استراتجيات

كتب : هيثم سعيد

قبل الشروع في الحديث عن نشأة منظمات المجتمع المدني المصرية، وتطور حركات حقوق الإنسان وانتشارها على أرض الكنانة، ومدى هرولتها خلال التوسع نحو  حصد مكاسب ثرية جراء التمويلات الأجنبية، لابد أولاً من ذكر الأحداث السياسية الخارجية التي أثرت في تلك البنية غير السوية.

لقد نشأت حركات حقوق الإنسان في مصر دون قاعدة واضحة المعالم، وأساسات يمكن الاعتماد عليها في قادم السنوات، مما جعلها هشة لينة سهلة الفناء.

ويمكن تقسيم تطور حركات حقوق الإنسان في مصر  على أربع عصور مختلفة، وذلك ليس وفقاً لاختلاف السياسات المصرية، ولكنه مع كامل الأسف تزامناً وتوافقاً مع تغير الأحداث العالمية وخاصة الأمريكية.

ومن هذا المدخل نستطيع القول مجاذاً أن أغلبية حركات حقوق الإنسان في مصر، والتي عملت تحت مظلة خدمة المجتمع المدني، كانت في الأساس لتنفيذ خطط استراتيجية غربية وأمريكية مهملة الشأن المصري الداخلي.

 

ومن خلال دراستنا لتاريخ حركات حقوق الإنسان في مصر، نستعرض هذا التطور والانتشار الذي جاء غالبيته غير سوياً ووفقاً لتنفيذ خطط أمريكية وخدمة المصالح الغربية.

العصر الأول: ميلاد سياسي تزامناً مع خطط أمريكية ملتوية

قادت الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة من 1945 حتى 1990، حرباً باردة هدفها الأعظم إسقاط وتفتيت الاتحاد السوفيتي وبالفعل نجحت نهاية الأمر.

تولت تنفيذ هذه المهمة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA)، من خلال دعم مجموعة من المنظمات والهيئات والنقابات الحكومية وغير الحكومية في عدة أماكن من دول 4العالم، لتقليص نفوذ الاتحاد السوفيتي والوقوف ضده بكل الوسائل والإمكانات المتاحة، وزعزعة أمنه واستقراره والعمل على فصل بعض أجزائه.

انكشفت خطة الولايات المتحدة الأمريكية وانتشرت فضيحتها الكبرى، بعدما تبين لدول العالم أن  (CIA)يتدخل في شئون الدول الأخرى ويدعم منظمات غير حكومية بهدف إسقاطها.

شعرت حينها الولايات المتحدة بالحرج الشديد بعد انكشاف تلك الأعمال التي قام بها جهاز الاستخبارات التابع لها، فقررت وقف التمويلات ومنعها تماماً.

اتخذت الولايات المتحدة مسلكاً ملتوياً آخر لدعم وتمويل المنظمات غير الحكومية، بهدف زعزعة أمن واستقرار دول بعينها وفقاً لخدمة مصالحها.

وفي عام 1983، قرر رونالد ريجان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، بالاتفاق مع الكونجرس الأمريكي، على إنشاء المؤسسة الوطنية للديمقراطية ويرمز لها بـ(NED)  بطريقة رسمية وقانونية للقيام بالدور الذي كانت تقوم به وكالة الاستخبارات المركزية.

وضمت هذه المؤسسة  هيئات تابعة هي: المعهد الديمقراطي الأمريكي(NDI)، التابع للحزب الديمقراطي الأمريكي، والمعهد الجمهوري الأمريكي التابع للحزب الجمهوري وغيره من المعاهد والمنظمات.

وخلال تلك الأثناء حثت الولايات المتحدة الأمريكية دول العالم، على إنشاء منظمات حكومية وغير حكومية هدفها الأسمى الدفاع عن حقوق الإنسان وخدمة المجتمع المدني.

وتزامناً مع هذا السرد الأمريكي تأسست المنظمة العربية لحقوق الإنسان عام 1983، كأول منظمة دولية تهتم بتعزيز حقه في الدول العربية، وبدعوة من قيادات الفكر القومي واليساري بذلك التوقيت، على رأسهم محمد فايق رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان حاليًا، والدكتور سعد الدين إبراهيم، والراحل الدكتور يحيى الجمل، وغيرهم  من القوميين واليساريين.

وعقد المؤسسون المؤتمر التأسيسي للمنظمة في مدينة ليما سول بقبرص، واتخذت من القاهرة مقرًا رئيسيًا لها.

ومن أوائل المنظمات التي تم تأسيسها في مصر، كانت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان عام 1985، كفرع للمنظمة العربية تحت مسمى “الفرع المصري للمنظمة العربية لحقوق الإنسان”.

وترأسها الراحل محمد إبراهيم كامل وزير الخارجية الأسبق وضم مجلس أمنائها أغلبية من قيادات اليسار والناصريين، على رأسهم بهي الدين حسن الذى انتخب أول أمين عام، ونجاد البرعي الذي تولى منصب أمين الصندوق، وكانت فرصة حقيقية لظهور جيل ثان من الحقوقيين بعيدًا عن سطوة جيل الرواد.

وأسس سعد الدين إبراهيم، أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، عام 1988.

في تلك الأثناء، نشأت حركات حقوق الإنسان في مصر وسط صراعات سياسية عديدة، سواء محلياً أو إقليمياً وعالمياً.

فكانت هناك حروب ضروس داخل الأراضي المصرية بسبب المعارك الدائرة بين الدولة والجماعات الدينية المسلحة عقب اغتيال السادات.

واشتدت الحرب الأهلية في لبنان وبلغت ذروتها، واحتدم الصراع في السودان بين الجنوب والشمال، بالإضافة إلى الحرب العالمية الباردة التي تقودها الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفيتي.

مما دفع العديد من الساسة إلى الاتجاه نحو العمل الحقوقي هرباً من قيود وأغلال تبعياتها، بل وانشغلت الحركات الحقوقية بهموم السياسة وحملت على عاتقها الصراعات المريرة الدائرة، دون النظر إلى الهدف الأسمى الذي أطلقت من أجله.

ويتضح مما سبق أن ميلاد الحركة الحقوقية في مصر كان لخدمة أجندات غربية وتنفيذا لخطط استراتيجية أمريكية، ونشأت بنكهة سياسية حاملةً معها أمراض السياسة بكل مظاهرها، من الشللية والتخوين والتآمر وحب الظهور وتغليب المصلحة الشخصية على المصلحة العامة.

كما أسس حركات حقوق الإنسان فصيلان مختلفان تماماً في الأفكار والمعتقدات، مما يُنذر بالكثير من الصراعات والصدامات بين الناصريين واليساريين.

وهذا ما سنوضحه فى حلقاتنا القادمة من هذه الدراسة، مع استعراض المرحلة الثانية لحركات حقوق الإنسان في مصر، والذي بدأ تزامناً مع حرب الخليج عام 1990، واحتدام الصراع بين اليساريين والناصريين وهرولة الجميع نحو الحصول على التمويلات الأجنبية.

SHARE

اترك تعليق