سمير فرج

مع حلول العام القادم، ٢٠٢٠، ستفتتح مصر “المتحف الكبير”، أكبر متحف للآثار في العالم، من حيث المساحة، حيث أقيم المتحف على مساحة ١١٧ فدان، ومن حيث عدد القطع الأثرية، إذ يحتوي على ١٠٠ ألف قطعة أثرية من مختلف العصور الفرعونية واليونانية والرومانية، ليصبح إضافة كبيرة، وهامة لقطاع السياحة، حيث يتوقع أن يستقبل ٥ ملايين زائر، سنوياً، فضلاً عما يمثله من إضافة عظيمة للتراث المصري الإنساني، بعرض تاريخه، المكدس بالمخازن منذ أكثر من مائة عام، ليطالعه العالم أجمع.

ومن هذا الافتتاح المُرتقب، الذي أرجو، من الله، أن يخرج بصورة مشرفة، تليق باسم مصر، وحضارتها، انطلق خيالي للتفكير في استغلال باقي المناطق الأثرية المفتوحة، في مصر، وهم كثر، للترويج السياحي، بعيداً عن الصور النمطية، والتقليدية، التي استهلكناها عبر الزمان، حتى صارت لا تواكب العصر الحديث، ومتطلباته.

فلماذا لا يقام، على سبيل المثال، مسرحاً مكشوفاً، في منطقة الأهرامات، تكون خلفيته الأهرام وأبو الهول، ويتم تصميمه وفقاً لأحدث الطرازات العالمية، لإقامة مهرجانات للموسيقى والغناء، وتدرج تلك المهرجانات على أجندة السياحة العالمية؟ لعل مهرجانات جرش، وموازين، وقرطاج، وغيرهم، في الأردن وتونس والمغرب ولبنان، خير مثال على نجاح تلك الفكرة. على ألا تقتصر تلك المهرجانات على الموسيقي العربية، فحسب، بل تتخطاها إلى العالمية، ولعل منكم من يذكر ما حققته حفلات “فرانك سيناترا”، و”بوتشيللي”، وغيرهم، في الأهرامات، منذ عدة أعوام، من مكاسب كبيرة، ولا يعنيني هنا المكاسب المادية، قدر عنايتي بالترويج الإعلامي والسياحي.

بعد نجاحنا في إقامة مركز دولي جديد للمؤتمرات “المنارة”، و”أرض معارض مصر”، بالتجمع الخامس، على أعلى مستويات التنظيم والإمكانات، فأنا على يقين من قدرتنا على تكرار ذلك النجاح، وبصور أحدث، في نظام المعارض المكشوفة، أو المفتوحة، وليس لأغراض المهرجانات الموسيقية والغنائية، فحسب، وإنما كذلك لاستضافة عروض الأزياء العالمية، ولا يساورني شك في أن كبرى بيوت الأزياء العالمية، سيشرفها إقامة عروضها، أمام علم من أعلام التاريخ، بحجم الأهرامات وأبو الهول، شريطة أن توفر لها الإمكانات اللازمة لمثل ذلك الحدث. كما يمكن استغلال تلك المعارض، كذلك، لإقامة الأحداث العالمية، للكشف عن أحدث طرازات السيارات الفارهة، أو الطائرات الخاصة، وغير ذلك، مما نراه يحدث حولنا في العالم، بينما خصنا الله، سبحانه وتعالى، بالجمع بين مميزات تاريخية، في كل أنحاء مصر، ومميزات مناخية، على مدار العام، لا تجد مثلها في أي دولة بالعالم.

ولنسترجع معاً كيف تم تنظيم “بطولة مصر الدولية للاسكواش”، تحت سفح الهرم، وما حققته هذه البطولة من دعاية قوية لمصر، ولنتذكر كيف نجحت عروض “أوبرا عايدة”، تحت سفح الهرم، محققة مكاسب عدة، ولنعلم أن العوامل المشتركة وراء تلك النجاحات، كان حسن الإعداد، ودقة التنظيم والتسويق، وغيرها من الإجراءات التي تم التخطيط لها مسبقاً. واذكر أننا نفذنا، يوماً، أحد عروض “أوبرا عايدة”، لصالح الجمعية العالمية لأطباء الأنف والأذن والحنجرة، بحضور أكثر من ٣٠٠٠ طبيب، بأسرهم، وبعد نهاية العرض كانوا على موعد مع العشاء أسفل المسرح، إلا أن جميع الضيوف، بلا استثناء، أخذوا طعامهم، وصعدوا، مجدداً، إلى المسرح، لتناوله أمام الأهرامات، المضيئة، بشكلها المبهر، فكيف لأحد أن يقاوم منظر ساحر وجذاب مثله؟!

وكما أشرت، فإن طرحي هذا غير قاصر على القاهرة، فحسب، وإنما يمتد لجميع ربوع مصر، الغنية بآثارها، وطبيعتها الخاصة، ومميزاتها الفريدة، كالإسكندرية، والأقصر، وأسوان، وسوهاج، وسيوه، وغيرهم من مدننا الساحرة، مستفيدين بالطابع الخاص لكل منها، دون المساس بالأثر التاريخي، أو الإضرار به … فالغرض هو عرض حضارة مصر، بمختلف الآليات والإمكانات، وحسن استغلال ثرواتها. ولعل عرض “أوبرا عايدة”، لأول مرة في معبد الأقصر، خير مثال على حسن استغلال الموقع، والاستفادة منه، لتحقيق المكاسب المادية والمعنوية، عن طريق الإعداد والتسويق والتنفيذ المنضبط، فكانت طائرات “الشارتر”، التي وصلت، آنذاك، للأقصر، حاملة على متنها زوار من كل مدن أوروبا، لحضور هذا الحدث التاريخي، شاهداً على نجاحه، الذي فتح الباب أمام المزيد من تلك العروض، سواء في الأقصر والقاهرة. وقد يعود عدم نجاح التجربة، عند تكرارها، لقصور في التحضير والتسويق، الذي يستلزم شركات متخصصة في ذلك المجال، كذلك الإعلان عنه بخريطة زمنية مسبقة، يستفيد منها السائح القادم في زيارة عادية للأقصر، أو السائح القادم خصيصاً لهذا الاحتفال.

ومن هذا المنطلق، فإن تنفيذ تلك الأفكار، وغيرها، يستلزم وضع استراتيجية، تتكاتف فيها جهود وزارات السياحة، والآثار، والثقافة، والطيران، والتضامن، والتنمية المحلية، بالتعاون مع الداخلية، والقوات المسلحة، بما لها من إمكانات، بحيث يتم اختيار الأنشطة المناسبة، وتقسيمها على مختلف المحافظات، على مدار العام، وفقاً لطبيعتها، على أن يراعي الظروف المناخية لكل منطقة، بما يحقق رواجاً وانتعاشاً، سياحياً واقتصادياً، لتلك المناطق.

وسيبرز إلى السطح، موقف المتحف المصري الحالي، في ميدان التحرير، والذي أرى أن يعاد تصنيف محتوياته، وتجديد عرضها، لتكون فرصة، لمن لن يتاح له زيارة “المتحف الكبير”، أن يلقي نظرة على تاريخ الحضارة المصرية. كذلك أقترح أن يؤسس، بهذا المتحف، أول وأحدث مكتبة في علوم المصريات، لتوفير المادة العلمية للدارسين والباحثين، في هذا المجال، ولقد سبق أن وضعت جزء في مكتبة الأقصر، لتكون لبنة لأول مكتبة لعلوم المصريات، وأظن أن المتحف القديم يليق بأن تحمل إحدى صالاته هذه المكتبة. كما يجب أن يخصص في هذا المتحف، قاعات للمناقشات والمحاضرات لطلاب العلم والمعرفة، في تاريخ الحضارة المصرية القديمة، وقاعات خاصة للأطفال، لشرح الحضارة المصرية، بطريقة تناسب سنواتهم العمرية.

إن ما ذكرته آمال، ولكنها ليست أحلام، لأنه تحقيقها يسير، إن تم دراسته بالطرق العلمية، ووضع خطة شاملة لتنفيذه، بالتنسيق مع الخريطة العالمية للأحداث، لتفادي التضارب مع أحداث دولية هامة. في النهاية أؤكد أن مصر، منحها الله هذه الثروة التاريخية، والطقس الرائع، وسهولة الانتقال لها من كل أنحاء العالم، لنستفيد من تلك العوامل في إبراز عظمة تاريخها، وحضارتها، ولنؤكد أن مصر بلد الأمن والأمان.

Email: [email protected]

SHARE

اترك تعليق