سمير فرج
كنت في الخامسة عشر من عمري، عندما وصلت إلى القاهرة، قادماً من مدينتي الحبيبة، بورسعيد، حاملاً في يدي ملف الالتحاق بالكلية الحربية، وانطلقت بنا سيارة التاكسي، من وسط القاهرة، إلى طريق المطار، وصولاً إلى الكلية الحربية، فرأيت، لأول مرة، ذلك القصر الرائع، في وسط صحراء مصر الجديدة، آنذاك، فسألت سائق التاكسي، “ما هذا القصر الجميل؟”، فأجابني، “أنه قصر البارون إمبان … الرجل الذي أنشأ حي مصر الجديدة”، مستطرد، “حرام البلد تسيبه كدا”. ومنذ ذلك اليوم، لم أمر، يوماً، في ذلك الطريق، إلا ويستوقفني هذا القصر الرائع، ويثيرني طرازه المعماري الفريد، رغم ما آل إليه، خلال المائةُ عام الماضية، وتتردد على مسامعي كلمات سائق التاكسي، “حرام البلد تسيبه كدا”!!!
مرت السنوات، وحان موعد افتتاح قصر العروبة، بعد تجديده، بحضور الرئيس الأسبق حسني مبارك، والذي صار مقراً لإدارة الشئون المعنوية، بالقوات المسلحة. ولمن لا يعلم، فإن قصر العروبة، هو قصر باغوص باشا، نجل نوبار باشا، أول رئيس وزراء لمصر، من أصل أرمني، وباغوص باشا، هو واحد من ثلاثة شركاء، منهم البارون إمبان، والأمير حسين كامل، اجتمعوا على تأسيس حي مصر الجديدة. وكنت قد توليت ترميم هذا القصر، بالاستعانة بخبراء إيطاليين، رشحهم لي وزير الثقافة، آنذاك، فاروق حسني، فعاد القصر إلى سابق عصره.
أثنى الرئيس الأسبق، مبارك، على تطوير قصر العروبة، وفاجأني بقوله، “براڤو عليك يا سمير … ما تطور كمان قصر البارون، اللي عامل زي عشش الخفافيش”، فبادره الوزير فاروق حسني، والمهندس محمد إبراهيم سليمان، وزير الإسكان، حينها، باستعدادهما لتولي المهمة، فقال الوزير فاروق حسني، “ده شغل ثقافة، وإحنا تعاونا مع سمير فرج لتطوير هذا القصر”، وأضاف المهندس سليمان، الذي كانت وزارته تشرف على أعمال توسعة طريق العروبة، “يا فندم احنا ناخده، وشوف هنعمل فيه إيه”. كان المشير طنطاوي، وزير الدفاع، حاضراً، بالطبع، لمراسم الافتتاح، وبجوار الرئيس الأسبق، عندما دار هذا الحوار، فنظرت إليه، وقرأت في نظراته، التي أحفظها عن ظهر قلب، ما معناه، “ابتعد عن ذلك الصراع”، وبالفعل، تراجعت خطوتين للوراء، تاركاً الحوار للسادة الوزراء، يحاول كل منهما إقناع الرئيس الأسبق، بإسناد المهمة لوزارته. وانتهى النقاش، دون أن يتخذ الرئيس قراره بمن سيتولى مسئولية ترميم هذا القصر الرائع، الذي يقابل زوار القاهرة العظيمة عند وصولهم من المطار، ويودعهم قبل مغادرتهم.
بعدها سألت نفسي، ماذا لو تم تكليفي من الرئيس بعملية الترميم؟ وكعادة أبناء القوات المسلحة، في الاستعداد المسبق لأي مهمة قد يُكلفون بها، فقد شرعت في وضع خطة لنفسي، بادئاً بالبحث في تاريخ قصر البارون إمبان، والمعروف بالفرنسية، باسم “Le Palais Hindou”، لأنه مستوحى من العمارة الهندية، شيده المليونير البلجيكي “إدوار إمبان”، الذي منحه ملك فرنسا لقب بارون، تقديراً لجهوده في إنشاء مترو باريس. جاء من الهند، في نهاية القرن التاسع عشر، بعد فترة وجيزة من افتتاح قناة السويس، فعشق مصر، وقرر البقاء فيها حتى مماته، بل وأوصى أن يدفن بها.
اختار الرجل صحراء مصر الجديدة، ليبني بها قصره، كنواة لتأسيس حي “هليوبوليس”، أو “مدينة الشمس”، وبدأ في تصميم الحي على الطراز البلجيكي الكلاسيكي، وبنى فندقاً ضخماً، هو أحد قصور الرئاسة المصرية، حالياً، كما أنشأ مترو خاص، ليربط “هليوبوليس” بالعمران، وقد ظل يعمل حتى سنوات قريبة.
أما قصره، الذي يعد من أضخم القصور المصرية، حالياً، فقد كان أسطورياً، صممه المعماري الفرنسي “الكساندر مارسيل”، بحيث لا تغيب عنه الشمس، التي يخترق شعاعها جميع حجراته، وردهاته، وزخرفه “جورج لويس”، واكتمل بناء القصر عام ١٩١١، من بدروم وطابقين، وبرج من ٤ طوابق. تضم غرفة البارون، لوحة شهيرة، أحضرها من معبد “انكورواث”، بكمبوديا، تجسد مراحل عصر العنب، حتى تحويله إلى نبيذ، ومتابعته في رؤوس شاربيه، ويضم القصر تماثيل، وتحف نادرة، مصنوعة من الذهب الخالص، والبلاتين، والبرونز.
توفى، البارون إمبان، في يوليو ١٩٢٩، فتعرض القصر للإهمال الشديد، وتحولت حدائقه إلى خرائب، إلى أن اتخذت، الحكومة المصرية، قراراً بضمه إلى قطاع السياحة وهيئة الآثار، وفي الاحتفال بمئوية مصر الجديدة، أصبح القصر مصرياً، بعدما تم تعويض ورثة البارون إمبان، بقطعة أرض بديلة، بالقاهرة، تصلح لأغراض الاستثمار.
عدت للتفكير في احتمالية تكليفي، من الرئيس الأسبق، بتطوير هذا القصر، فوجدت فكري يدور حول أمرين؛ أولهما، إعادة القصر لحالته الأولى، التي كان عليها، دون إحداث تغييرات رئيسية، حتى عند إضافة خاصية تبريد المكان. أما الأمر الثاني، فكان حول ضرورة أن يتم تطويره، بما يلائم استخداماته المستقبلية.
والواقع أن الاستخدامات المحتملة عديدة، فمثل هذا القصر، بشكله الفريد، وموقعه القريب من مطار القاهرة، يؤهله، مثلاً، ليكون متحفاً متخصصاً؛ كمتحف للمومياوات والتحنيط، تعرض فيه أشهر المومياوات، وما توصلت إليه البشرية من أسرار التحنيط، او متحف للمجوهرات والمشغولات الذهبية، بدءاً من مشغولات العصر الفرعوني، حتى مجوهرات أسرة محمد على، أو متحف للمشغولات الفضية للمصريين عبر التاريخ، أو متحف للأزياء المصرية والشخصيات المصرية، على غرار متحف الشمع، أو غيرها من المتاحف التي تحكي تخصص المصري وتميزه في أي مجال عبر تاريخنا الممتد.
أما فكري الثاني، فكان في تحويل القصر النادر إلى “بوتيك أوتيل”، تلك النوعية من الفنادق، المنتشرة في كل أنحاء العالم، وتتكون من عدد محدود من الغرف، يصل سعر الليلة فيها لأرقام خيالية، ويتمتع نزلاءها بخدمة متميزة، في مكان فريد، وغير تقليدي، وهو، ما يتيحه القصر تماماً. تلك الفكرة تتطلب بعض الخدمات والاستعدادات، مثل إنشاء جراج تحت الأرض، في المنطقة الخلفية للقصر، مع تنسيق المنطقة الأمامية بالمناظر الطبيعية، والأشجار والنباتات، بما يتماشى مع روح القصر.
تذكرت كل ذلك، وأنا أمر اليوم من أمام قصر البارون، وشهدت أعمال الترميم والتطوير التي تجري به، فشعرت بأنه أوشك، أخيراً، على العودة إلى الحياة، بعد إهمال زاد عن مائة عام.
SHARE

اترك تعليق