سمير فرج

قائد عظيم من رجال العسكرية المصرية … تولى منصبه، كوزير للدفاع، وقائد عام للقوات المسلحة، في أحلك لحظات تاريخ مصر المعاصر؛ فالجيش المصري قد مُني، لتوه، بهزيمة كبيرة على أرض سيناء، دون أن يتمكن من إطلاق رصاصة واحدة على عدوه، فتمكنت قوات العدو الإسرائيلي من احتلال شبه جزيرة سيناء، ورفعت أعلامها على الضفة الشرقية للقناة. وتبعثرت فلول القوات المنسحبة من سيناء، بعدما فقدت سلاحها، وعتادها، فوق رمال سيناء، بدون خطة دفاعية لصد أي تقدم إسرائيلي في اتجاه القاهرة.

كان هناك مشكلتان، أساسيتان، تؤرقان مضجع الفريق فوزي؛ أولاهما انخفاض الروح المعنوية للقادة والضباط والجنود، بما في ذلك القوات المصرية العائدة من قتالها في اليمن، بعد سنوات من الحرب في مناطق جبلية، فقدت خلالها كل فنون القتال الحديثة. أما ثاني المشاكل التي واجهته، فكان فقد الانضباط العسكري، الذي هو عصب أي جيش حول العالم.

ولفهم شخصية الفريق أول محمد فوزي، يجب أن تتعرف على بعض تفاصيل حياته، فقد نشأ هذا القائد الجديد في أسرة عسكرية، إذ كان والده أحد كبار قادة الجيش، ومديراً لإدارة المدفعية، وكان جده ياور لخديوي مصر. فور تخرج الفريق فوزي، في الكلية الحربية، شارك في حرب فلسطين، قائداً للمدفعية المضادة للطائرات، وأصيب في غزة عام 1949. تدرج في المناصب حتى أصبح مدرساً في الكلية الحربية، وهو برتبة بكباش (مقدم أركان حرب)، وعمل بها لفترة طويلة، حتى صار كبير معلمي الكلية، ثم مديراً للكلية الحربية المصرية. بعدها عُين رئيساً لأركان حرب القوات المسلحة، حتى عينه الرئيس عبد الناصر قائداً عاماً للجيش، ووزيراً للدفاع.

أمتلك الفريق فوزي كل ما يؤهله لذلك المنصب الرفيع، في تلك الظروف الخاصة التي تمر بها الأمة، سواء القوة، والدقة، والحسم، والصرامة، والانضباط، والذكاء، وبُعد النظر، مع التخطيط الدقيق لكافة الأمور، الصغيرة منها والكبيرة. فما أن تولى مهام منصبه الجديد، بدأ، على الفور، في إعداد الخطط الدفاعية للقوات غرب قناة السويس، بالتزامن مع استكمال تجهيز القوات، فنياً، بالأسلحة والمعدات، ونفسياً، لإعادة الانضباط، والثقة بالنفس، لأفراد القوات المسلحة. كما شرع في إعداد، وتنفيذ، خطط تدريب مفصلة لجميع عناصر ووحدات الجيش، على أعلى مستوى، وساعده على تنفيذ تلك الخطط، وجود الجنرال الذهبي، الفريق عبد المنعم رياض، الذي كان، حينها، رئيساً للأركان، فكان، الفريق رياض، يمر على الخطوط الدفاعية، يومياً، للوقوف على حالتها ومستواها.

أعقب ذلك ضرورة تدريب القوات على عمليات عبور قناة السويس، فكانت تتم في منطقة البعالوة، في دلتا نهر النيل، وأتذكر جيداً، أننا في أحد التدريبات، قمنا بعبور نهر النيل، مع أول ضوء، طبقاً للخطة الموضوعة، وكان التدريب يوافق صباح يوم العيد، وكنت أحمل راديو صغير في جيبي، لأسمع تكبيرات العيد، بينما أنادي على جنودي “اهجم للأمام”، وهو ما صادف مرور الفريق أول فوزي، يصاحبه قائد الكتيبة، بينما نحن في مرحلة التدريب على صد الهجوم المعادي، فقال لنا الفريق أول فوزي “أنا عارف إنكوا بتتدربوا يوم العيد، بس أنا واثق من يقينكوا بأن العيد الكبير هو يوم النصر”.

تعددت لقاءاتي بالفريق أول محمد فوزي، بصفته مديراً للكلية الحربية، وأنا طالب بها، ثم بعدما صار وزيراً للدفاع، وأنا ضابط صغير، ولكن يبقى لقاءً لا تغيب ذكراه عني، بعدما توليت إدارة الشئون المعنوية، إذ أنا جالس بمكتبي، والهاتف المباشر يدق، فالتقطته، لأسمع على الجهة الأخرى صوت الفريق أول محمد فوزي يقول “أنت مدير التوجيه المعنوي … يا بني محدش بيسأل عني ليه … نسيتوني؟” … نزلت كلماته عليّ كالصاعقة، وطلبت منه السماح بزيارته فوراً. ما هي إلا دقائق، وكنت قد وصلت إلى منزله، بحي مصر الجديدة، لأرى من كنا نرتجف أمام شموخه، وهيبته، وقد أنهكته السنون، وحفر الزمن بصماته على جبينه.

لم يسعني سوى أن أعتذر له بالأصالة عن نفسي، وبالنيابة عن جميع أفراد القوات المسلحة، عن ذلك السهو الغير مقصود، في حق من أعاد تنظيم القوات المسلحة المصرية، وأعاد الانضباط لها، وأعاد تسليح قواتها، وتنظيم تدريباتها لاقتحام الموانع المائية، ومن وضع أول خطة للعبور، واقتحام خط بارليف، سميت باسم “المآذن العالية”.

عندما علم الرئيس الأسبق حسني مبارك بما حدث، أمر بدعوة الفريق أول محمد فوزي، لاحتفال تخريج الكلية الحربية، وحضر الاحتفال، بالفعل، ورأى كل أبنائه، وتلامذته، من خريجي الكلية، وقد صاروا قادة القوات المسلحة المصرية. وبعد انتهاء مراسم الاحتفال، اجتمع به الرئيس الأسبق مبارك، وحضر اللقاء كبار القادة العسكريين، في جلسة ودية، فاضت خلالها الذكريات المشتركة، عن قيادة اللواء محمد حسني مبارك للقوات الجوية المصرية، تحت رئاسة وزير الدفاع، الفريق أول محمد فوزي.

استعد الفريق أول محمد فوزي للمغادرة، فوجد جميع قادة القوات المسلحة، قد اصطفوا بالبهو، يؤدون له التحية العسكرية، ويذكرونه بأسمائهم، فأحسست بأنه يسترجع ذكريات غالية مرت عليه في ذلك المكان، وشهدت عليها جدرانه، ونظرت إلى وجهه، وهو يستقل سيارته، وأقسم بالله، بأنني رأيت شخص آخر، غير ذلك الذي التقيته منذ أسابيع في منزله … لقد عاد به الزمن، وصغر سنه في تلك الساعات الثلاث التي قضاها في الاحتفال، حتى أنه قال لي، نصاً، “أنا حياتي رجعت لي النهاردة” … ومال بعدها على أذن المشير طنطاوي، وقال له، “أنا يا حسين كنت بسيبك تلبس البدلة المميزة، وأنت مدرس في الكلية، عشان الطلبة … أت كنت مدرس متميز”.

بعد شهور من ذلك اللقاء، داهمه المرض، وكنت دائماً على اتصال به، حتى فارق الحياة، فكان ذلك اليوم، واحدً من أتعس أيام حياتي، ليس فقط لأنه رجل بذل حياته من أجل عزة مصر، وكرامتها، وقدم الكثير لقواتها المسلحة، في أحلك لحظات عاشتها بعد هزيمة 67، ولكن لما عرفته منه، وتعلمته على يديه، حتى آخر يوم في عمره … لن ينسى التاريخ هذا القائد، وغيره من العظماء، ممن حافظوا على مصر، وأعادوا لها مجدها.

Email: [email protected]

SHARE

اترك تعليق