إسماعيل منتصر

عشت يومًا كاملًا كما عاش أجدادى.. ليس مقصودًا أجدادى، الذين منحونى اسم العائلة التى أنتمى إليها وإنما أتحدث عن أجدادى القدماء الذين عاشوا فى الغابات والكهوف يصارعون الطبيعة والحيوانات من أجل البقاء.

كان ذلك فى عام 1990 أى قبل أكثر من 29 عامًا.. سافرت أيامها إلى جنوب أفريقيا وقضيت ليلة فى الغابة.. غابة حقيقية مليئة بالوحوش والحيوانات المفترسة.. غابة تعيش فيها الحيوانات على راحتها بدون أقفاص حديدية وبدون حارس يقدم لها الطعام فى مواعيد ثابتة.

الغابة التى عشت فيها يومًا كاملًا هى إحدى مناطق السفارى فى جنوب أفريقيا واسمها “سابى سابى”.

هبطت بنا طائرة صغيرة فى مطار مدينة تبعد حوالى مائة كيلو متر عن الغابة..

من المطار انطلقنا فى عربة صغيرة فى اتجاه غابة “سابى سابى”.. وعقب تناولنا الغذاء تجمعنا استعدادًا لأولى جولاتنا فى الغابة.

تنطلق الجولات داخل الغابة فى موعدين ثابتين.. السادسة مساءا والسادسة صباحا.. وتستمر الجولة لمدة أربع ساعات..

ويقوم السياح بجولاتهم فى عربات مكشوفة يقودها اثنان.. سائق يجلس أمام عجلة القيادة وبيده بندقية سريعة الطلقات وأمامه جهاز لاسلكى يربط بينه وبين الإدارة، وبين باقى العربات التى تحمل السُيّاح.. أما الثانى فيجلس على مقعد حديدى مرتفع فى الجزء الخلفى للسيارة.

ويقوم هذا الشخص الجالس على المقعد المرتفع بدور محورى وأساسى فى الجولات داخل الغابة.. فهو الذى يوجه قائد السيارة فى الاتجاه الصحيح، ليس فقط اعتمادا على موقعه المرتفع وإنما لأنه يملك أنفًا حساسًا جدًا يساعده على شم رائحة الحيوانات المختلفة، فيوجه قائد السيارة ناحيتها.. ولهذا السبب فإن التدخين خلال هذه الجولات ممنوع تمامًا ليس لسبب إلا لكى لا يتسبب دخان السجائر فى إفساد حاسة الشم لهؤلاء الذين يعتمدون على رائحة الحيوانات فى التوجه إليها لكى يراها السُيّاح عن قرب.

فى نفس الوقت فإن هذا الشخص يمسك فى يده بمصباح قوى يسلطه على الحيوانات لكى يراها السياح.

كان تحركنا فى عربات مكشوفة مثار خوف ورعب لمعظمنا، لكننا عرفنا من قائد السيارة أن الحيوانات المفترسة لا تهاجم عربات السياح باعتبار أنها حيوانات ضخمة لاتستطيع مهاجمتها.. لكن ذلك التفسير على أية حال لم يكن كافيًا لبعث الطمأنينة فى نفوسنا.

وتحركنا فى الغابة نكتشف أماكن الحيوانات المختلفة ونكتشف أسلوب حياتها.. لكن الاكتشاف المهم بالنسبة لى هو المفاهيم الجديدة التى اكتسبتها من جولتين قمت خلالهما بالمراقبة والتأمل.

الضعيف والقوى.. مفهوم تغير معناه.. فقد عشت طوال عمرى متأثرًا بصور شاهدتها فى مجلة لايف الأمريكية.. صور نٌشرت على ست صفحات لأسد يطارد قرد.. وأظهرت براعة المصور ملامح الرعب على وجه القرد كلما أحس بأن الأسد اقترب منه، فلما تأكد القرد من أن الأسد اقترب منه جدًا استدار وقد تحول شعر جسمه من الخوف إلى إبر منتصبة.. وكانت هذه هى آخر محاولات القرد للنجاة، فقد تصور أن مظهره سيخيف الأسد.. لكن الصورة الأخيرة جاءت وقد استقر القرد بين فكى الأسد.

انعكس تأثرى بالصور على أسلوب حياتى فعشت دائمًا أناصر الضعيف على القوى وأنحاز للضعيف مهما كانت الظروف.. لكننى اكتشفت فى الغابة أن العملة لها وجهان.

سلّط مرافقنا الجالس على الكرسى المرتفع مصباحه على فهد أسود يداعب صغاره.. واستمر المشهد عدة دقائق ثم بدا وكأنه يودعهم.

تحرك الفهد وسرنا وراءه وبعد فترة زمنية تسمّر الفهد فى مكانه فتوقفنا نرقبه.

ظل الفهد لمدة ساعة تقريبًا يتحرك ويدور فى خفة وحذر.. وعرفنا السبب.. غزالة صغيرة تأكل العشب وترفع رأسها بين الحين والحين وكأنها تتشمم الهواء.

شرح لنا مرافقنا المشهد فقال: إن الفهد يحاول التحرك بعيدًا عن الرياح التى تحمل رائحته للغزالة فتهرب مبتعدة.. وفى نفس الوقت يحاول الاقتراب منها بدرجة تسمح له باللحاق بها والانقضاض عليها.

واقترب الفهد من فريسته وانحبستت أنفاسنا نرقب المشهد المثير، لكن فجأة قفزت الغزالة وانطلقت كالسهم تجرى وورائها الفهد لكنه فى النهاية لم يتمكن من اللحاق بها.. ويبدو أنه داس بقدمه على فرع جاف من النباتات فأحست به الغزالة وهربت فى الوقت المناسب.

ورأينا الفهد يعود من نفس الطريق الذى جاء منه.. كان قريبًا منا جدًا.. وأقسم أننى شاهدت فى عيونه الحزينة ما يشبه الدموع.. فالله وحده يعلم متى سيتمكن من اصطياد فريسة يسد بها جوع صغاره.

ورأينا الزراف وهى بالمناسبة غير الزراف التى نعرفها فى حديقة الحيوان، فالزراف التى رأيناه يصل طولها إلى طول ثلاثة طوابق.. وفى إمكان الزراف أن يتغلب على الأسد.. ملك الغابة.

حكى لنا مرافقنا أنه شاهد يومًا لبؤة تصطاد زرافة صغيرة جدًا وعندما أمسكت بها اللبؤة جاءت أمها مندفعة تحاول إنقاذها.. وراحت تقفز بأقدامها الطويلة فوق اللبؤة حتى سوت جسدها بالأرض.

ونفهم من جولتنا ومن حكايات المرافق أن الصيد والافتراس ليس مسألة سهلة.. فالأسد أو النمر أو الفهد أو أى حيوان مفترس لا يمد يده يقطف فرائسه من فوق الأشجار ولكنه يبذل جهدًا خارقًا لكى يصطاد ويأكل، ومن قبله يأكل الصغار.

وكما يملك الحيوان القوى القوة للافتراس يملك الحيوان الضعيف القوة للهرب والنجاة وأحيانا يقتل من يحاول قتله.

الغزالة تجرى بسرعة خارقة والحمار الوحشى يمكنه الإطاحة بأسد برفسة قوية من قدمه والزرافة قادرة أن تدك غريمها بأقدامها القوية.. أما الجاموس فيعتمد على نظرية الكثرة تغلب الشجاعة.

عندما تحركت بنا العربة لمشاهدة الحيوانات وهى تشرب من بحيرة واسعة.. أحسست فجأة أن زلزالًا قويًا يهز عربتنا ويكاد يقلبها.

نظرت بخوف ودهشة للمرافق فابتسم وهو يقول: إنه الجاموس الوحشى يتحرك بحثًا عن المرعى.

كان المشهد مهيبا.. آلاف الجاموس تنطلق معا فى قافلة تدك الأرض بأقدامها وهى تجرى.. وبالقرب منها وقفت مجموعات من الأسود تتحين الفرصة.. دون أن يجرؤ واحد منها على اعتراض طريق الجاموس.

تذكرت مقولة الفيلسوف الألمانى نيتشه التى جاءت على لسان ” زاردشت”.. عش فى خطر.. لا بد أن الحياة فى هذا الوقت يكون لها معنى آخر.

والحقيقة أننى لم أعش فقط فى خطر وإنما نمت أيضا فى خطر.

عندما تسلمت مفتاح غرفتى فى المساء من موظف الاستقبال فى الفندق.. عرفت أنها تقع بعيدًا عن المبنى الرئيسى.

سألت الموظف بخوف إن كان الطريق إلى الغرفة آمنا أم لا؟

ابتسم موظف الاستقبال وهو يقول: اطمئن يا سيدى فالفندق محاط بسور عال جدًا لا تستطيع الحيوانات اختراقه!

ذهبت إلى غرفتى أحاول طمأنة نفسى بكلمات موظف الاستقبال وإن كان ذلك لم يمنعنى من التلفت يمينا ويسارا طوال الطريق.

أخيرًا وصلت الغرفة.. أخيرًا سأحظى بحمام دافئ قبل النوم.. لكن عندما فتحت باب الحمام فوجئت بعنكبوت أسود فى حجم كف اليد رابض فى قاع البانيو.

أغلقت باب الحمام فى هدوء وبحثت عما يسد الفراغ الموجود أسفله وذهبت للنوم.. بدون حمام دافئ.. وأزعجتنى فكرة جعلت النوم يهرب من جفونى.. إن كانت الحيوانات لا تستطيع اختراق سور الفندق العالى فهل تعجز الثعابين؟

قمت مندفعًا من السرير وأجريت بنفسى تفتيش دقيق لكى أتأكد من نظافة غرفتى.

نمت أخيرًا من التعب والإرهاق لكننى استيقظت فى منتصف الليل على دقات عالية متتالية فوق سقف غرفتى.

أسرعت أتصل بموظف الاستقبال وقبل أن أفتح فمى سمعته يقول مبتسما: نسيت أن أخبرك يا سيدى أن القرود وحدها قادرة على اجتياز السور العالى للفندق.. لكن اطمئن فقرودنا مسالمة تماما.. تصبح على خير.

وصبحت على خير تاركا ورائى عنكبوت أسود مخيفًا وذكريات ليلة مرعبة.

تناولنا الإفطار وقمنا بجولتنا الصباحية ثم ركبنا العربات فى طريق العودة إلى المطار.

فى طريق العودة انشغلت بسؤال لم أجد له إجابة: هل كنت فعلا فى الغابة.. أم أننى عائد إلى الغابة؟

غابة البشر التى يقتل فيها الإنسان لأسباب لا يعرفها الحيوان.

 

 

اترك تعليق