أوروبا والعالم العربي
د. محمد صلاح بوغازى

دراسة – محمد صلاح غازي *

يفتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي، صباح اليوم الأحد 24 فبراير ، أعمال القمة العربية الأوروبية بمدينة شرم الشيخ، والتي تعد قمة تاريخية غير مسبوقة . فالمشاركة الأوروبية ستكون على أعلى مستوى وتشمل رؤساء جمهوريات ووزراء في أنظمة برلمانية لـ20 دولة أعضاء في الاتحاد الأوروبي على رأسهم المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل والرئيس الروماني الذي يتولى رئاسة الاتحاد حاليا.

والقمة تعقد تحت شعار – الاستثمار في الاستقرار- وتركز على أهم التحديات التي تواجه الجانبين العربي والأوروبي وكيفية تحقيق الاستقرار في المنطقة، ومخاطر الإرهاب، وعملية السلام في الشرق الأوسط، وستناقش القمة أيضا، موضوعات الهجرة غير الشرعية، وتدفق اللاجئين إلى داخل أوروبا.

والعلاقات بين أوروبا والعالم الإسلامي في قلب أحداث الساعة ؛ لا أحد يمكنه تجاهل هذه الحقيقة.

وقد يكون بوسعنا ضرب العديد من الأمثلة على ما نقول : الدبلوماسية الأوروبية مع العرب أو ضمن إطار النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي , الجاليات المسلمة المهاجرة في البلدان الأوروبية , موقع شركات بترولية أوروبية في الاقتصاديات العربية, اتفاقات التبادلات الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي وبلدان المغرب  . إن موضوعات الساعة هذه كلها , قد تقود إلى تعاونات أو تلاقيات أو نزاعات, سوف تظل رهانات رئيسية بالنسبة للمجتمعات الأوروبية والإسلامية على امتداد القرن الحادي والعشرين كله وبعده بكثير.

والعالم العربي والإسلامي هو الأقرب إلى أوروبا , وهو العالم الذي تعرفه أكثر من سواه . وهو جارها المباشر ويمتد إلى الطرف الآخر للعالم القديم حيث الأوروبيون بسبيلهم إلى بناء إمبراطوريات جديدة . والحال أن الأوروبيين الذي أسكرتهم قوتهم الجديدة التي يحددونها بالفعل على أنها تتمثل في السيطرة على الطبيعة , إنما يدركون من جهة أخرى أن اللحظة الأوروبية في تاريخ العالم الجديد بسبيلها إلى الانتهاء .

إن القضية الأهم الآن التي تواجه الأوروبيين والعرب والمسلمين على السواء , ليست طرد العرب والمسلمين من التراب الأوروبي كما حدث في إسبانيا حين رحل المسلمون عنها بعد ستة قرون من الإقامة والاندماج , ولا هي إمكانية دمج المسلمين كلية في الثقافة الأوروبية أو عدم إمكان ذلك , ولكن الأسئلة الرئيسية تدور الآن كلها حول : كيف يمكن لأوروبا قبول الإسلام والتأقلم معه ؟ وما هو السبيل نحو تحسين الأحوال الاجتماعية والاقتصادية للمسلمين وخاصة الشباب منهم ؟ , وكيف يمكن الحد من عوامل التوتر العرقية والطائفية والعنف ؟ وكيف يمكن تجنب الآثار السياسية لهذا التوتر مثل ظهور الأحزاب السياسية العنصرية التي تعانى من عقدة الخوف من الأجانب ؟ , وأخيراً , كيف يتم بناء علاقات , قوامها التعاون البناء, بين المسلمين والمجتمعات المضيفة ؟ .

تكمن المفارقة التي ينطوي عليها الوجود الإسلامي في فرنسا في أن العلاقات التاريخية بين فرنسا والعالم الإسلامي قديمة جداً ؛ على حين يُعَدُ وجود تجمع إسلامي في فرنسا , أضف إلى ذلك أن هذا الحضور جاء نتيجة عوامل اقتصادية و” ديموغرافية” وهذا يعنى حاجة فرنسا إلى العمالة في أثناء الصراعات العسكرية, وفترات النمو الاقتصادي . ومن جهة أخرى , كان العالم الإسلامي يعانى من التخلف والفقر اللذين تفاقما في العقود الأخيرة المتعددة ؛ بسبب زيادة المواليد , وعدم الاستقرار السياسي بعد رحيل الاستعمار , مما وفر الدافع الأساس إلى الهجرة إلى فرنسا .

وبعد الحادي عشر من سبتمبر 2001, كانت أوروبا ضحية للإرهاب الجهادي على أرضها , وخاصة في مدريد ولندن وباريس . ويتم النضال المعادى للإرهاب عبر تعاون متصل في مجال المعلومات بين الأوروبيين وشرطة العالم العربي والإسلامي . والحال أن مجمل هذه الضغوط إنما يدفع البلدان الأوروبية إلى رؤية محافظة بالأحرى لعلاقاتها مع العالم العربي والإسلامي. ويطمح التصور إلى أن يكون تصوراً خاصاً بالأمد الطويل . فأوروبا , بتشجيعها عمليات الإصلاحات وبتمويلها وتقديم عون تقانى لها , إنما تعمل على انتقال نحو عالم عربي أكثر ديمقراطية . ويبقى مع ذلك أن المحاورين العرب والمسلمين للأوروبيين لا يرون غير أفق ذرائعي في علاقاتهم مع أوروبا . فأوروبا مرغوبة للإسهام في تحسين أداءات أجهزة الدولة والاقتصاد حتى يتسنى تحديداً . والحال أن المستقبل وحده هو الذي سينبئنا من الطرفين ستكون له تأييد الــ الغلبة . ويبقى مع ذلك أن المسألة الثقافية تظل جوهرية , في الخطاب على الأقل . والمسئولون الأوروبيون , الفرنسيون خاصة , يتمسكون بمكافحة إشكالية صدام الحضارات .

وفى العولمة الراهنة , يحتل العالم العربي والإسلامي موقعاً متوسطاً بين البلدان الصناعية القديمة والحديثة , والبلدان الأقل تطوراً , كما تبين ذلك الجداول المستندة إلى مؤشر التنمية البشرية . والأداء متوسط , لكنه ليس مُخزياً . فهو لا ينطوي على انحدار عام لثقافة مجتمعات العالم العربي والإسلامي.

والحال أن أوروبا , بإنتاجها العالمية , قد تعولمت هي نفسها . فثقافتها المادية مشربة تشرباً عميقاً بكل إسهامات العالم كما يدل على ذلك طعامها اليومي حيث نجد إسهامات كل العالم . ومن المستحيل فهم فنونها من دون الإحالات إلى ثقافات أخرى . وقد أصبح أدبها عالمياً منذ ترجمة ألف ليلة وليلة , في مستهل القرن الثامن عشر . وقد تغير تركيبها البشرى وتحول قوامها الديني . وتحديد هوية أوروبية لا تأخذ في الاعتبار تعددية مكوناتها من شأن أن يكون عبثاً لا طائل من ورائه كتحديد شخصية مسلمة منغلقة عن بقية العالم . والأرجح أن شرك الأصالة , الذي يستبعد الآخر بوصفه غريباً , هو الخطر الأوسع انتشاراً في كل العالم . وتتمثل الحقيقة الواقعية التاريخية في أن هناك اليوم في كل شخصية أوروبية جزءاً عربيا ومسلماً , كما أن في كل عربي ومسلم جزءاً أوروبياً .

* محـمد صـلاح غازي .

عضــو اتحـاد كتـاب مصــر .

كاتب وباحث في العلوم الاجتماعية .

حاصل على ماجستير فى الآداب جامعة المنصورة – قسم علم الاجتماع

E.MAIL: [email protected]            [email protected]

اترك تعليق