عاطف عبد الغنى

مثل الأمطار الحمضية التى تتكون على أثر نشر سموم الإنسان فى البيئة ثم تصعد إلى طبقات الجو العُليا وتسقط مطرًا يقتل الحياة، يسقط الآن على رؤوسنا إعلام جماعة الإخوان الإرهابية ليقتل فينا الحياة، ويئد الأمل، ويلطخ ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا باللون الأسود، ومعتز مطر الإخوانى هو فارس الجماعة الآن الملتهب، ونجم كتيبة التحريض ولجان الكراهية الفضائية، ديناصورات عصر الانحطاط العثمانى الذى يتم إعادة إنتاجه فى تركيا على أنه عودة للخلافة الإسلامية (!!)

(1)

الأيام القليلة الماضية استدعى رواد التواصل الاجتماعى فيديوهات معتز مطر فى برنامجه القديم «محطة مصر»   الذى كان يقدمه قبل أن يجلس على حجر الإخوان، وفى الفيديوهات ترى مطر يمجد فى الجيش المصرى ويصفه بما يستحقه – بالفعل – من صفات، وتطرق أيضا إلى المجلس العسكرى الذى كان يدير أمور البلاد فى هذا الوقت العصيب جدًا من حياة الدولة المصرية، والذى استطاع أن يقفز على أكبر أزمة هددت وجود الدولة المصرية فى عصرها الحديث حين أدار المجلس شئون الحُكم إلى أن جرت الانتخابات التى فاز فيها محمد مرسى فسيطرت الجماعة على مقاليد الحُكم والسياسة فى مصر، برلمان ورئيس حكومة (!!!)

كان الفيديو الذى تداوله الرواد لمطر بما حمله من آراء واضحة لا تحتمل الشك أو التأويل، وغيره من فيديوهات أخرى له فى هذا التاريخ، هى – بالفعل – قناعات الإعلامى مطر فى هذا الوقت.. فماذا حدث؟!

الذى حدث أن قدمه انزلقت على السطح الأملس لجماعة الإخوان المسلمين عندما استولوا على الحُكم وظن البعض وهمًا – ومنهم مطر ومحمد ناصر وغيرهما – أن الإخوان انتصروا انتصارًا نهائيًا على كل خصومهم القدامى، والجدد أيضا، بينما كانت الحقيقة أنه مع شمس كل صباح كانت تطلع على الجماعة فى الحُكم، كان معسكر أعداءها يشهد انضمام حشود جديدة إليه، حتى صار الأعداء تقريبا الشعب المصرى كله – باستثناء الجماعة طبعًا – حتى شركاء الأيدلوجية، السلفيون، ناصبوا الجماعة العداء بعد أن استبعدتهم بناء على معادلاتها النفعية الانتهازية.

(2)

والمتابع لتاريخ الإخوان لابد أن يعرف الدور الذى لعبته المملكة العربية السعودية، والكويت تجاه الجماعة واحتضان البلدين لأعضاءها التى نزحت إليهما بعد الصدام مع الدولة المصرية على أثر اكتشاف تنظيم القطيبين فى القضية المعروفة بتنظيم 65 والتى خططت فيها الجماعة لتنفيذ أعمال عنف كبيرة منها تفجير القناطر الخيرية بالوجه البحرى، وقناطر إسنا بالوجه القبلى لإغراق الدلتا والوادى لنشر الفوضى تمهيدا للاستيلاء على الحكم وإدارة البلاد، كما صور لهم خيالهم المريض، وهى قضية مشهورة انتهت فيها أحكام القضاء إلى إعدام زعيم التنظيم سيد قطب، وهروب عدد من الإخوان إلى السعودية والكويت، اللذان منحوهم فرصة الإقامة والعمل وجمع الأموال والإثراء، وكان رد الجميل من الإخوان العداء عند أول اختبار، مرة بوقوفهم مع صدام فى غزوه الكويت، والثانية بعدائهم غير المبرر للمملكة السعودية ليس اليوم ولا بعد 3 يوليو 2013 ولكن قبل ذلك، وتكررت هذه العداءات – التى خسرت جراءها الجماعة الكثير – ليس لسبب إلا الأنانية والعنصرية التى تأسست عليهما الجماعة، وسيكون فيهما هلاكها.

(3)

وفى السنوات القليلة التى سبقت عام 2011 انخدع كثير من المحللين فى توجهات الجماعة وظنوا أنها تحولت من جماعة أيديولوجية إلى حزب سياسى مدنى ذو مرجعية إسلامية، حتى حسام تمام الباحث النابه فى حركات الإسلام السياسى، الذى توفاه الله فى عمر الشباب ( توفى فى 26 أكتوبر 2011 عن عمر يناهز 39 عاما) وكان ينبأ بموهبة كبيرة فى مجاله، أصدر عام 2010 الطبعة الثانية من كتابه الذى حمل عنوان: «تحولات الإخوان المسلمين.. تفكك الأيديولوجيا ونهاية التنظيم، وقع فى نفس الخطأ، وقد تصور أن الجماعة تتخلى عن أيديولوجياتها القديمة واستشهد فيما ذهب إليه باستعداد الجماعة إلى حذف مادتين كانتا مثار جدل كبير فى برنامج حزبها (الحرية والعدالة) – الذى أعلنته فى زفة كبيرة – قبل أن تتقدم به للجنة الأحزاب، المادة الأولى وتنص على تشكيل هيئة من كبار العلماء تبدى الرأى فى التشريعات التى تصدرها الدولة المصرية، والمادة الأخرى تتعلق بترشح المرأة والأقباط لمنصب رئيس الجمهورية.. والمعنى أن الإخوان تخلوا عن ركنين يؤسسان للدولة الثيوقراطية، غير المدنية التى هى دولة المواطنة.. فهل تحّول الإخوان حقًا فى  تلك السنوات؟

(4)

بالطبع الإجابة بالنفى، والحقيقة أنهم كدأبهم لجأوا لحركة خداع تسمح لهم بالمنافسة الرسمية على الحُكم والسلطة فى إطار عملية كان يخطط لها الغرب، واتفق الإخوان مع زوارهم من الأمريكان والأوروبيين قبل يناير 2011 وقد اجتمعوا بهم كثيرًا فى السر والعلن، بأن يتواجدوا فى قلب الحياة السياسية استعدادا لمرحلة ما بعد إسقاط مبارك ونظامه.

لقد قرر الغرب الاستعانة بالإخوان لأنه أدرك من معطيات الواقع الذى سبق ثورة يناير 2011، أنهم لا محالة سوف يصعدون للحكم بعد إطلاق الفوضى فى الأقطار العربية.

وبعد يناير 2011 سرعان ما انكشف وجه الجماعة التى عادت إلى أفكارها الراسخة، وقد أدارت ظهرها لحلفائها فى الداخل وتحركت نحو حلفاء الخارج لاستخدامهم – حسب مخططاتها – لتنفيذ مشروع إحياء الخلافة، وتحركت الجماعة بالتحديد نحو 3 دول وهى بالترتيب: قطر الغنية، وإيران الشيعية، وتركيا الأردوغانية، وقد وضعت من تركيا الثالثة فى الترتيب السابق لأن نجم أردوغان وخطة تمكينه فى بلاده لم تكن قد اكتملت فى التاريخ الذى نتحدث عنه.

باختصار لعبت الجماعة مع الغرب لعبتها الأثيرة، وهى تتصور أنها تستخدمه لإسقاط مبارك، فيما كان الغرب يراهن على أن المصريين سوف يسقطون الجماعة عبر استبدالها بالعولميين، أمثال البرادعى وحمزاوى ومن على شاكلتهما، لكن رهان الغرب والإخوان أفشله المصريون، فى 30 يونيو 2013.

والآن تشير المقدمات إلى أن تخلى تركيا وقطر وإيران عن الإخوان قادم لا محالة، بعد تأكد كل طرف أنه فشل فى توظيف الآخر لتنفيذ مشروعه، وأن الفاتورة التى تدفعها هذه الدول أكثر كلفة من العائد المادى والمعنوى، وأنها لن تستمر فى خصوماتها طويلا مع كثير من الدول بسببهم، وأن أمثال أيمن نور ومعتز مطر وناصر وزوبع وباقى الأسماء هم تجار وليسوا أصحاب قضية، وأن الجماعة تلعب سياسة على الرغم من أنها تردد طول الوقت أن «السياسة نجاسة» (!!)

SHARE

اترك تعليق