د. ناجح إبراهيم

في منطقة عيادتي في الحي المغرق في الشعبية بالإسكندرية عشرات الكلاب الضالة والمفترسة,وحينما تعبر سيارة منطقة منها ليلاً ينبح عليها عشرات الكلاب بعنف فأقول للسائق:لو كنا في الشارع الآن لمزقتنا هذه الكلاب. وبعد العاشرة مساءً أري الشباب في الحي الفقير كل يسوق كلبه,وبعضهم يعلمه الشراسة والافتراس فيقربه من أصدقائه عشرات المرات وهو يحاول افتراسهم لولا الكمامة,أسأل مساعدى ليلاً وأنا في العيادة:ما هذه الكلاب التي أسمعها فيقول:أصحابها يعلمونها الشراسة والافتراس.

جاء حفيد أختى من الصعيد للإسكندرية في الصيف فعقره كلب,فكره الإسكندرية التي ارتبطت في عقله الصغير بعقر الكلاب. إحصائية وزارة الزراعة مفزعة حيث تحصى الكلاب الضالة في مصر بما يقارب 15 مليون كلباً. أما إحصائية وزارة الصحة فتقول أن عام 2018 سجل 428 ألف حالة عقر”عض”في مصر،أي قاربت علي نصف مليوناً،منها أكثر من 300 ألف عقر كلاب,وأن حالات عقر الكلاب في الأعوام من 2014 حتى 2017 وصلت إلي مليون و300 ألف حالة مات منهم حسب نفس الإحصائيات 231 مصرياً.

لو تأملت فيديو عقر الطفل محمد إيهاب في مدينتي جيداً لهالك الأمر واستهوتك أحزان,فالطفل البريء حاول مراراً أن يجرى ويتفادى كلبين مفترسين يمتلكهما رئيس محكمة بالمنطقة,كان يجرى منهما بسرعة لافتة وكأنه فرد صاعقه,ولكن الكلبين أسرعا إليه وافترساه في كل جسده وأنزلوه السلالم,عضوه في كل مكان,أسقطوه علي الأرض كلما حاول القيام.

جاءت صاحبة الكلبين حاولت إبعادهما عن الطفل دون جدوى,نادها البعض نامي علي الطفل,جعلته تحتها وغطته بنفسها في فدائية كبيرة,حاول بعض الجيران ضرب الكلب بعصا لكن صاحبته رفضت صارخة,حاولت فتاة صرف الكلبين دون جدوى,أمسكت بذيل أحدهما,أما الكلب الآخر فظل يطوف بجسد صاحبة الكلبين ليبحث عن منفذ لالتهام الطفل,وكأن هذا الطفل عدو لهما. إنها مأساة كبرى,أن تخرج الكلاب المفترسة للشارع,يمكن أن تحرس صاحبها ولكن لا تخرج وخاصة أنها كانت دون كمامة للفم ولا طوق للرقبة ولا خفير لهما.

أحسن وزير العدل حينما استقبل أسرة الطفل محمد إيهاب,واعتذر لهم وكأنه يقول لهم:لا أحد فوق القانون,وإن إجراءات القضاء بالنسبة لطفلهم ستسير كالمعتاد,وهذا والله جيد،لأن شعور المواطن العادى بالسواسية والإنصاف قد اهتز كثيراً,وعوام الناس أصبحوا يهابون ذوى النفوذ ويعملون لهم ألف حساب,ويتهيبون من التداخل معهم في شيء حتى لو كان قضائياً،ولو أن كل مسؤول صنع مثل هذا لانتشر الإنصاف بين الناس. مآسي عقر الكلاب لا تنتهي ولا تتوقف عند طفل صغير فهذا نقيب في الجيش اسمه “عمرو رامي”نزل ليحضر هدية لابنته الصغيرة,فإذا بالكلاب المفترسة في الرحاب أرقي مدن مصر تفترسه وتصيبه بكسور متعددة وكدمات وسجحات وتأكل أجزاء من لحم يديه,وتلقيه جريحاً في المستشفي.

هذا في المدن الراقية مثل مدينتي والرحاب الذين يستطيعون الحصول علي حقوقهم والوصول للإعلام والسوشيال ميديا والمحاكم،والكلاب هناك مفترسة ولكنها لا تعاني من السعار القاتل,فما بالنا بالأحياء الشعبية والمناطق العشوائية المملوءة بالكلاب الضالة التي يعاني أكثرها من كل الأمراض بداية من الجرب وانتهاءً بالسعار القاتل.

وهذا يفسر إحصائية وزارة الصحة التي تقول بوفاة أكثر من مائتي مصاب بالعقر في الثلاث سنوات الأخيرة. البعض يريد تقديم حياة وراحة وحرية الكلب على حياة وأمان وراحة وحرية الإنسان نفسه,وكأنه لم يقرأ قوله تعالي”وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ”ولم يفهموا حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم”لا ضرر ولا ضرار”والقاعدة الفقهية”الضرر يزال”,وإذا كنا نسجن الإنسان الذي يضرب الآخرين أو يعتدى عليهم فهل الكلب أولي منه. 15 مليون كلب ضال يعيثون في مصر فساداً،لابد للدولة أن تحل مشكلتهم وتريح الناس من شرهم,الإنسان خليفة الله في أرضه,والله خلق الكلاب لتحرسه لا لتأكله وتدميه وتعقره. أطيعوا دار الفتوى وتخلصوا من الكلاب الضالة أو أجمعوها وعالجوها وبيعوها للدول التي تحتاجها في أي غرض سوى الأكل وإلا شاركتموهم الإثم. هل مصالح الكلاب أولى بالرعاية أم مصالح المواطن المصري،إذا تعارضت المصالح تغلب المصلحة الأعلى علي الأدنى،وإذا لم يكن هناك بد من درء مفسدة فتدرأ المفسدة الأعلى.

اترك تعليق