أمل إبراهيم

يحدث أحيانا أن تفكر فى بعض الأمور التى ترغب بها ثم تجد أنك لست وحدك وأن هناك من يفكر مثلك ويبقى الفرق أن بعضهم يستطيع أن يحول رغباته من مجرد أفكار أو خيالات إلى واقع ،،
والحقيقة أن كثير من النساء اللائى أحب الكتابة عن مشاعرهن عندما يقتربن من الخمسين أو يتخطين ، تبدأ لديهن حالة من التفكير الملح وطرح الأسئلة التى تحتاج إلى إجابات ووقفة مع النفس ،ماذا قدمت لحياتى؟
بالأمس وعلى “واشنطن بوست ” قرأت مقالا طويلا كتبته سيدة تخطت الخمسين كتبت جورجيت مالورى تحت عنوان ” أريد مساحة أو وقت مستقطع بعيدا عن زوجى وأولادى ”
مقالا ممتلىء بالتفاصيل التى نمر بها كثيرا نحن النساء وربما نتحدث بها مع صديقات لنا ،،نسأل ونجيب وتتكرر عبارات تشبه “لدى رغبة أن أذهب بعيدا وأكون لوحدى بعض الوقت ”
بدأت السيدة جورجيت الفقرة الأولى فى المقال بسؤال من أبنها الذى يبلغ ال 25،،هل تقومين بتقديم استقالتك من كونك أم ؟
ثم يضيف زوجها “الأمهات لا يمكنهن الأستقالة ، أنت مجنونة ”
بالطبع كلمة مجنونة هى مصطلح مشوش يلقى به الرجال فى وجوه النساء عندما لا تكون لديهم إجابة أو تفسير لمشاعر المرأة
تحكى السيدة كنت بحاجة إلى مساحة بعيدا عن زوجي وأطفالي البالغين ،لذلك وجدت (بدوام جزئي) منزل خاص بي ،أقضى هناك ثلاثة أيام ثم أعود إلى البيت أمارس حياتى التى أعتدت عليها ، أردت بعض من المرونة للبقاء بالخارج لوقت متأخر مثلا، رؤية مسرحية أو حضور محاضرة ، كنت أرغب في الحصول على مكان بعيد عن أولادي البالغين الذين يتجولون داخل وخارج المنزل مع الأصدقاء ومع الآخرين ، أردت التحرر من خزين المنزل والثلاجة ،أردت العودة إلى مكان خاص بي.
ثلاث ليال في الأسبوع ، استحم في صمت شقتي ، أصنع لنفسي فنجانًا من القهوة دون صنع واحدة لشخص آخر أولاً، أحيانًا يأتي زوجي لتناول العشاء أو مشاهدة العرض معى ، وأحيانًا التقي بأحد أطفالي للذهاب في نزهة أو زيارة متحف ،ثم أعود لأقضى الليالي الأربع فى منزل عائلتي حيث امارس دوري بصفتي الأم ، وأستمتع بضجيج الأسرة.
نحن نفكر غالبا بشأن النساء اللائي يعشن وحيدات بأنهن معزولات أو نساء فاشلات ، لكن عندما أقوم بفتح الباب لشقتي ، وعندما أجد علب الزبادي فى مكانها كما غادرتها ، أغلق هاتفى وأستمتع بلحظات الهدوء.
قديما.. عندما قرأت لأول مرة مقال فرجينيا وولف ، “غرفة منفردة” كنت وقتها طالبة جامعية ، وعلى الرغم من أنني فهمت رأيها عندما قالت أن النساء محرومات من معظم المزايا الاجتماعية والأكاديمية الملازمة للرجال ، إلا أننى لم أكن أقدر أهمية ” الغرفة المنفردة ” ، كنت قد انتقلت من غرفة في منزل والدي إلى واحدة في الكلية ، في تلك الأيام ،كنت أقرأ كثيرا لكاتبات يطالبن بمسافة بعيدة عن عائلاتهن ليجدوا أنفسهن ، لأن العزلة تولد الحرية الإبداعية ”
على الرغم من أنني لم أكن على دراية بالكلام ، ولكن عندما أنجبت طفلاً تلو الآخر ، قمت وحسب الأنتماء إلى جنس النساء بدور يقلد مايشاهده على شاشة التلفزيون ، طاولة الإفطار الخاصة بنا ، الشعور بالرضا لأنني نسخت تلك الأسر التلفزيونية السعيدة ،كانت حياتى فى بيتي أهلى صعبة لأن امى أصيبت بالمرض وأنا طفلة فى الروضة وتوفيت وأنا في سن المراهقة ، كنت أرغب فى بيوت مثل تلك التى تجسد الأسرة السعيدة فى التليفزيون .
ما لم أكن أفهمه هو أن كمال منزلي لن يعزل أطفالي عن صعوبات التعلم المعطلة والاكتئاب السريري وحتى المخدرات.
كانت أيامي تدار حسب روتين أطفالي ، الممارسات والألعاب الرياضية ، ومؤتمرات أولياء الأمور ، وزيارات الطبيب وأطباء الأسنان ، والدروس الموسيقية ، وفحص الواجبات المنزلية ، وقراءات المكتبة ، ومسارات الكلاب ، وكشط شعر الحيوانات الأليفة والكثير من الزيارات إلى غرفة الطوارئ ،أركض بضعة أميال أثناء إعداد ثلاث وجبات في اليوم حتى الوظيفة كان يتم أختيارها بما يناسب جداول عائلتي ، وليس شغفي.
الجميع كانوا في المكان الذي يرغبون فيه ، أنا فقط نسيت المكان الذي أردت الذهاب إليه.

لقد شعرت بالغضب الشديد ،”هذه ليست حياتي ولا أرغب أن تنتهى بهذه الطريقة ” .
كان لزوجي مكتبه الخاص حيث يقوم باعماله ، و أطفالي الأربعة لديهم مساحات خاصة بهم في منزلنا ، لكن لم يكن هناك مكان مخصص لي ، مساحة يمكنني القراءة والكتابة والتفكير فيها، حتى مناطق الفوضى التي كنت أدرس الأطفال الصغار كانت المساحة التي قرر زوجي حينها عدم وجود حاجة للتدفئة – وبالرغم أنى كنت أطلق عليها غرفة التجميد الصغيرة إلا أن عائلتي كانت تتردد عليها تدخل وتخرج كما يشاءون وكأنه ليس لى حق المطالبة بالخصوصية،
في أحد الأفلام شاهدت البطلة البالغة من العمر 40 عامًا ، معها 500 دولار وهي تترك وراءها زوجها وأطفالها الثلاثة ، وقتها هذا كنت أتساءل ، “كيف يمكن أن تفعل ذلك؟ – لماذا تريد أن تفعل ذلك؟”
لم تكن قصة واحدة بينما واصلت قراءة القصص التي كتبتها النساء عن النساء ، كنت أجد موضوع الابتعاد عن الحياة المنزلية موجود بالفعل وبدأت انتبه كيف يمكن للنساء أن يستقطعن وقتا لأنفسهن حتى يستطعن مواصلة الغرق في الرمال المتحركة من النعيم المنزلى ثم تذكرت أن كلمة “منزلية” كانت تعبيرًا لطيفا بديلا عن لفظ الخادمة.
يحكى زوجى وهو يفتخر لأصدقائنا ، “زوجتي تحب القيام بالغسيل”.
هل هذا حقيقى ؟ لقد فعلت ذلك من أجله ، بالنسبة لهم لا يعترفون بذلك،ويقولون أننى فعلت ذلك من أجلي
أدركت أن جزءًا ما ساعد على نجاح زوجي ،هو لم يجمع قمصانه ويذهب بها إلى التنظيف الجاف ،لم يتسوق عصير التفاح الذي يحبه، لذا قررت أننى لن أقوم بتقديم العشاء كل ليلة بعد الآن ، الثلاجة ممتلئة دائمًا ، وجميع المصابيح تعمل ، والمفروشات نظيفة ، بالنسبة إلى أي شخص آخر في منزلي ، هناك شعور بالهدوء لأننى لم أكن أصرخ ، “من ترك الأطباق في الحوض؟”
أنتجت مشاهدة ربات البيوت مثل هذا الاشمئزاز من النفس إلى درجة أن احدى الحلقات التي كانت الأخيرة بالنسبة لى مصدر إلهام لإجراء تغيير. “ماذا عن أحلامي غير المحققة؟
وبدأت أفكر في جدتي التى لا تغادر مطبخها تحضر وجبة واحدة تلو الأخرى ، الوجبات التي جمعت عائلتنا معًا ،لقد علمتني الحب العائلي ، ذراعيها مفتوحة دائماً ، لكنها في يوم من الأيام اعترفت بشكل محزن أنها كانت تريد أن تكون ممرضة وأن والدها لم يكن يؤمن بتعليم النساء ، ولذلك حرصت أن بناتها الأربع يتلقين تعليماً جامعياً لذلك كنت أرغب في الاستفادة من كل ما تعلمته،
هل أنت تستقيلين كأم لنا؟” صرخت وأنا افكك صانع القهوة الخاص بي.
قلت “بالطبع لا ،” ولكننى أرغب فقط فى وقت مستقطع .

اترك تعليق