[فى الإسراء والمعراج تسرية عن نفس النبى]

قد علمت انفا ما وجد النبي من ثقيف لما ذهب إليهم داعيا إلى الله، وما صنعوه معه من الأذى حتى أدموا عقبيه، وكيف عاد النبي من الطائف مهموم النفس، جريح الفؤاد، لا لما ناله من الأذى فذلك أمر يهون، ولكن خوفا على الدعوة ألا تجد مكانا صالحا لانتشارها، فقد كان صلّى الله عليه وسلّم يرجو من وراء رحلته المضنية إلى الطائف خيرا للدعوة، ومؤازرة لها، ولكنه وجد أهلها أسوأ من أهل مكة، وأجهل وأسفه، وكيف حال مشركو مكة بينه وبين دخول بلده لولا أن أجاره المطعم بن عدي سيد من سادات قريش، فتمكن من دخولها، والطواف حول الكعبة.

وفي هذه الغمرة من الماسي والأحزان، وصدود القوم عن الإيمان، ومحاربة الدعوة الإسلامية بكل الوسائل والطرق، وبعد هذه الشدائد المتلاحقة؛ كان من رحمة الله بعبده وحبيبه محمد صلوات الله وسلامه عليه أن يسرّي عن نفسه الجريحة، وفؤاده المحزون، فكان الإسراء والمعراج.

فقد شاهد من آيات ربه الكبرى ما شاهد، وعاين من أمارات العناية الإلهية به وبدعوته ما زاده يقينا إلى يقين بإنجاح دعوته، وتبليغ رسالة ربّه، ونصره على أعدائه، وأطلعه الله سبحانه من ملكوته العظيم على ما أطلعه عليه مما ملأ نفس الرسول رضى عن الله، وقلبه نورا وطمأنينة، وصدره ثلجا وانشراحا.

ما هو الإسراء وما هو المعراج «1» ؟

الإسراء: هو إذهاب الله نبيه محمدا صلّى الله عليه وسلّم من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بإيلياء- مدينة القدس- في جزء من الليل، ثم رجوعه من ليلته.

المعراج: هو إصعاده صلّى الله عليه وسلّم من بيت المقدس إلى السموات السبع، وما فوق السبع، حيث فرضت الصلوات الخمس، ثم رجوعه إلى بيت المقدس في جزء من الليل.

[ثبوت الإسراء والمعراج]

الإسراء ثابت بالقران المتواتر، والأحاديث الصحيحة المتكاثرة.

أما القران ففي قوله سبحانه:

سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) «2» .

(1) الإسراء في اللغة: مصدر أسرى: وهو سير عامة الليل، ويقال: أسراه، وأسرى به، وعلى الثانية جاء القران الكريم، وجمهور اللغويين على أن سرى وأسرى بمعنى واحد، وبعضهم يفرق بينهما فيقول: أسرى سار من أول الليل، وسرى: سار من آخره. والمعراج بكسر الميم، قال ابن الأثير: المعراج بالكسر شبه السّلّم مفعال، من العروج أي الصعود كأنه الة له، مأخوذ من عرج يعرج عروجا إذا صعد، والظاهر أن المراد به العروج استعمالا لاسم الالة في المعنى المصدري وهو العروج.

(2) الآية 1 من سورة الإسراء، وقد بدأ الآية بلفظ «سبحان» لأن من قدر على هذا فهو مستحق للتنزيه والتقديس، وفيها معنى التعجب وما أجدر الإسراء بأن يتعجب منه. وفي ذكر العبد في مثل هذا تشريف، وفيه أيضا تحذير أن يتخذ من الإسراء ذريعة لرفع الرسول من مقام العبودية إلى مقام الألوهية. وذكر لفظ «ليلا» مع أنه لا يكون إلا ليلا للإشارة إلى أنه في جزء منه. والمسجد الحرام بمكة، وسمي حراما لحرمته. والمسجد الأقصى هو مسجد القدس، وسمي الأقصى لبعده من المسجد الحرام. ومعنى باركنا حوله، البركات الدينية والدنيوية: أما بركاته الدينية فلكونه مقر الأنبياء، ومهاجر الكثيرين منهم، وقبلتهم، ومهبط الملائكة، وهو أحد

وأما المعراج فهو ثابت بالأحاديث الصحيحة التي رواها الثقات العدول، وتلقتها الأمة بالقبول، ولو لم يكن إلا اتفاق صاحبي الصحيحين: البخاري ومسلم على تخريجها في صحيحيهما لكفى، فما بالك وقد خرّجها غيرهما من أصحاب كتب الحديث المعتمدة، وكتب السير المشهورة، وكتب التفاسير المأثورة.

ويرى بعض العلماء أن المعراج وإن لم يثبت بالقران الكريم صراحة، ولكنه أشير إليه في سورة النجم في قوله تعالى:

وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (14) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (16) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (17) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (18) «1» .

فقد روي عن ابن مسعود والسيدة عائشة- رضي الله عنهما- أن المرئي هو جبريل «2» ، راه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على هيئته التي خلق عليها، ولم يره على هذه الحالة إلا مرتين: الأولى وهو نازل من غار حراء، والثانية ليلة المعراج.

– المساجد الثلاثة المشرفة التي تشدّ إليها الرحال: المسجد الحرام، والمسجد النبوي بالمدينة، ومسجد بيت المقدس. وأما الدنيوية فلما يحيط به من الأنهار الجارية، والزروع والبساتين. «لنريه من اياتنا» هي ما أراه الله لنبيه في هذه الليلة من مخلوقات الله وجلاله وسعة ملكه، وعجائب صنعه، وما أفاض به على قلبه من فيوضات ربانية، وعبّر «بمن» لأن الله أرى نبيه بعض آياته لاكلها، إذ آيات الله لا تنتهي، ولا يحيط بها قلب بشر «إنه هو السميع البصير» عدة للمؤمنين بالإسراء بالثواب الجزيل، ووعيد للمنكرين والمشككين.

(1) الآيات 13- 18 من سورة النجم.

(2) وروي عن ابن عباس أن المرئي هو الله سبحانه وتعالى؛ والأول هو الصحيح المعتمد، وعلى رأي ابن عباس فالاية دالة أيضا على المعراج، لأنه يرى أن ذلك كان ليلة المعراج.

قال الإمام ابن كثير في تفسيره «1» ما خلاصته مع التوضيح: وقد رأى النبي صلّى الله عليه وسلّم جبريل- عليه السلام- على صورته التي خلقه الله عليها مرتين:

الأولى عقب فترة الوحي، والنبي صلّى الله عليه وسلّم نازل من غار حراء، فراه على صورته له ستمائة جناح قد سدّ عظم خلقه الأفق، فاقترب منه، وأوحى إليه عن الله عز وجل ما أوحى، وإليه أشار الله بقوله:

عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (7) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (8) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (9) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (10) «2».

والثانية: ليلة الإسراء والمعراج عند سدرة المنتهى، وهي المشار إليها في هذه السورة «النجم» بقوله: «ولقد راه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى» .

[الإسراء والمعراج بالجسد والروح]

جمهور العلماء- سلفا وخلفا- على أن الإسراء والمعراج كانا في ليلة واحدة، وأنهما كانا في اليقظة بجسده وروحه صلّى الله عليه وسلّم، وهذا هو الذي يدل عليه قوله تعالى في مفتتح سورة الإسراء «بعبده» ، إذ ليس ذلك إلا الروح والجسد.

وقد تواردت على ذلك الأخبار الصحيحة المتكاثرة، والنصوص على ظواهرها ما لم يقم دليل على صرفها عن ظاهرها، وأنّى هو؟

وفي الأحاديث الصحيحة أنه شق صدره الشريف، وركب البراق، وعرج به إلى السماء، ولاقى الأنبياء، وفرضت عليه الصلوات الخمس، وأن الله كلمه، وأنه صار يرجع بين موسى- عليه السلام- وبين ربه عز وجل، مما يؤكد أنهما كانا بجسده الشريف وروحه، وينفي ما عدا ذلك.

(1) تفسير ابن كثير والبغوي ج 8 ص 96 وما بعدها ط المنار.

(2) الآيات 5- 10 من سورة النجم، والضمير في قوله: «فأوحى» عائد على جبريل وهو الظاهر المقبول، لأنه المتحدث عنه قبل، وقيل: عائد على الحق تبارك وتعالى، وهو بعيد مردود لما فيه من تفكيك النظم الكريم، وأما الضمير في «عبده» فهو راجع إلى الله سبحانه فحسب، أي فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى، أو فأوحى الله إلى عبده محمد ما أوحى بوساطة جبريل.

المادة من كتاب: « السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة »

الكاتب: محمد أبو شهبة

SHARE

اترك تعليق