عاطف عبد الغنى

هم بمثابة رقباء، ومدار عملهم مؤسسات وجهات الدولة الرقابية، تلك المؤسسات أو المصالح التى يستطيع فيها موظف «غلبان» أن يمنحك تأشيرة قد تستهين بها لكنها تكون بالنسبة لآخرين بمثابة كلمة السر التى تفتح مغارة كنوز «على بابا» ليأخذ منها الفاسدون والمغامرون، ولن يكون هذا بالطبع إلا خصمًا من حق الدولة وبيعًا بالرخيص لهذه الحقوق لصالح من لا يستحقها ليربح من وراء هذه الجريمة ويكدس الثروات الحرام.

(1)

أعتقد أن المقدمة السابقة لابد سوف تقود الذهن إلى استدعاء المثال الأبرز لهذا النموذج وهو المحليات والقائمون عليها (ليس كلهم بالطبع) الذين مثلوا أبرز ظاهرة للفساد والإفساد خلال نصف القرن الأخير فى مصر، وساهموا ليس فقط فى تشويه العمارة والبنيان فى مصر ولكن أيضا فى تشويه الضمائر، حتى باتت المخالفات فى أعمال الإنشاءات والمبانى، هى القاعدة والانضباط والالتزام هو الاستثناء.

وعلى مثال المحليات هناك أيضًا مصالح حكومية ليست فى شهرتها (فى الفساد) لكنها قد لا تقل عنها خطورة فى تسهيل الفساد وتضييع حقوق الدولة التى هى حقوق الشعب، وهناك جهة أقصدها فى هذا المقال تتبع وزارة التجارة والصناعة وتحمل فى مسماها صفة عملها وهو الرقابة.

وقد زارنى من هذه المصلحة فى مكتبى خلال الأسبوع الماضى موظف يسبق اسمه حرف الميم (مهندس أ.ف) ودرجته الوظيفية ترتقى به إلى الوظائف القيادية فى المصلحة المعنية، ولم يجلس الأخير أمامى كثيرًا حتى أنبرى بحماس لعرض قضيته وملخصها فضح الفاسدين فى المصلحة التى ينتمى إليها.. ما دوافعه لهذا؟ .. رأيت من السذاجة أن أسأله، لأن دوافعه بالطبع سوف يتداخل فيها الشخصى بالعام، ومع افتراض أنه شخص ذو ضمير يقظ يؤلمه أن يرى جرائم نهب المال العام تقع أمام ناظريه ولا يتصدى لها ولو ببلاغ، فهناك أيضا – بالتأكيد – ضرر وقع عليه وقد حكى لى فى ثنايا كلامه بعض وقائع هذا الضرر، وفى مثل حالته تلك تتحول المسألة إلى معركة بين طرفين، يحرص فيها كل طرف على إيقاع الضرر بالطرف الآخر بكل الطرق الممكنة.

وهنا – وحتى لا يفاجئ صاحب الشكوى بالكلام السابق – يقتضى عملى الصحفى، أن أتحرى الأمر، واتحسب أن أظلم أحدًا وألا أستمع فقط إلى طرف واحد فى المسألة المعروضة، هذا ما اكتسبته من خبرتى، وهذا مبدأ من المبادئ الراسخة للقضاء العادل التى تضمن حقوق العباد التى أقرها الله سبحانه وتعالى.

(2)

وما سبق لا يمنع من عرض ما وصلنى مع حجب أسماء وصفات الأشخاص المتهمين بالفساد ما أمكن، مع الإشارة إلى أن هناك مذكرة قدمها إلىّ المهندس الذى زارنى فى مكتبى، وكانت هذه المذكرة بالأساس بلاغا موجهًا لسعادة المستشار عادل السعيد مساعد وزير العدل لشئون الكسب غير المشروع، وإذا تفضل مكتبه واتصل بى بعد نشر هذه السطور سوف أرسلها له، مرفق بها ما وصلنى من أوراق وصور المستندات أدلة اتهام الشاكى، وهى مستندات تحتاج لفحص فنى للوقائع التى تحويها وكذا تحريات، وتتبع للتثبت إن كانت بالفعل تمثل جرائم نهب للمال العام من عدمه، ودعونى أعط لكم مثالا على ما أقول مما بحوزتى من أوراق.

(3)

ضمن عمل هذه المصلحة – منح المستورد – شهادة تفيد بأن المنتج الذى استورده يدخل فى بند «مستلزمات إنتاج»، أو هو سلعة كاملة الإنتاج، ومجرد تغيير وصف المنتج المستورد فى الشهادة من سلعة كاملة الإنتاج إلى مستلزمات إنتاج (منتج وسيط للصناعة) يخفض الجمارك على هذا المنتج بنسبة كبيرة جدًا، وبالتالى إذا حدث تزوير فى توصيف المنتج يضيع حق الدولة فى الجمارك المقدرة عليه، ويجنى المستورد ربحًا إضافيًا كبيرًا .

والمثال الموجود فى الأوراق التى وصلتنى، يشير إلى أن هناك مصنعًا للسجاد تقدم بطلب لهذه المصلحة للتصديق بالموافقة على استيراد «أروال» من السجاد نصف تشطيب على أن يتم استكمال عمليات التصنيع بالمصنع.

المثير للسخرية هو نص تأشيرة مدير عام الشئون الفنية فى هذه المصلحة على الطلب وقد كتبت فيها بعد الديباجة:

«نحيط سيادتكم علمًا بأن استيراد السجاد على حالته من العينات المقدمة منكم يعتبر منتجًا كاملاً فى حكم الناقص طبقًا للمادة الأولى من اللائحة الاستيرادية، والمصلحة ليس لديها مانع من استيراد السجاد على حالته المشار إليها بكتابكم لاستكمال العمليات الإنتاجية، وذلك طبقًا للقوانين واللوائح الجمركية المتبعة فى مثال هذا الشأن.. توقيع الموظف المسئول».

ومثل هذه التأشيرة العجيبة تفتح باب الريبة والشك، فما معنى عبارة: «منتج كامل فى حُكم الناقص؟!» يعنى كامل ولا ناقص؟!

وعبارة: «على حالته المشار إليها فى كتابكم» والمعنى أن مدير عام الشئون الفنية بهذه المصلحة اكتفت بوصف الجهة المستوردة للمنتج كتابيًا، ولم تقم بفحص هذا المنتج؟! وفى رأيىّ لو المسألة هكذا لم يكن أحد غلب ولا كنا أنشأنا هذه المصلحة وصرفنا عليها ملايين من مبانى موظفين ودفاتر و.. ..».

(4)

وحالات أخرى فى أوراق ومستندات المهندس التى وصلتنى مثيلة وشبيهة للحالة السابقة، هذا غير صور ضوئية من ملفات موظفين مستخرجة من شئون العاملين بالمصلحة المعنية، وهؤلاء الموظفون تمت ترقيتهم للوظائف القيادية، وهم أنفسهم المتهمون بممارسة الفساد.. ومرة أخرى المثير للدهشة أن الجزاءات التى وقعت عليهم (حسب شهادات شئون العاملين) يستحقون بسببها «الرفد» من الوظيفة وليس التصعيد لوظائف قيادية.

هناك أيضا تقارير للأمن بالمصلحة تسجل دخول أجهزة ومنتجات استهلاكية غير تابعة للمصلحة (شاشات تليفزيون وسيارات أطفال وماكينات خياطة) لنفس الأشخاص السابقين، وغيرهم، وخروجها فى نفس اليوم.. فهل هى هدايا لآخرين أم رشوة أم..؟! .. بالتأكيد هى ليست عينات للفحص.

وأخيرا صور المستندات والتفاصيل، موجودة طرفى، والشاكى المتضرر معنويا وماديا، سهل الوصول إليه لاستجلاء الحقيقة.. وفى انتظار من يهتم ويسأل؟

اترك تعليق