لم تعد الخلافات بين الولايات المتحدة الأمريكية وبعض حلفائها في الاتحاد الأوروبي خافية على أحد، وهذا ما أكدت عليه التصريحات التي أدلى بها مايك بنس نائب الرئيس الأمريكي، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، خلال مؤتمر ميونخ للأمن المنعقد في الجنوب الألماني، قبل حوالى أسبوع، وتحاول الدراسة التالية توضيح أهم تلك الخلافات وأسبابها ومحاولة وضع السيناروهات المحتملة لتلك القضايا.

“فوحان الغاز”

البداية من ميركل والتي استمرت في الدفاع عن مصالح بلادها – الاقتصاد الأكبر في الاتحاد الأوروبي – في الحصول على الغاز الروسي عن طريق مشروع (نورد ستريم2)، والذي ينقل الغاز الروسي لألمانيا عن طريق بحر البلطيق، وقالت ميركل بأن”جزيء الغاز الروسي سيظل جزيء غاز روسيا، سواء أتى عبر أوكرانيا أو عبر بحر البلطيق”، ومهد ذلك لأن تقول ميركل بأن مصالح أوروبا لا تقتضي بالضرورة قطع العلاقات مع روسيا.
ثم جاء دور بنس الذي وجه شكر بلاده إلى كل الشركاء الأوروبيين الذين اتخذوا موقفا معارضا بشكل واضح حيال مشروع خط أنابيب الغاز ” نورد ستريم 2″، بل لم يقتصر على شكر هذه الدول، ودعا دولا أخرى للوقوف ضده وقال ” نريد أيضا أن تتخذ دول أخرى مثل هذا الموقف”، لا يمكننا ضمان الدفاع عن الغرب (الاتحاد الأوروبي) إذا اعتمد شركاؤنا في حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الشرق(روسيا.)
إلا أن ميركل كانت قد دافعت عن موقف بلادها بموقف تاريخي أخر قائلة ً: ” إذا كنا إبان فترة الحرب الباردة قد استوردنا غازا روسياً بكميات كبيرة، فلا أدري لماذا صار في هذه الأزمنة الأمر أسوأ كثيرا لدرجة أننا لا نقول إن روسيا ستظل شريكا”.
ولم يترك سيرجي لافروف وزير خارجية روسيا يمر عليه هكذا بل غازل الاتحاد الأوروبي بكلمات عاطفية، فدعا أوروبا لتغيير سياستها نحو روسيا، “ولم يبرئ أيا من الأطراف وأكد على أن “البيت الأوروبي بأكمله بحاجة إلى ترميم عام”، وأن تشكيل مجال مشترك يمتد البرتغال حتى فلاديفوستوك سيفيد الجميع.
ويظهر من الشعارات التي يرفعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانحياز الشامل نحو مصالح الولايات المتحدة “أمريكا أولا”، دون النظر لمصالح أصدقائه في أوروبا، ما يجعل من الأوروبيين خائفين على مستقبلهم، فيدفعهم ذلك لخلق علاقات متوازنة مع روسيا، وخصوصا ألمانيا ومنها الإمداد الروسي لألمانيا بالغاز.
ومن ناحية ثانية فإن الدول الأوروبية بعد أن كانت ترى في الولايات المتحدة درعها ضد الترسانة الروسية، فإن ذلك ربما يتلاشى مع استمرار إدارة ترامب في الانسحاب من اتفاقيات أبقت على الهدوء لسنوات في أوروبا، وأخرها اتفاقية الصواريخ المتوسطة المدى.

“الدفاع أم التنمية”

لم يهدأ بال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مطالبة ألمانيا بزيادة إنفاقها العسكري، لتصل إلى 2% من إجمالي الناتج المحلي الألماني، وهو ما تطرقت إليه المستشارة الألمانية والتي وعدت في النهاية بزيادة النفقات الدفاعية لبلادها إلى 5ر1% من إجمالي الناتج المحلي بحلول 2025.
إلا أن ميركل ألمحت إلى أن زيادة الإنفاق في التنمية له أهمية كبرى بجوار الإنفاق العسكري، وأبلادها تعد في الوقت نفسه أحد أكبر المانحين في العالم في مجال التعاون التنموي، كالمساعدات التي تقدمها لمكافحة الجوع على مستوى العالم، وأن هذا الأمر له نفس القدر من الأهمية كتعزيز قدرة حلف ما.
فقد جعلت رؤية الرئيس ترامب لدور الولايات المتحدة العسكري خارجيا بأن يمارس مزيدا من الضغوط على دول كثيرة لزيادة الإنفاق العسكري، فلا يوجد شيء مجانا من وجهة نظره، وكان الاتحاد الأوروبي بقيادة ألمانيا في مقدمة من يمارس الضغوط عليهم، لكن وجهة النظر الألمانية هنا أن يكون هذه الإنفاق تدريجيا، وتوجيه الإنفاق على التنمية أهم من الإنفاق العسكري.
“نحن فخورون بسياراتنا”
“نحن فخورون بسياراتنا، وهذا ما يجب علينا”، هكذا علقت ميركل على عزم الولايات المتحدة اعتبار واردات السيارات الأوروبية تهديدا للأمن القومي، وقالت ميركل “ إذا كانت هذه السيارات باتت فجأة تمثل تهديدا للأمن القومي الأمريكي، فإن هذا حري بأن يثير الرعب فينا” .
هنا دافعت مستشارة ألمانيا عن صناعة بلادها، بعد ان اعتبرها ترامب تمثل تهديدا للأمن القومي، ويسعى إلى فرض ضرائب عليها، ومهدت الطريق لترامب من اجل الدخول في مفاوضات بشأن هذه القضية، وقالت”كل ما أستطيع قوله هو أنه سيكون من الجيد أن نستأنف محادثات لائقة مع بعضنا البعض، بعدها سنتوصل إلى حل”.
وربما تجعل الضغوطات الاقتصادية التي يلوح بها ترامب دائما بفرض الجمارك على سلع معينة السوق الأوروبي مرتبكا ويبحث عن شركاء جدد تحسبا لتنفيذ ترامب لتهدياته على نطاق واسع.

“النووي الإيراني”

لا تخلو المحافل السياسية من الحديث عن إيران وبرنامجها النووي والاتفاق المبرم معها، والذي انسحب منه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فكان بنس واضحا في موقف بلاده تجاه إيران، ودعا أصدقائه الأوروبيين إلى تتبع خطى الولايات المتحدة والانسحاب من الاتفاق النووي قائلا، “حان الوقت لوقوف شركائنا الأوروبيين معنا ومع الشعب الإيراني”، وأضاف “آن الأوان لينسحب شركاؤنا الأوروبيون من الاتفاق النووي مع إيران”.
إلا أن ميركل كعادتها في محاولة بث الحياة في الاتفاق النووي مع إيران قالت، “صحيح أننا متفقون مع الأمريكان على هدف وضع إيران تحت ضغط، لكن هناك خلافا في وسائل التنفيذ”، فدعت إلى الحفاظ على الاتفاق الذي يحول دون تصنيع طهران قنبلة نووية” بحسب ميركل.
وهو ما يوضح التناقض الواضح المستمر في التعامل مع الاتفاق النووي الإيراني.
وترجع وجهة نظر ترامب في التعامل مع الملف الإيراني في أنه كان يرى ان الاتفاق يعتبر تخاذلا من الإدارة السابقة تجاه إيران، ويسمح لها بمزيد من الوقت لتطوير برنامجها النووي، ورغم أن هذا لم يحدث بشهادة ادول الأوربية، إلا أن الأزمات التي تقف فيها إيران وجها لوجه ضد الولايات المتحدة بالإضافة لإسرائيل خصوصا الأزمة السورية تجعل من ترامب متمسكا بموقفه.
كانت هذه هي أبرز نقط الخلاف بين الطرفين، مع وجود وجهات نظر مختلفة في قضايا أخرى.
ماذا سيحدث مستقبلا ؟
يتوقع أن تستمر تلك الخلافات لسنوات مستقبلا، ولفترة طويلة، ومن الممكن أن تحدث هذه السيناريوهات:
1- المزيد من التعاون الأوروبي – الروسي الصيني، وذلك لمواجهة الرسوم الأمريكية المحتملة.
5- ستحاول دول الاتحاد الأوروبي بين الولايات المتحدة وروسيا من أجل إعادة صياغة للاتفاقيات الخاصة بأمن أوروبا.
3- ستستمر الأطراف الأوروبية في الاتفاق النووي الإيراني، في حين أن الولايات المتحدة ربما تفرض المزيد من العقوبات على إيران.
4- استمرار ألمانيا في مشروع استيراد الغاز الروسي، ومحاولة كسب موافقة جيرانها الأوروبيين.
5- ربما تستعيض دول الاتحاد الأوروبي باتفاقيات الأمن التاريخية بين روسيا والاتحاد السوفيتي السابق مع الولايات المتحدة باتفاقيات مباشرة بين الاتحاد وروسيا.
……………………………………………..
* مقال منشور على موقع “المركز الديمقراطى العربى” بعنوان : ” مؤتمر ميونخ واستمرار الخلاف الأوروبي – الأمريكي”
رابط المقال: https://democraticac.de/?p=58990

اترك تعليق