د. ناجح إبراهيم
تحول اسم”جاسيندا أرديرن”رئيسة الوزراء النيوزيلندية إلي أيقونة رائعة للإنسانية,وأصبح اسمها خلال أيام معدودات الأكثر تداولاً عبر مواقع التواصل الاجتماعى ومحط اعجاب العالم العربي والغربي والملايين حول العالم. في شعور جارف بالمسؤولية السياسية والإنسانية،وفي اللحظات الأولي لحادث اقتحام المسجدين حسمت الأمر”الحادث إرهابي,القاتل ليس له مكان في نيوزيلندا التي هي وطن لنا وللمهاجرين”. أرادت أن تشعر الجميع بأن الإسلام والمسلمين جزء من المكون الوطنى النيوزلندى وفي جلسة البرلمان الطارئة التي حضرتها بدأت الجلسة لأول مرة في تاريخ البرلمان بتلاوة آيات من القرآن الكريم. ثم ألقت جاسيندا علي الحاضرين تحية الإسلام”السلام عليكم”باللغة العربية,رفضت ذكر اسم القاتل وكأنه نكرة لا يستحق الذكر أو كأنه شطب من ذاكرة البلاد،وطالبت وسائل الإعلام بذكر أسماء الضحايا. وصفت القاتل بالإرهابى المجرم المتطرف,وقفت دقيقتي صمت بدلاً من دقيقة علي روح الضحايا في أول مؤتمر صحفي لها,أمرت ببث أذان الجمعة التالية للحادث علي الهواء مباشرة عبر الإذاعة والتلفزيون. قدمت جاسيندا درساً عميقاً في التسامح والتعددية والإنسانية والمسؤولية للعالم كله,حتى قارن الغرب بينها وبين ترامب لدرجة أن صحفية نيويورك تايمز وضعت في صدر صفحتها”أمريكا تستحق قائداً بجودة جاسيندا”. لم يكن مطلوباً من جاسيندا سياسياً كل ذلك ولكنها فعلته طواعية إعلاءً لقيم حضارية وإنسانية عليا فحولت مقعد رئاستها إلي أيقونة إنسانية عالمية رائعة.  تضامن الآلاف من الشعب النيوزيلندى الغير مسلم فلبسوا زياً محتشماً وأغطية شعر لإظهار التضامن مع الأقلية المسلمة في سيمفونية إنسانية وحضارية رائعة ,مظاهرات تأبين في بعض الجامعات الغربية,الوقوف حداداً في بعضها الآخر. في بعض المدن الغربية نظم السكان المحليون ومعهم زعماء معابد وكنائس زيارات للمساجد فيها,مقالات وبرامج تلفزيونية في أمريكا وأوروبا تدعو لعدم ربط الإرهاب بالإسلام وتدعو لفهم جديد لدوافع الإرهاب,كلهم يكاد ينطق”الإسلام ليس سبباً للإرهاب وهو برئ منه كسائر الأديان”. الإرهاب خلل في الإنسان والجماعات والمجتمعات تحيط به ظروف خاصة تولد هذه الإنفجارات الإرهابية. إن علينا كمسلمين أن نساعد الغرب وأشباه جاسيندا علي سلوك هذه المسالك الحضارية الرائعة,وأن يسود تيارها في الغرب كله,ولن يتم ذلك إلا إذا قدم المسلمون عرباً وعجما ومواطنينا مسلمين في الغرب نموذجاً للتحضر الإسلامي والإنسانى,وأن نحتضن مواطنينا الغير مسلمين في بلادنا,وأن نتضامن معهم في كل اعتداء يقع عليهم سواءً خارج دور عبادتهم أو داخلها،وألا نشمت في مصائب الآخرين،وأن يكف كل مسلم يده ولسانه عن الآخرين,وأن نقدم النماذج المشرفة للآخرين دوماً,وأن نحول عباراتنا المنمقة عن التعددية والرحمة والتسامح إلي واقع عملي في حياتنا وفي مجتمعات الغرب. وعلينا أن نتوقف عن تفسير كل تخلفنا وتمزقنا بنظرية المؤامرة البائسة,فنحن من يتآمر علي نفسه قبل مؤامرة الآخرين علينا,نحن من يستطيع تغيير أنفسنا ونظرة الآخرين إلينا. وعلينا أن نتوقف عن ترديد أن ما فعلته جاسيندا انتصاراً للإسلام أو هزيمة للمسيحية ونحو ذلك،إنه انتصار لكل القيم التي جاءت بها الرسالات النبوية والحضارات الإنسانية من العدل والرحمة والمحبة والحق في الحياة والكرامة الإنسانية,وأن نعترف أن المسلمين الذين هاجروا من بلادهم ما تركوها إلا رغماً عنهم فلم يجدوا في بلادهم الحق الأدنى في العيش الكريم. وأن الحضارات غربية وشرقية قادرة علي أن تصحح مسيرتها بشخصيات مثل جاسيندا بعد أن لوثتها أفكار ترامب وأشباهه الذي يشترى دورة رئاسية ثانية بهبة القدس والجولان لإسرائيل زوراً وبهتاناً ولا يخجل من ذلك,ولا يخجل العرب من دعمه وتأييده ومنحه المليارات وإنعاش اقتصاده عن طريق الجباية الفجة،وكأنهم يسعدون بجلاديهم.

اترك تعليق