اليونسكو

وكالات

تحيي منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” غدا الخميس اليوم العالمي لـ “اللغة الأم” لعام 2019 تحت شعار “لغات السكان الأصليين مهمة من أجل التنمية وبناء السلام والمصالحة ” ، حيث تعد اللغات هي الأدوات الأقوى التي تحفظ وتطور التراث الملموس وغير الملموس .

وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد اعتمدت القرار 262/56 في عام 1999، للاحتفال في 21 فبراير باليوم العالمي للغة الأم ، بناء على القرار ( C/30) في نوفمبر من عام 1999، والذي اعتمده المؤتمر العام لمنظمة (اليونسكو) .

وتم الاحتفال باليوم العالمي للغة الأم الأول منذ عام 2000 لتعزيز السلام وتعدد اللغات في جميع أنحاء العالم وحماية جميع اللغات الأم.

ويعود اختيار هذا اليوم ، إلى عام 1948 عندما قام رئيس باكستان ومؤسسها محمد علي جناح بفرض الأوردو كلغة وطنية، وهو ما اعترضت عليه باكستان الشرقية (بنجلاديش حاليا) في شكل حركة شعبية كبيرة، وفي ذلك الوقت لم تكن بنجلاديش قد انفصلت عن باكستان، حيث حصل ذلك في 26 من مارس 1971.

وفي 21 فبراير 1952 فتحت الشرطة النار على متظاهرين من الطلبة خرجوا مطالبين بالاعتراف بلغتهم الأم البنغالية، في دكا عاصمة بنجلاديش، ما أدى لمقتل خمسة من الطلبة.. وقد تحول ذلك اليوم لحدث خالد على مستوى البلاد في إطار تعزيز اللغة الأم، وهو الاقتراح الذي تقدمت به بنجلاديش لتوافق عليه اليونسكو وتخرج فكرة اليوم العالمي للغة الأم.

وتحظى اللغات بثقل استراتيجي هام في حياة البشر والكوكب بوصفها من المقومات الجوهرية للهوية وركيزة أساسية في الاتصال والاندماج الاجتماعي والتعليم والتنمية. مع ذلك، فهي تتعرض جراء العولمة إلى تهديد متزايد أو إلى الاندثار كليا،. وحين تضمحل اللغات يخبو كذلك ألق التنوع الثقافي وتبهت ألوانه الزاهية، ويؤدي ذلك أيضا إلى ضياع الفرص والتقاليد والذاكرة والأنماط الفريدة في التفكير والتعبير، أي الموارد الثمينة لتأمين مستقبل أفضل. وما لا يقل من 43 % من اللغات المحكية حاليا في العالم والبالغ عددها 7000 لغة معرضة للاندثار. أما اللغات التي تعطى لها بالفعل أهمية في نظام التعليم والملك العام فلا يزيد عددها عن بضع مئات، ويقل المستخدم منها في العالم الرقمي عن 100 لغة.

وتكشف أحدث طبعات أطلس لغات العالم المهددة بالاندثار الصادر عن منظمة اليونسكو، أن نحو 2500 لغة مهددة بالاندثار حول العالم. وتثير بعض هذه البيانات القلق بشكل خاص، فمن أصل 6000 لغة متداولة في العالم، انقرضت نحو 200 لغة على مدى الأجيال الثلاثة الأخيرة، في حين تعتبر 573 لغة أخرى من اللغات المحتضرة؛ و502 لغة من اللغات المعرضة للخطر الشديد؛ و632 لغة من اللغات المعرضة للخطر؛ و607 لغات من اللغات الهشة.

وحسب الأطلس، فإن قارة أفريقيا تعد حاضنة لأكبر نسبة من الشعوب الأصلية حيث تضم 50 مليون شخص، ومن بين 7 آلاف لغة في العالم، تحتوي أفريقيا على ثلث لغات العالم، 80% منها لا تملك صياغة كتابية محددة، بالمقارنة مع أوروبا التي تملك ثمن سكان العالم وتضم نحو 300 لغة فقط. وتنقسم اللغات الأفريقية إلى 1436 لغة إلى أسرن نيجر كونغو؛ و371 أفروآسيوية؛ لغة نيل صحراوية؛ و35 لغة خويسان في جنوب القارة. كما توجد تجمعات كبيرة منهم في شمال أفريقيا، حيث يعيش الأمازيغ، إضافة إلى آخرين في النيجر ومالي وبوركينا فاسو والكاميرون في غرب قارة أفريقيا، وفي شرق أفريقيا يوجد سكان رعويون في إثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا، فضلا عن آخرين في جنوب أفريقيا.

وتشير أحدث بيانات منظمة اليونسكو لعام 2018، إلى أن 50 % من اللغات المحلية، أي 3 آلاف من أصل 6 آلاف لغة تعاني خطر الاندثار، وأن لغة كل أسبوعين تنقرض، مما يعني أيضاً انقراض 25 لغة سنوياً، وهذا رقم يفوق التصور، وما لم يتم التحرك عالمياً بجدية في هذا الصدد، كما أعلنت اليونسكو فالحال ستتفاقم وتؤول إلى اختفاء 90 % من اللغات المهددة.

والمستغرب أن هذا الخطر لا يشمل فقط لغات دول الأطراف في أفريقيا أو آسيا مثلاً، بل بات يهدد أيضاً دولاً مركزية مثل بعض الدول الأوروبية خصوصا أوروبا الشمالية، مثل النروج والسويد والدنمارك. فاللغات الشمالية هذه تواجه تحديات حقيقية، ويتراجع عدد الناطقين بها، خصوصا أمام زحف الإنجلو- أمريكية، بل إن الخطر يهدد لغات محلية عدة في فرنسا، مثل اللغة البروتونية الشهيرة وسواها، مما يحدث إرباكاً في الثقافة الفرنسية. وهكذا الأمر في بلجيكا وإسبانيا وسواهما، وعمدت منظمة اليونسكو إلى إنشاء أطلس للغات المهددة عالمياً، وهو بمثابة بارومتر يرصد أحوال هذه اللغات ، وتجسد أرقامه واقعها والتحوّلات التي تشهدها.

ولئن كانت ظاهرة اندثار اللغات مألوفة عبر تاريخ الشعوب والحضارات القديمة المتوالية، إذ ماتت لغات عدة لم يبق منها سوى اسمها، فما يلفت الآن في عصرنا الراهن هو الإيقاع السريع لانقراض اللغات ودخولها خانة اللغات الميتة.. والأسباب وفق المراقبين كثيرة منها ما يرتبط بالديموغرافيا البشرية والطبيعية، وما يرتبط بالثورة الرقمية التي جعلت لغات تتقدم على أخرى، بل تفترسها كما يعبر أحد الباحثين، ومن هذه الأسباب جميعاً : الحروب، والهجرات القسرية، والكوارث الطبيعية الرهيبة التي تقتلع مناطق وقبائل وأقليات من جذورها، ولعل العولمة التي اتسمت بالطابع الأميركي ، والاستعمار الجديد ، وحضارة السوق المنتصرة ، والاقتصاد الاستهلاكي، من الأسباب المهمة التي ساهمت كثيراً في انقراض اللغات الشعبية والمحلية، وفي عزلها خصوصاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت والفضائيات التي لا تستخدم إلا الإنكليزية ، بل إن لغة العولمة هذه غزت كل لغات الأرض وباتت تنافسها في عقر دارها، ولم توفر دولاً كبيرة مثل الهند والصين والقارة الأميركية اللاتينية.

واضطرت الدولة الفرنسية قبل فترة إلى إحياء حملة عنوانها ” تنقية لغتنا من الأمريكية”، والمفاجئ فعلاً هو القدرة الهائلة التي تملكها وسائل التواصل الحديث على اختلافها في تمهيد السبل للغزو اللغوي الأمريكي، فالبلدان التي استطاعت أن تحمي لغاتها المحلية أبان الاستعمار ، لم تتمكن من مقاومة العولمة اللغوية.

وتدعو اليونسكو الجماعات والأفراد المعنيين إلى الانضمام إلى حملة #لغاتالشعوبالأصلية #Indigenouslanguages عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك من أجل تعزيز استخدام هذه اللغات لاعتقادها بأن هذه اللغات ليست مجرد لغات تتحدث بها قبائل أو أقليات أو جماعات، بل هي تمثل إرثاً حضارياً وإنسانياً. ولهذا ضمت المنظمة هذه اللغات إلى لوائح التراث الإنساني، مثلها مثل الآثار والفنون والمحميات الطبيعية.

اترك تعليق