حورية عبيدة
قد يكون كلامي هذه المرَّة صادمًا للكثيرين؛ لكنه نتاج تفكير عميق فيما آلت وتؤول إليه أوضاعنا في عالمنا العربي، فكلنا نعلَم أن الديمقراطية نتاج ثقافي حضاري، وليست نبتًا شيطانيًا مفاجئًا، كما لا يجوز زرعها في بيئة جدباء غير مناسبة، وأن الحاجَة المُلحّة لها-قطْعا- لن تكون إلا نتاجًا للقهر الشديد والمعاناة التي يرزح الناس تحتها في ظل الأنظمة الديكتاتورية، ورغم أنّي أرفض فكرة الغرب التي تتهم العرب بأنهم لا يصلحون للديمقراطية، إلا أنه في ذات الوقت أرى أنه يجب إضافة كلمة “الآن” لتصبح الجملة الصحيحة: “أن الديمقراطية لا تصلح لنا الآن”.
بنظرةٍ مُتأنية للثورات التي قامت في ربوع عالمنا العربي وابتهاجنا بها تلك التي علقنا عليها أحلامنا وآمالنا، نرى كيف أن المسألة لا تتعدّى قوى عسكرية أو مدنية سقطَت بفعل استبدادها لشعوبها، تولّت بعدها قوى عسكرية أو مدنية؛ مازالت تُوجَه إليها أصابع الاتهام بممارستها للاستبداد مثل سابقتها!
ثورات قامت بلا قادة، زحفت الشعوب بعد أن عانت من خواء البطون وفساد الحكّام، وبعد أن دانت لها الأمور وسقط الطغاه من فوق عروشهم؛ اختلف الثوّار فيما بينهم كيف يديرون البلاد، فتكالبت قوى عسكرية أو مدنية على مقاليد الحكم وأعادت كرة الاستبداد ثانية، والحال في معظم دول الربيع العربي -والآن الجزائر والسودان خير برهان- إذن أين مَكمن الخلل؟
لا شك أن موروثنا الإسلامي الحضاري يُعلي من شأو وقيمة الإنسان، والشواهد القرآنية والنبوية واضحة وجلية، ووصية النبي صلى الله عليه وسلم: “أمرُكم شورَى بينكم” لا تحتاج لكثير من التبيين، ومقولة عمر بن الخطاب: “متى استعبدتم الناس وقد ولدَتهم أمهاتهم أحرارا” يشي بخلافة موصوله بالنهج النبوي القويم، ولكن جاءنا حين من الدهر انتكست فيه الحضارة العربية الإسلامية بفعل عوامل داخلية وخارجية، ومع الانتكاسة توارت القيم، وانسحب التدهور على كثير من مناحي حياتنا منها دون شك التعليم والثقافة والتربية.
نمت أجيال متواضعة في التعليم والتفكير، تفتقد قيمة احترام رأي الآخر مهما اختلفنا معه، لا تعي أدب الحوار -إلا من رحمَ ربي- انسحب كل ذلك على كافة مناحي الحياة، ومنها السياسية بالطبع، فكان التزوير والأحزاب الكارتونية وإشاعة المفاهيم السياسية والفكرية الخاطئة خير مُعين ليتولّي الاستبداد مقاليد الحكم في الأوطان.
الذي أود قوله هو أنّي لست متفائلة بما يدور من ثورات وغليان من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر، وأنتظر بين الفينة وأختها سقوط نظام مستبد ليتربع مكانه نظام مستبد غيره، والدهشة لن تأخذني بعيدًا؛ حين نرى مستبد يُنصّب نفسه مكان مستبد آخر! وانظروا ثانيةً للسودان.
السؤال الواجب طرحه، أين وكيف المَخرج؟ والجواب يكون بالعودة إلى بداية مقالي،فكما قلتُ أن الديمقراطية نتاج ثقافي حضاري، ليست نبتًا شيطانيًا مفاجئًا، ولا يجوز زرعها في بيئة جدباء غير مناسبة، ما الذي ينقص بيئتنا كيلا تكون جدباء؟ ينقصها نظام تعليمي حقيقي، يتعلم فيه الفرد كيف يستمع وكيف يناقش، كيف يطالب بحقوقه وحريته كما يؤدي واجباته، يفهم ثقافته ودينه اللذَين يعليان من شأن الإنسان وقيمته، يتعلم كيف يكوِّن أسرة سوية تحترم آراء أفرادها، ولا يمارس الكبت والقهر والرقابة عليهم ومصادرة آرائهم -فالأسرة نظام مُصغر للدولة، والأسرة المستبد أفرادها ينتجون وطنًا سقيمًا- وقتها ستتكون أحزاب ومؤسسات حقيقية تعي معنى الديمقراطية واحترام حقوق الآخر، وساعتها تكون الأرض الجدباء قد تخصّبت وأثمرت وأينعت نظامًا ديمقراطيًا حقيقيًا يليق بالشعوب.
التربية والتعليم هما اللذان يصنعان إنسان المستقبل، إنسانًا يملك من الوعي ما يجعله قادرًا على إدارة دفة الوطن، والكلام لا يحتاج لبيان حين نرى الدول الأكثر حرية وديمقراطية هي التي ترتفع فيها نسب التعليم وتنخفض بها الأمية أو تكاد تنعدم، والعكس صحيح في الدول الديكتاتورية، فالديمقراطية ليست نظام حُكم بقدر ما هي قيمة وممارسة نتعلمها ونتربى عليها.. وعلى هذا فلا أظن أن جيلنا ولا جيل الشباب سيتنفس حُكمًا ديمقراطيًا حقيقيًا في وطننا العربي، الأمر يحتاج لعقود؛ ريثما تكون لدينا الرغبة الأكيدة لتأسيس نظام تعليمي تربوي جاد يُنتج شعبًا وقادة يدركون قيمة الديمقراطية وقادرين على تطبيقها والتمتع بها.

اترك تعليق