عاطف عبد الغنى
 دائمًا هناك قصة، وقصتنا لها بداية، لكن ليس لها نهاية.. لأن فصولها متجددة منذ انقسم العالم إلى شرق وغرب، وانطلق الصراع بينهما إلى أن دخل عنصر شيطانى ثالث استفاد من هذا الصراع ليبنى عليه مملكته.
فى الحلقتين الماضيتين تحدثنا عن عملية تفكيك الاتحاد السوفيتى الذى تم الإعلان الرسمى عنه في 26 ديسمبر 1991 ومعه انتهى عمل مؤسسات المجتمع المدنى الأمريكية و«الثنك تانكس» التى تولت هذه المهمة، وتحولت تبحث عن مهام جديدة، فحصلت عليها فى الشرق الأوسط، واستغرقت هذه المؤسسات السنوات العشر الأخيرة من القرن العشرين فى اختراق المنطقة العربية ومحاولات الدفع للاعتراف بإسرائيل كدولة طبيعية فى نسيج الشرق الأوسط.
                                                                    (1)          
وأسفرت مباحثات مؤتمر مدريد للسلام عن إطلاق 3 مسارات للمفاوضات (العرب وإسرائيل طرفان أساسيان فيها) مفاوضات ثنائية بين إسرائيل ومنظمة فتح ورئيسها – ياسر عرفات- باعتبارها سلطة ممثلة للشعب الفلسطينى، والمسار الثانى مفاوضات متعددة الأطراف شملت تقريبًا كل الدول العربية حتى التى كانت ممانعة من قبل (ماعدا سوريا)، وشملت هذه المفاوضات التى رعتها أمريكا، وروسيا، والاتحاد الأوروبى 5 ملفات.
أما المسار الثالث للمفاوضات فكان (سرى)، وأطلق عليه: «المفاوضات الموازية»، وسماه العارفون ببواطن الأمور «مفاوضات السيادة على الشرق الأوسط»، حيث سمحت هذه المفاوضات ليس فقط بالتجسس على الدول العربية، ودفع الأنظمة لمزيد من التطبيع مع إسرائيل، واستقطاب رجال الأعمال فى المنطقة لاستخدامهم فيما بعد للعب دور فى هدم الدول وخلق ما يسمى بالفوضى الخلاقة، وسمحت أيضا، بخلق توجهات جديدة للإعلام غير الرسمى، الذى فرضت وجوده، من خلال رجال أعمال عرب تم استقطابهم وتنمية ثرواتهم بالعمل مع الخارج، لتخصيص جزء من أرباحهم لإطلاق ودعم هذا النوع من الإعلام المحرض ضد الدول الوطنية، والأنظمة الحاكمة، ونشر قيم وتغيير مفاهييم الشعوب.
ومن خلال منظمة «البحث عن أرضية مشتركة» تم إطلاق «مبادرة السلام والتعاون» التى مثل الغرب فيها فريق عمل ذو خلفية مخابراتية وعسكرية، وتولت هذه المبادرة تنفيذ أجندة المفاوضات الموازية، وهدفها المعلن تنمية المنطقة من خلال التعاون بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المدنى لنشر ما أسمته ثقافة الديموقراطية وحقوق الإنسان، وفى الحقيقة السعى للتطبيع، ونبذ قيم مقاومة ورفض إسرائيل فى المنطقة.
                                                                       (2)
عام 2000 دخل جورج بوش الابن البيت الأبيض عبر انتخابات مشكوك فى نتائجها وضعت أمريكا حامي حمى الديمقراطية على كوكب الأرض على المحك ؟! لكن كان هناك بالتأكيد من يريد أن يصل شخص «منخفض الذكاء» إلى الحُكم، فكان بوش الابن الذى حملت سيرته كثيرًا من التقلبات النفسية والاجتماعية، وإيمانه العميق بعقيدة الأصولية الإنجيلية، وسهولة قيادته، وأظهرت الحوادث أن هذا الرئيس خاضع تمامًا لفكر تيار «المحافظين الجدد» الذى يؤمن باستخدام القوة الغاشمة لفرض هيمنة الإمبراطورية الأمريكية على العالم، ويؤمن كذلك بأهمية إسرائيل الكبرى، ومن صقور هذا التيار اختار بوش رجال إدارته ومعاونية،
وبعد شهور قليلة من وصوله للحُكم وقعت المأساة التراجيدية المنتظرة لتحريك آلة الحرب، وتمثل هذا الحدث فى تفجيرات 11 سبتمبر 2001 الأسطورية. وعلى أثر الضربة انتفض جسد الديناصور الأمريكى لينقض على الشرق الأوسط التى قيل إن الإرهابيين الذين نفذوا تفجيرات 11/9 خرجوا منها، وبالتحديد من تنظيم القاعدة، هذا التنظيم الذى صنعته أمريكا من قبل لحرب السوفيت فى أفغانستان، ولكم أن تتخيلوا كيف تدار السيناريوهات العجيبة لتحريك الأحداث.!! وغزت القوات الأمريكية أفغانستان ودمرتها، وتلتها بالعراق،
وأسقطت نظام صدام، ولم تعبأ الإدارة الأمريكية بمعارضة الرأى العام داخل أمريكا، ولا نداءات الإنسانية لفرملة آلة الحرب الجهنمية التى راحت تحصد أرواح مئات الآلاف فى العراق وأفغانستان، وتلوث الهواء والماء، وتسممت أجساد الأحياء باليورانيوم المنضب، وتم نهب ثروات العراق وتحطيم بنيته، وتأجيج الطائفية بين أهله، كل هذا الخراب لأجل أن تجنى كارتلات السلاح الأمريكية المدعومة بالسياسيين مكاسب بمليارات الدولارات.. وهذه هى حقيقة قيم الديموقراطية الأمريكية.

                                                               (3)

 وذهب بوش وجاء أوباما وكونداليزا رايس ومن بعدها هيلارى كلينتون ليتواصل العمل، ومن لم يسقط بالرصاص فى الشرق الأوسط، فليسقط من داخله، هذا عمل آخر كانت الخارجية الأمريكية ووكالة الاستخبارات الأمريكية ترعاه فى نفس الوقت الذى تحارب فيه مرتزقة الجيش الأمريكى وعصاباته مثل «البلاك ووتر» وغيرها.
كان العمل يجرى فى دول أخرى عن طريق الدبلوماسية الشعبية، وتنفيذ اتفاقات المفاوضات الموازية واستقطاب كوادر من رجال الأعمال والمجتمع المدنى تتولى تمرير أجندات التغيير داخل الدول العربية نحو قيم العولمة أو الأمركة النيوليبرالية. عام 2005 أعلن أغبى رئيس أمريكى (حسب قياسات الذكاء الأمريكية نفسها) ما أطلق عليه «أجندة الحرية» وبدأت التمويلات تنهال على النشطاء العرب، وراحوا يقبضوا بالدولار واليورو، وحتى الين اليابانى، من خلال عدة مؤسسات أشهرها الوكالة الأمريكية للتنمية (USAID)، والصندوق الوطنى للديمقراطية (NED)، والمعهدان التابعان للحزبين الرئيسيين فى أمريكا (الجمهورى والديمقراطى)، وزيادة فى الجرأة افتتح المعهدان بشكل غير رسمى فروعًا لهما، فى مصر، وفى الأردن، وتوليا تدريب الشباب المصرى والعربى وتأهيله للعب دور خطير فى الأحداث القادمة، الخاص منها بالأنظمة، أو الشعوب، ونشر قيم التغيير، فيما كان يجهز أمثال البرادعى والمنصف المرزوقى ليلعبوا الدور الذى سبقهم فيه أحمد جلبى عراّب الخراب فى العراق.
                                                                                 (4)
 وتولت «كابلات ويكيلكس» فضح خفايا اتصالات نشطاء الربيع العربى وكشف الاتصالات مع السفارات الأمريكية وما شهدناه من أحداث قبل 25 يناير 2011 ، ولم نستطيع تفسيره ، وفيما بعد نشرت صحيفة الواشنطن بوست أن مايقرب من 10 آلاف مصرى شاركوا فى تدريبات مؤسستى التمويل «يو إس إيد» و « نيد» وتم تأهيل هؤلاء الشباب لاستخدام  وسائل التواصل والإعلام الاجتماعى ، وتقنيات التغيير اللاعنفى التى وضعها البروفسير ( جين شارب).
وفتحت السفارة الأمريكية، أبوابها وحضنها لبعض هؤلاء النشطاء، ونظمت لهم الخارجية الأمريكية الرحلات، والتقتهم هيلارى كلينتون بنفسها، وقيادات أخرى، ونزلوا فى أفخم الفنادق فى الخارج، وخضعوا لبرامج تدريب وتأهيل للثورة القادمة فى صربيا، وفى القاهرة. كشفت أيضًا الحوادث عن الدور الذى لعبه تحالف وسائل الإعلام «تويتير وفيسبوك وجوجل» فى ثورات الربيع العربى ومنها الثورة المصرية، واكتملت دائرة المؤامرة ولم يعد هناك شك فى استهدافها الدولة الوطنية المصرية لتفكيكها، وليس فقط إسقاط مبارك، وتم استخدام الحركات الإسلامية بامتياز كخطوة لتنفيذ مخطط زرع بذور الانقسام والفتنة فى الداخل المصرى، وتصور الإسلامويين، وعلى رأسهم الإخوان أنها فرصتهم للوصول إلى الحكم وتحقيق الهدف الذى يصارعون من أجله لعشرات السنين، بدعوى إقامة دولة (الخلافة) ولم يستوعبوا أنهم مجرد أداة ضمن أدوات الغرب الصهيونى للإجهاز على الدول الوطنية، وتقطيع جسدها إلى «كانتونات» وإمارات حتى لا يبقى كيان أكبر من إسرائيل التى تسعى لقيادة العرب والمنطقة فى بعثها الجديد.

اترك تعليق