د. ناجح إبراهيم

الإسلام كتب علي المسلمين الشورى والعدل ومساءلة الحكام وهي مبادئ ثابتة لا تسقط بإسقاط المجتهدين لها,ثم ترك لهم أن يضعوا”القوالب والصيغ”التي تستطيع من خلالها هذه المبادئ أن تؤتى أكلها في إطار الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لكل دولة. اكتفاء الوحي في كثير من الأمور بالإجمال دون التفصيل ينطوى علي تفويض الناس في اختيار الوسائل والتفاصيل التي يرونها أكثر قدرة علي تحقيق مقاصده في رعاية مصالحهم،كما ينطوى علي إقرار ضمني بجواز اختلاف وسائل التطبيق وصوره باختلاف الأزمنة والأمكنة والظروف المحيطة بواقع التطبيق.

شمول الإسلام وكفايته لا يعني أنه فيه “تفاصيل النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية” وإنما يعني أن فيه”مبادئ وأخلاقيات تساعد علي انبثاق نظم حضارية”ولهذا فإن النظم الحضارية”محاولات بشرية””لاوحي منزل”. التمييز بين”الوحي” وطرائق تحويله إلي نظم هو أحد المفاتيح الرئيسية للانطلاق نحو الاندفاع الحضارى المتحرر من عقبات التخويف المستمر بالخروج عن الإسلام. الذين يسرفون في الإلحاح علي تمييز الإسلام والمسلمين تميزاً شاملاً محجوجين بالقرآن الذي مدح الأنبياء السابقين وبحقيقة وحدة الإنسانية ووحدة مصدر الأديان السماوية. ينبغى إسدال الستار علي الثنائية البغيضة”تعارض العقل مع النقل”كما لو كان أحدهما من عند الله والآخر من عند غيره.

إذا وقع التناقض بين العقل والنقل فهو تناقض موهوم لبعض العقول الغير سوية. لابد أن يستقر في العقل المسلم”أن الإيمان فريضة وأن العلم هو الآخر فريضة”وأن الله تعال أنعم علينا بكتابين،كتابه الموحي به وكتابه الأكبر في الكون والتاريخ وفي ثنايا الوجود والإيمان والتصديق هما السبيل لاستقبال كتاب الله الأول”القرآن”والبحث والتجربة والنظر وإعمال العقل هو السبيل لاستقبال كتاب الله الأكبر المبثوث في آفاق النفس والكون والخلق. منهج الإسلام في تقرير الحل والحرمة منهج توسعة علي الناس وتخفيف عنهم فما خير رسول الله بين أمرين إلا واختار أيسرهما ما لم يكن إثماً.

حين تنفصل الأحكام عن غاياتها وتنفك الرابطة بين التكاليف الشرعية ومقاصدها،فإن المنفعة تفوت والمصلحة تغيب،ويقع الناس بذلك في العسر والعنت. أزمة المتشددين أنهم يرون أنفسهم أوصياء علي الدين وعلي الناس. التشدد لا يغلق أبواب الشر ولكن يفتحها. تحريم الحلال لا يقل إثماً عن تحليل الحرام. شريعة الإسلام بنيت علي التيسير ورفع المشقة والحرج. من لم يستعمل عقله لم ينتفع بدينه. رفع شعار حاكمية الله علي أسنة الرماح كان مدخلاً لباطل وسبيلاً إلي ظلم. الطاعة المطلقة لأمير الجماعة هي الباب الذي يندفع منه جموع الشباب إلي مصارعهم وإهلاك الحرث والنسل من حولهم. المسلم لا يحتاج إلي شهادة أحد أو وساطة أحد حتى يكون مسلماً.

من أهم أسباب التطرف عدم التفرقة بين”الشريعة”وهي الجزء الثابت من أحكام الإسلام و”الفقه”وهو تفسير الرجال للجزء الثابت ولذلك فهو متغير. إذا تأملت هذه الكلمات عرفت قدر صاحبها الذي نطق بآلاف الحكم العميقة مثلها أو أفضل منها. إنها غيض من فيض علم وفكر العلامة فخر أسيوط ومصر د/كمال أبو المجد الذي أثرى الدنيا بأخلاقه والعلم بموسوعيته النادرة والفكر الإسلامي بوسطيته والسياسة بواقعيته,والحياة بدعوة الحوار لا المواجهة ، إنه سيارة الإطفاء لأي صراع سياسي أو مذهبي أو ديني،وللأسف فقد حرقنا هذه السيارة ولم نستفد منها. إنه الأب الروحي لعشرات الأفذاذ من أبناء مصر ومنهم د/أسامة الباز د/سعد الدين إبراهيم د/علي الدين هلال وكمال الإبراشي، د/طارق البشرى
د/سليم العوا أما تلاميذه من أساتذة القانون والقضاة وفقهاء الدستور فلا حصر لهم،رحمه الله رحمة واسعة.

SHARE

اترك تعليق