حورية عبيدة

آلام مُبرحة بالبطن عانت منها صديقتي؛ أجمع الأطباء على ضرورة إجراء جراحة كَحل وحيد وأمثل؛ بقليل من الثقة وكثير من عدم التصديق أشارت علينا صديقة أخرى بزيارة عيادة صينية بدبي؛ توجهنا من فورنا نُمني أنفسنا بنزهة قبل إجراء الجراحة ولم نثق في النصحية المُهداة، رغم ذلك وضعت صديقتي نفسها تحت إرادة الطبيب الصيني الذي طلب منها خلع ملابسها وارتدت زياً خاصاً فضفاضاً من القطن الطبيعي، واقتعدتْ القرفصاء؛ مغمضة العينين؛ ناصحاً إياها أن تطلق عنان خيالها في اللاشيء؛ كنوع من إراحة الذهن من التفكير، وأن توقن في قرارة نفسِها بقدرتها على التخلص من آلامها؛ وفي تلك الأثناء يقوم الطبيب بسكب الحليب بكميات كبيرة وأنواع من الزيوت الطبيعية والأعشاب المذابة لدهن وتسميد الرأس والجسد كله.
بعد عدة جلسات شُفيت صديقتي؛ عُدنا بعدها للجراح فبُهت من النتيجة ، سألتُ الصيني استوضحه قال: “نتصالح مع الجسد؛ ونستنهض همته؛ ونرسل له رسالة مفادها أنّا نثق في قدرته على المقاومة مستخدمين مواداً وأعشاباً مما تنبت الأرض؛ وهي نفْس مكونات الجسد البشري المخلوق من تراب وماء، ولا نستخدم الأدوية الكيماوية والمضادات الحيوية التي تقوم بالنيابة عن الإنسان بمهاجمة المرض وتتولى القضاء عليه بل وتقضي على الإنسان ذاته بمرور الوقت”.
حتى في مجال الطب تتجلى فلسفة الغرب في الصراع، تاريخه كله قائم على خلق عدو حقيقي أو وهمي، مهوسون الغربيون بحب السيطرة مذ كانوا عصابات وصولاً لسيطرتهم على الأرض الجديدة “أمريكا” وإبادة الهنود الحمر أصحابها الأصليين، ولأنهم شعوب انحدرت من ديانات وأعراق متباينة فكان ولابد أن يتحدوا تحت هدف واحد يجمعهم خلف قيادتهم، ولم يكن هذا الهدف سوى اصطناع عدو كنوع من تحفيز الهمم وتوخي الحيطة والحذر من التفكك والتشتت، ويرى عِلم النفس أن مريضاً هكذا يبذل قصارى جهده لخلق عدو؛ كيلا يجد وقتاً يقف فيها أمام مرآة ذاته فيرى قبح نفسه.
بتتبع السلوك الغربي ـبعد سقوط الأندلس ـ تجاه المسلمين واليهود وسكان العالم الجديد؛ وحركات التطهر العرقي في البلقان؛ نجد بجلاء رفضهم لفكرة التعايش مع الآخر، فمنذ الرومان الذين اتبعوا سياسة “المدن المحترقة” والسلوك التدميري ينطلق لديهم من عقلية مردها الصورة المتضخمة للذات المتعالية التي تنبذ الآخر وتنفي وجوده، حتى أن العقيدة اليونانية ترتكن على فكرة الصراع بين الألهة بعضها بعضاً وبينها وبين الإنسان من طرف آخر، وصولاً لفكرة انتصار الإنسان على الإله! وذاك تصور لا مثيل له في العقلية الشرقية.
حين تحولت المسألة لديهم للصراع بين السلطة المدنية والدينية قادهم نزقهم الفكري إلى الوثوق بفكرة الانتصار بدون إله؛ وتساءلوا: “ماحاجتنا لإلهٍ؟ فإن كان ولابد فلينصرنا نحن لأننا أهل الخير، وليُمت أعداءنا لأنهم أهل الشر”!.. وهنا نلاحظ كلام الرئيس الأمريكي “بوش” عن محور الشر؛ وكيف أن الرب يقف معه ويدفعه للحرب العراقية! وعلى هذا فلابد من وجود منتصر ومهزوم، ويرون أنه لابد من الاختيار بين: “وجودي ووجودك، ومصالحي ومصالحك، والقوة هي الحاسم بيننا، والبقاء هو الهدف، والتخلي عن القيم والدين ضروري إذا كان سيَحول دون النصر”!
من هنا انتهى الصراع بين الدولة والكنيسة بإقصائها عن المشهد، وامتد حتى إقصاء الآخر وقُدم النموذج “الغلابي” كنموذج متفرد ووحيد، وصُنّفت شعوب المعمورة طبقاً لتصوره، وأصبح القتل والتدمير وإبادة الشعوب لا مانع منها، بل وإعطاء الضوء الأخضر للنظم المستبدة بسحق شعوبها أو التضحية بعدة ملايين مقابل أن ينعم الباقون بالترف قياساً على النسق الغربي (لاحظوا الخطاب الإعلامي الذي لم يمانع في سحق عدة ملايين من البشر مقابل أن يهنأ الباقون برغد العيش)، بل وإقصاء العقول المفكرة (لاحظوا العراق) واعتقال من يدافعون عن القيم الفكرية والدينية، بعدها سيبدو الآخر “نحن” على هيئة شعوب همجية لا تملك مقومات الابتكار؛ ثم تُدفع دفعاً للترويج للقيم الهابطة وازدراء الدين (لاحظوا وسائل إعلامنا) وبذلك ندور في إطار الصورة التي أرادوها -هُم- لنا ونفذناها لهم بأيدينا.
وهكذا تقوم العقيدة الغربية على فلسفة الصراع؛ ليس في المجال السياسي فحسب؛ بل والاقتصادي والعقائدي والاجتماعي والطبي وذلك ما نبهنا إليه الطب الصيني، تُرانا مازلنا نأمل أن نتواصل مع الغرب بأي شكل من أشكال التعاون؟ أم أن فهمهم يحتم علينا أن نلتفت لشعوبنا وأقطارنا نتلمس مقومات توحدنا؟ لأننا فقط القادرون على تقبل الآخر الذي لم ولن يقبل وجودنا، ولا يرتاح إلا بخلق عدو يكون سبباً في إيقاظه بشكل دائم.

SHARE

اترك تعليق