عاطف عبد الغنى
قبل ظهر الخميس 10 يناير، لفت نظرى – مثل كل المارين – إجراءات التأمين غير العادية لشارع الكورنيش فى المسافة الواقعة ما بين ميدان عبد المنعم رياض ومبنى وزارة الخارجية.. بالتأكيد هناك زائر مهم، وغالبًا ضيف أجنبى لوزارة الخارجية، هذا استنتاج منطقى، لكن: من هو هذا الضيف المهم؟!.. الذين لاحظوا المشهد سألوا.
(1)
.. بُحكم عملى الصحفى كنت أعرف أن الضيف هو «مايك بومبيو» وزير الخارجية الأمريكى، الذى يزور مصر قادمًا من العراق، وقد أفرد الموقع الإلكترونى الإخبارى العربى لهيئة الإذاعة البريطانية «بى بى سى» فى وقت مبكر من صباح الخميس خبرًا رئيسيًا عن زيارته المرتقبة لمصر جاء فيه: (بومبيو فى جولة «لطمأنة» حلفاء واشنطن فى الشرق الأوسط).
أما الموقع الإلكترونى النظير «سى إن إن CNN» أحد فروع الشبكة الأمريكية الهائلة والأكثر انتشارا وتأثيرا حول العالم، فلم يمنح خبر الزيارة الأهمية التى يستحقها، والذى طالع الموقع فى هذا التوقيت لاحظ اهتمامه المبالغ فيه بأخبار أخرى أبرزها متابعاته لقصة مقتل «جمال خاشقجى»، أو اهتمام الموقع بما دار فى زيارة «بومبيو» للعراق الذى غادره قبل يوم من زيارته لمصر، وأنا وأنت لا نحتاج لكثير من الجهد لكى نفهم أن اختيار الأخبار وترتيب عرضها على موقع «سى إن إن» يعكس توجهات القائمين – ليس فقط على الموقع ولكن – على الشبكة العالمية التى يتبعها، وأصحاب الشبكة بدورهم يدورون فى فلك نخبة أوسع، تربطهم بها مصالح عميقة، لذلك ينفذون أجندتها غير المعلنة تجاه الشرق الأوسط، وما يخططون لتوجيه المنطقة إليه، وما يهمنا فى الآتى هو ما يخص مصر فى هذا المخطط «الاستراتيجى» الذى توجهه مؤسسات النخبة الأمريكية الآن.
(2)
من مؤسسات النخبة (تضم نخبة من السياسيين والاقتصاديين والفنانين والإعلاميين) التى تلعب دورا خطيرا فى توجيه السياسات الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، ما يسمى: «مجلس العلاقات الخارجية»، وهذا الأخير لا يملك أو يوجه فقط بعض وسائل الإعلام الرئيسية والمؤثرة فى أمريكا، ولكن أيضا يرسم سياسات، ويضع مخططات استراتيجية، تتحكم فى مخرجات الإدارة الأمريكية من قرارات، وبذلك فهو يوجه تقريبا مع مؤسسات تفكير وضغط (لوبى) أخرى الكونجرس، وقرارات البيت الأبيض، و (وزارة الخارجية) والبنتاجون (وزارة الدفاع)، وباقى الوزارات ( اسمها الصحيح إدارات) وكل ما يتماس عمله مع سياسة أمريكا الخارجية، ومنها بالطبع ما يؤثر علينا فى مصر، وفى المنطقة العربية، وفى الشرق الأوسط كله، وبالطبع باقى العالم.
وفيما يخص الدائرة ذات التأثير الأكبر علينا (مصر)، يجب أن نفهم أن معظم مؤسسات النخبة فى أمريكا تعمل منذ سنوات ليست قريبة (منذ أن سيطر عليها الفكر الصهيونى) على وضع مصر تحت وطأة ضغط دائم من خلال عدد من القضايا والملفات، منها ملف حقوق الإنسان، ويتم الخلط فيه عن عمد وسوء قصد بملف مكافحة مصر للإرهاب والإرهابيين.
وكمثال على ما سبق فقد نشر موقع «مجلس الشئون الخارجية» منذ أسابيع قليلة تقريرًا يصور الأوضاع فى مصر على أنها غير آمنة، ومرشحة لتفجر العنف أو الفوضى، بل وأكثر من هذا فقد شبه الأحوال فى مصر بما يحدث فى أفغانستان (!!)   لا لشىء إلا لكى يستقر فى ذهن متلقى التقرير من النخبة أو الأفراد العاديين فى الغرب، هذا الأمر، تمهيدا لاستخدامه وقت اللزوم كأداة ضغط على الرئيس أو الحكومة، وفى ذات الوقت مساندة الإخوان لارتباطهم بمصالح مع مثل هذه المؤسسات، أو حرص هذه المؤسسات على حفظ علاقاتها القائمة منذ مدة مع الإخوان لاستغلال الجماعة ضد مصر فى الوقت الذى تحتاج فيه لذلك والعمل كله موجه فى النهاية لصالح إسرائيل.
 (3)
وما أريد التنبيه عليه هنا مجددا هو، أن هناك فرقًا كبيرًا بين الاستراتيجيات والعمل التكتيكى، الأولى موجهة للأهداف طويلة المدى للدولة أو المؤسسة التى تتبعها، والأخيرة تعنى التحركات قصيرة الأجل – لتحقيق هذه الأهداف الاستيراتيجية.
وفى أمريكا مؤسسات النخبة ترسم السياسات والرئيس الأمريكى وإدارته يحولان هذه السياسات إلى ملفات عمل يجتهد الجميع فى تنفيذها، وهذه المؤسسات التى نعنيها يسيطر عليها الآن دراويش الفكر الصهيونى، وأتباع الأصولية الإنجيلية، (وارثو اليمين الجديد) وقد قررت هذه المؤسسات الآن إنهاء القضية الفلسطينية بما يناسب مصلحة إسرائيل وما يحلم به الكيان الصهيونى، والإدارة الأمريكية تحول هذا إلى خطط تكتيكية، وتتلقى من مراكز الأبحاث «الثنك تانكس» خطط ومشروعات عملية، تترجم هذا الهدف الاستيراتيجى، هذه المشروعات مثل «مشروع الشرق الأوسط الكبير» من قبل، و«صفقة القرن» الحالية.. إلخ، والإدارة الأمريكية تنفذ ما هو مطلوب منها بأكثر من أسلوب ومنها الدبلوماسية الرسمية، أو غير الرسمية، أو استخدام قوة الإذعان، أو حتى القوة العسكرية إذا لزم الأمر.
قرارات إذعان مثل نقل سفارة أمريكا إلى القدس، والدبلوماسية مثل محاولات إقناع الأطراف المعنية بشكل مباشر، أو غير مباشر بمخرجات مشروع صفقة القرن، وتنفيذ الأمر هنا يتطلب جهدًا، ومباحثات، وزيارات لمسئولين أمريكيين للمنطقة، وضغوطات تمارس على الحكام والأنظمة، إلى آخره، ويحدث هذا فى نفس الوقت الذى تعمل فيه مؤسسات النخبة الأمريكية (مجلس الشئون الخارجية مثالا) على وضع دول المنطقة تحت ضغوط قضايا فرعية، مثلما يفعلون فى قضية مقتل خاشقجى، للسعودية، وتبنى ادعاءات الإخوان المسلمين بالنسبة لمصر، كما أسلفنا.
(4)
وكمثال قريب وحاضر فى توظيف مؤسسات النخبة للإعلام، انظر كيف تاجر موقع «سى إن إن» العربى بحوار الرئيس السيسى المذاع حديثا على قناة «سى بى إس» لتكشف شبكة «سى إن إن» مجددًا عن نواياها السيئة نحو مصر والرئيس، ولم تخجل تقارير الموقع الإلكترونى – وهى تعلم أن مصريين سوف يقرأون تقاريره – إلى الإشارة بلجوء المحطة التى أجرت الحوار مع الرئيس لقياديين إخوانيين وحشرهما فى مداخلات متصورة أنها يمكن أن تحرج الرئيس!!.
وعلى الرغم من فشل تقارير «سى إن إن» فى قلب حقيقة أن الحوار فشل فى النيل من صورة الرئيس السيسى والدولة المصرية، وأن العكس هو الصحيح، فالخلاصة أن فيلمًا هنديًا تم صنعه حول الحوار، لتجميل الفشل، ويعنى أن «سى إن إن» وغيرها من أذرع إعلام مؤسسات النخبة الصهيونية فى أمريكا، سوف تواصل عملها المغرض ضد مصر.
SHARE

اترك تعليق