفه الواضحة، ودفاعه عن الحق، وله في عنقي جميل، لم أنساه يوماً، عندما جاءتني فرصة للسفر، في بعثة، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، للحصول على دبلوم في إدارة الأعمال، وهو ما يستلزم موافقته، أولاً، بصفته قائدي المباشر، فلم يتردد في الموافقة. لكن جاءت المفاجأة، برفض قائد الفرقة لسفري، معللاً أسباب رفضه بأنني قد حظيت بفرصة سابقة للسفر إلى الخارج، ويجب إفساح المجال لضباط آخرين. ونظراً لدراية، وإدراك، العميد عُمر سليمان، بأنني لم أحظ بتلك الفرصة بالترقية، أو الأقدمية، أو التزكية، وإنما حصلت عليها بمجهودي الشخصي، بعد اجتيازي، بتفوق، للاختبارات، التي تقدم إليها العشرات، غيري، من الضباط. فقد اجتمع مع قائد الفرقة، لمدة ساعة تقريباً، لإقناعه بأحقيتي في تلك الفرصة، ترسيخاً لمبدأ إثابة المجتهدين، ولضرورة تسليح الجيل الجديد بالعلم الحديث، الذي حرمتنا منه الحروب مع إسرائيل، وانتهى الاجتماع باقتناع قائد الفرقة، وموافقته على سفري. وكتب العميد عُمر سليمان تقريره السنوي، ليكون شهادة فخر واعتزاز في ملف خدمتي، قبل أن نفترق، مرة أخرى، ولكن علاقتنا صارت أقوى مما سبق.

تدرج اللواء عُمر سليمان في مناصب عديدة، من قائد فرقة، إلى قائد المنطقة المركزية في القاهرة، والذي يعادل قائد جيش، وأصبح اسمه من ألمع وأبرز الاسماء في القوات المسلحة، مما أهله للانضمام إلى المخابرات الحربية. أذكر يومها أنني كنت في إجازة بالقاهرة، فطلبني للقاء بمكتبه، أمضينا فيه ثلاث ساعات، وفي مزيج من التواضع والثقة بالنفس، طلب أن أوضح له بعض تفاصيل إدارة المخابرات الحربية، والتي كنت قد قضيت بها سنين، كمدير لمكتب رئيسها. بقي، عُمر سليمان، بالمخابرات الحربية، حتى تولى رئاستها، في فترة عصيبة من تاريخ مصر والمنطقة، وهي حرب الخليج؛ فنجح في أن يكون لديه، في غرفة العمليات في مصر، ذات المعلومات الموجودة في حفر الباطن، مقر قيادة التحالف الأمريكية. حتى أن الرئيس الأسبق، حسني مبارك، كان يخرج من مكتبه، ويذهب إلى “غرفة عمليات عُمر سليمان”، ليطلع على الموقف كاملاً على الجبهة في حرب الخليج.

فور انتهاء الحرب، وتحرير الكويت، تعين اللواء عُمر سليمان، رئيساً للمخابرات العامة المصرية، وانتقل إلى مرحلة جديدة من حياته، لمدة ٢٠عاماً، تسلم فيها عدة ملفات شائكة، منها؛ القضية الفلسطينية، والعلاقات مع إسرائيل، وملف السودان، وملف دول الخليج العربي، وملف ليبيا، وملف دول حوض نهر النيل. وتولى العديد من المهام الصعبة، مثل الاتفاق مع دول حلف الناتو على التدخل للقضاء على القراصنة الصوماليين، الذين هددوا باب المندب، مما كان له تأثير سلبي على مصر. ونجح في مهمته، بمساعدة القوات الأمريكية والفرنسية المتمركزة في جيبوتي، بالتدخل العسكري، والقضاء على هذه العناصر، وعادت الملاحة إلى طبيعتها في قناة السويس، فاستحق أن يكون، هو والمشير طنطاوي، ذراعي الرئيس الأسبق، وعيناه اللتان يرى بهما.

فرض احترامه على الجميع، بفضل ذكاؤه وصدقه، اتبع منهجاً واضحاً من المصداقية في طرح أي موضوع، على رئيس الجمهورية. كّون صداقات وطيدة مع معظم رؤساء وملوك الدول العربية، ورجال السلطة الفلسطينية، وأصحاب القرار في إسرائيل. وأصبحت المخابرات العامة، في عهده، ذات مكانة متميزة بين نظيراتها في الدول الأخرى، وكون علاقات متميزة مع صانعي القرار بالولايات المتحدة الأمريكية، والدول الأوروبية، وفي العمق الأفريقي، وأحدث تطوراً هائلاً في منظومة المخابرات العامة المصرية، خاصة في مجال التقنيات العلمية الحديثة.

على المستوى الإنساني، آثر اللواء عُمر سليمان، أن تبتعد حياته الأسرية عن الأضواء، وعن مراكز السلطة. أذكر أنني حضرت حفل زفاف إحدى بناته، فلم أر من كبار رجال الدولة، سوى أقرب الأصدقاء فقط، فكان المشير طنطاوي، ووزير آخر، ومن رجال القوات المسلحة، لم يدعو إلا اللواء علي حفظي وأنا. وظل طوال الحفل حاملاً حفيدته الأولى بين ذراعيه، حتى أن زوجتي تعجبت من فرط بساطته وتواضعه.

وكان اخر لقاء جمعني به في شهر أبريل 2012، عندما زرته في مستشفى وادي النيل، واقترحت عليه السفر فوراً للعلاج؛ خاصةً وأن زيارته العلاجية إلى ألمانيا، لم يحالفها النجاح، فاقتنع بنصيحتي، وقرر السفر إلى الإمارات اولاً، ومنها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث لقى وجه ربه. ولا صحة، على الإطلاق، لما أشاعه البعض، حينها، من وفاة سيادته في سوريا.

مهما تكلمت عن هذا الرجل، رحمه الله، فلن أفيه ولو جزء من حقه … لقد استحق ما لقبه به رجال المخابرات … “آخر الرجال المحترمين”.

Email: [email protected]

SHARE

اترك تعليق