سمير فرج
الانضباط ليس درساً نتعلمه، في القوات المسلحة المصرية، فحسب، إنما هو أسلوب حياة، نتبعه منذ التحاقنا بصفوفها، كضباط، منذ إدراج أسمائنا بدفتر المستجدين في الكلية الحربية، وهي مدة الخمس وأربعون يوماً، الأولى، التي يتحول خلالها الشاب من مدني إلى فرد في القوات المسلحة، ومن أهم الدروس والقواعد، هي “إطاعة الأوامر”، وحتى الجندي، في الفترة الأولى في معسكر التدريب الأساسي، يتعلم الانضباط، وتنفيذ الأوامر.
أكاد أُجزم أنني طوال مدة خدمتي بالقوات المسلحة المصرية، لم أخالف أمر، مهما كانت الأسباب، وخاصةً أثناء القتال، وتنفيذ العمليات العسكرية، التي تصدر أوامرها بعد دراسة شاملة، تُدرس فيها كافة الجوانب والاحتمالات، وهو ما نعّرفه في جميع المدارس والكليات والمؤسسات العسكرية، حول العالم، بمصطلح “الديمقراطية في اتخاذ القرار.. والديكتاتورية في التنفيذ”، أي بعد صدور القرار، يلتزم الجميع بتنفيذه … تلك عقيدتنا في الحياة العسكرية.
أنهيت حياتي العسكرية، وانتقلت للاندماج في الحياة المدنية، وقواعد التعامل مع القرارات المدنية، والتي قد تصدر، في بعض الأحيان، بدون دراسة وافية، مما يضعك، وأنت الرجل العسكري، في موقف لا تحسد عليه، ولم تعتاده من قبل.
تبدأ واحدة من تجاربي مع هذا التحول، عندما كنت محافظاً للأقصر، حيث اجتاح البلاد فيروس “إنفلونزا الطيور”، وبدأت الإدارة المصرية في التعامل مع تلك الأزمة، على كافة المستويات، ومنها التوعية، من خلال عقد العديد من اللقاءات، والندوات، لمكافحة هذا المرض اللعين، الذي أصاب البلاد. وعقد السيد رئيس مجلس الوزراء، اجتماعاً مع السادة المحافظين، لمدة أربع ساعات، كاملة، تم خلالها عرض كافة جوانب هذا المرض اللعين، وتأثيره على البشر، وعلى الثروة الداجنة، وكذلك ما توصل إليه العلم، حتى حينه، في طرق مكافحته، وعلاجه، سواء بين الطيور أو المواطنين، في حال الإصابة. وخلص الاجتماع إلى مجموعة من القرارات، يتم تنفيذها تحت إشراف السادة المحافظين، وكانت تنقسم، من وجهة نظري، إلى ثلاثة أقسام؛
القسم الأول، يتمثل في قرارات خاصة بالتعامل مع المواطنين، المحتمل إصابتهم بالمرض، وخاصة الأطفال، وهو ما يتطلب إعلان حالة الطوارئ بالمستشفيات، ومتابعة ظهور أية حالة. وكان تنفيذ هذا القرار ليس بالعسير، فقد شكلت مركز عمليات بكل مستشفى، لمتابعة الموقف، والتواصل، فوراً مع غرفة العمليات المركزية بالمحافظة.
أما القسم الثاني، فكانت القرارات المتعلقة بمزارع الدواجن القائمة، والمطلوب حصرها، وإعدام ما بها من دواجن، وتعويض أصحابها، بمعرفة الدولة. وبالنسبة لي، كان تنفيذ ذلك القرار يسيراً، فلم يكن بالأقصر، آنذاك، سوى أربع مزارع فقط. فتم تشكيل لجنة الحصر، برئاسة مساعد السكرتير العام للمحافظة، وفي نهاية اليوم التالي، مباشرة، كانت اللجنة قد أتمت تنفيذ مهمتها، وتم إبلاغ رئاسة مجلس الوزراء، لإرسال التعويضات لأصحاب تلك المزارع.
أما القسم الثالث من القرارات، فكان بشأن حصر الطيور التي يربيها أصحابها في منازلهم، وإعدامها، لأنها تمثل الخطر الأكبر على جميع المحيطين بها، من عجائز وشباب وأطفال، لعدم إتباع أصحابها الإجراءات الصحية والطبية اللازمة بشأن تربيتها. كان تنفيذ ذلك القرار، هو الأهم، والأصعب في ذات الوقت. وفور عودتي من مجلس الوزراء، إلى الأقصر، ليلاً، تم وضع الخطة، وتقسيم المحافظة لعدة قطاعات، لكل منها قائد، وفريق من البيطريين والزراعيين والشرطة والأطباء، وانطلقت هذه المجموعات، في الصباح الباكر، متجهة نحو القرى، والدخول لبيوتها، لجمع الدواجن والطيور، وإعدامها في المنطقة الصحراوية، وفقاً للتعليمات الواردة في هذا الشأن.
بالنسبة لي، فإن أول مبادئ القيادة، هو متابعة تنفيذ القرارات، فور صدورها، وبناءً عليه، فقد توجهت، في صباح اليوم التالي، للمتابعة الميدانية، وبدأتها بغرف العمليات بالمستشفيات، للوقوف على عدد الحالات المصابة، ومتابعة ما تم بشأنها، والتأكد من إبلاغ وزارة الصحة، ومتابعة الحالات الواجب نقلها إلى مستشفيات الحميات بالقاهرة.
ثم حان موعد المرور على القرى، لمتابعة تنفيذ قرار جمع الدواجن من المنازل، لإعدامها. كانت اللجنة الأولى بقيادة اللواء سيد الوكيل، سكرتير عام المحافظة، رحمة الله عليه، وما أن وصلت إلى القرية، حتى وجدت، ما يشبه المعارك الحربية، دون تهويل. فأفراد اللجنة يدخلون البيوت، بحثاً عن الطيور، لجمعها في أقفاص، تمهيداً لإعدامها، فيتعالى صوت الصراخ والعويل، كأن السيدات يشيعن عزيز أو غال. فكل سيدة تحتضن طيورها، في محاولة لمنع أفراد اللجنة من الإمساك بهم، ووصل الأمر في بعض الأحيان إلى التعدي على أفراد اللجنة.
اندفعت نحوي عدد من السيدات، يصرخن ويبكين، “حرام عليكم … دول اللي بيأكلونا … ناكل منين … إحنا بنلم البيض كل يوم، علشان نبيعه في سوق الجمعة … دول اللي بنعيش منهم وبنصرف منهم على ولادنا”، وأخرى تصرخ “خدوا عيل من عيالي بس سيبوا الفراخ … بناكل منهم عيش”! وبالرغم مما بذله أعضاء اللجنة من محاولات لتوعية الأهالي بخطورة وجود تلك الطيور على صحتهم، وصحة أبنائهم، إلا أن كل المحاولات كان الرد عليها موحداً … “وناكل منين؟” وأمام تلك المقاومة، اتخذت قراراً بالتوقف، مؤقتاً، عن جمع الطيور من المنازل، بالتوازي مع حصر ما نجحت بعض اللجان في جمعه وإعدامه بالفعل، لتعويض أصحابها، مساء الليلة، من ميزانية المحافظة.
وعدت إلى مكتبي، مخاطباً السيد رئيس الوزراء، بأنني على يقين من ضرورة تنفيذ قرار إعدام الطيور المنزلية، إعلاءً للصالح العام، في ظل ما يجتاح البلاد من وباء، وفي ظل عدم اتباعها للقواعد الصحية، خاصة وأننا نفذنا ذات القرار على أصحاب المزارع الرسمية، إلا أننا قمنا بتعويضهم، عن خسارتهم، بينما لم نفكر في بدائل لأصحاب الدواجن المنزلية، ومعظمهم، إن لم يكن جميعهم، من المطلقات والأرامل، ممن يعُلن أسرهن، وفي أمس الحاجة لمصدر دخل، يوفر لهن الستر … وقررت ألا أستأنف حملات جمع الطيور والدواجن من المنازل، إلا بعد تعويض أصحابها.
لأول مرة لا أنفذ الأوامر والتعليمات العليا … ولكنني طبقت نداء الرحمة والإنسانية.
Email: [email protected]
SHARE

اترك تعليق