د. ناجح إبراهيم
بوقارة ودقة كلماته وحكمته تحدث الإمام د/أحمد الطيب:- “الإسلام ودولته ضامنة شرعاً لكنائس  المسيحيين وهذا حكم شرعي,وإذا كان الشرع يكلف المسلمين بحماية المساجد فإنه وبالقدر ذاته يكلفهم بحماية الكنائس,وهذا ليس مجاملة لأحد ولكنه حكم شرعي قائم علي آية محكمة من كتاب الله نحفظها جميعاً,وإن كان معناها يخفي أحيانا علي البعض وهي قوله تعالي” وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا”وهذه الآية تكلف وتأذن للمسلمين بالقتال دفاعاً عن دور العبادة لليهود والمسلمين والمسيحيين معاً”. وأردف فضيلته محذراً من استدعاء فتاوى قيلت في زمن معين وظروف خاصة تقول:أنه لا يجوز في الإسلام بناء الكنائس”فهذا ليس من العلم ولا الحق في شيء وهذا خطأ شديد واسألوا التاريخ ينبئكم أن معظم كنائس مصر بني في عهد المسلمين”. وقال فضيلته “نحن أمام حدث استثنائي لم يحدث من قبل علي مدى تاريخ الإسلام والمسيحية,فبناء أكبر مسجد وكنيسة في الشرق الأوسط في العاصمة الإدارية المصرية يمثلان أكبر صرحين للعبادة في مصر,وهذا يجعل مصر تفخر بهذا الإنجاز الرائع,وبكونها النموذج الأمثل في التآخي بين الأديان بخاصة الإسلام والمسيحية”. هذه الكلمات الرائعة القوية من الإمام الطيب تدل علي عمق فكره ودقة فهمه للإسلام الذي أباح التعددية الدينية خاصة لأصحاب الرسالات الثلاث الكبرى,ومن المنطقي أن يكون لأصحابها أماكن يمارسون فيها عقائدهم وعباداتهم حتى لو اختلفت عن عقائد وعبادات المسلمين . فقد جاء الصحابة إلي مصر وغيرها من البلاد المجاورة فلم يهدموا كنيسة أو يكسروا صليباً أو يضطهدوا راهباً أو قسيساً,بل إن عمر بن الخطاب رمز العدل السياسي والاجتماعي رفض أن يصلي في كنيسة القدس حتى لا يتخذها المسلمون بعده مسجداً,وهذا من فرط عدله وعبقريته,وكأنه يخاطب الدنيا كلها “وجود الكنائس دليل علي عدل الإسلام ورحمته أما محق وسحق الآخر فهو أقوى دليل علي الاستبداد والظلم” .  أما عمرو بن العاص بعبقريته السياسية وحكمته الدينية فقط أنصف أقباط مصر ورد لهم جميل النجاشي وفضله الذي رآه بعينه وحضره بنفسه,وأعاد الأنبا بنيامين إلي كرسيه البابوى كأعلى رمز للكنيسة المصرية وقتها,وكان بنيامين مطارداً من الروم بعد أن عذبوا ومثلوا بشقيقه وأسرته وساموهم سوء العذاب. ويحمل بناء مسجد الفتاح العليم كأكبر وأضخم مسجد في مصر إلي جوار كاتدرائية ميلاد المسيح من المعاني والرمزية أكثر بكثير من كونهما مجرد بنائين معماريين رائعين. وصدق الليث بن سعد حينما قال”إن الكنائس في مصر جزءً من عمران الإسلام “وأضيف إلي قوله أنها تمثل برهاناً علي حضارة الإسلام وسماحته,أما الذين يحرقونها أو يفجرونها فهؤلاء قد حرقوا وفجروا المساجد من قبل,وقتلوا في مسجد الروضة أكثر مما قتلوا من المسيحيين في الكناس,وهؤلاء الذين فجروا أو حرقوا الكنائس فعلوا ذلك لإغاظة الدولة وتدميرها وهم خصوم للمسجد والكنيسة والدولة. لقد كان البابا تواضروس حكيماً حينما حرقت له 63 كنيسة في يوم واحد فلم تستفزه دعاوى الانتقام ورغبات الثأر أو نوبات الغضب فقال”وطن بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن”فلما وقف موقف الحكمة حقق كل المصالح للكنيسة ولأبنائه. ولو أن الحركة الإسلامية تعلمت هذا المنطق في أيامها الصعبة وأطلقت دعاوى العفو والصفح والصلح ما وصلت إلي ما وصلت إليه من طريق مسدود في نفق مظلم. لقد صبر الرجل علي حرق 63 كنيسة فكسب في المقابل مكاسب كبيرة منها تجديد الدولة لهذه الكنائس والتصريح بأكثر من 500 كنيسة في سابقة فريدة في تاريخ مصر,ومنها الحريات الواسعة التي تتمتع بها الكنيسة الآن . وذلك في مقابل ما وصل إليه الإسلاميون من ضياع كل شيء لأنهم نسوا تجربة المبادرة النادرة والتي تتلخص في أن تقدم الوردة أمام الشوكة, وتعلي منطق الصلح علي منطق البندقية,وترفع شعار العفو والصفح علي شعارات الانتقام والثأر,فحتى لو ظلمت لا تظلم ولا تفجر,وحتى لو بخس حقك لا تخرج علي الدولة أو تنشأ تنظيماً مسلحاً. لقد هزم ابن حنبل خليفتين بالصبر والحلم والحكمة,ومالم يتحل الإسلاميون بالحكمة والصبر والعفو والرحمة فسوف يضيع منهم كل شيء . لا بأس أن يتعلم الإسلاميون من البابا تواضروس ,فالحكمة ضالة المؤمن إن وجدها فهو أحق الناس بها,وتتعلم الأوقاف من الكنيسة كيف تدير نشاطاتها الثقافية والدينية والاجتماعية والإنسانية في المسجد مثل الكنيسة,وأن يتحول المسجد وهو في حوزة الأوقاف إلي مؤسسة شاملة مثل الكنيسة,وأن يؤدي الأئمة مهمتهم كرسالة وليس وظيفة مثل القسس الذين تخرج أكثرهم من الطب والهندسة والصيدلة وبعضهم حاصل علي الدكتوراه,ليستطيعوا مواكبة عصرهم ومخاطبة الشباب خطاباً عصرياً. وأن يكون إمام المسجد له مرتب يكفيه مثل القسيس,فلا يحتاج أن يعمل”كأمن في عمارة”ويبتذل فيها لأن مرتبه لا يكفيه بضعة أيام,أو يعمل في الأرض فلا يتابع أي جديد ولا يقرأ أي صحيفة. إنني أحزن حينما أري فقر أئمة الأوقاف وضعف مرتباتهم,وإذا ظل مرتب الإمام في المسجد مزرياً بهذه الطريقة فلن يكون هناك تجديد علي الإطلاق. والغريب أن أوقاف المساجد تساوى مئات المليارات تنفق في كل شيء سوى الاهتمام بالإمام والمساجد,ووزارة الأوقاف تهب شققها في كل العصور للمحاسيب وذوي النفوذ وآخر من تعطيهم الأئمة والوعاظ الذين هم في أمس الحاجة إليها. ولك أن تقارن حياة الإمام ومرتبه بغيره لتدرك أنه لن يستطيع أن يؤدى رسالة,ولكن مجرد”وظيفة”روتينية يحتاج إلي غيرها ليعيش مستوراً فقط. ولو أن أوقاف المساجد والأزهر أصبحت ملكاً خالصاً لهما تحت رقابة الدولة والجهاز المركزى للمحاسبات لتغير الوضع إلي الأفضل. مبروك لمصر هذه اللحظة التاريخية في تدشين مسجد الفتاح العليم وكنيسة يوم الميلاد فهي لا تقل روعة عن روعة تصميم وبناء المسجد والكنيسة.

اترك تعليق