د. ناجح إبراهيم
جاء مريض يعاني من نزيف داخلي إلي إحدى المستشفيات المركزية،فحصه الجراحون شخصوه بأنه نزيف داخلي ناتج عن تمزق في الطحال,قال أحد الجراحين الشباب الحاصل علي الزمالة البريطانية:ندخله العمليات الآن ونوقف النزيف ونستأصل الطحال. أجابه رئيس القسم:لا.. لن نجرى له جراحة فاحتمالات وفاته كبيرة أثناء الجراحة,وإذا حدث ذلك سيأتى الأهالي ويحطمون المستشفي وسنذهب إلي النيابة وسنبيت في القسم مع الحرامية والمجرمين وسيضربنا الأهالي علقة ممتازة. قال الجراح الشاب:وماذا نفعل،أجابه رئيس القسم:سنحوله إلي المستشفي الجامعي فوراً وهم يتعاملون معه فإن مات عندهم وهم في عاصمة المحافظة لن يستطيع الأهالي فعل شيء. قال الجراح الشاب:سيموت في الطريق فالنزيف شديد. رئيس القسم:عندما يموت في الطريق,فهذا قدره،وسننجو مع المستشفي ولن تحدث الكوارث والمصائب عندما يموت عندنا وهو في غرفة العمليات أو بعد الجراحة فلن يرحمنا الأهالي وأكثرهم من القرى ومعهم العشرات من الأقارب. تم نقل المريض إلي المستشفي الجامعي الذي يبعد40كم عن المستشفي المركزى,مات المريض في الطريق,مرت الأمور بسلام علي رأي رئيس القسم. هذه هي النتيجة الطبيعية والتي ستحدث في كل المستشفيات مع كل الحالات الحرجة سواء جلطات القلب أو السكتة الدماغية أو نزيف وجلطات المخ أو الانسداد المعوى أو النزيف الداخلي إذا جاءت لمستشفيات وزارة الصحة ليقوم الأطباء بدحرجتها إلي المستشفيات الجامعية لتموت هناك أو تموت في الطريق,لأن كل لحظة مع هذه الحالات ثمنها غالٍ،وخاصة مع تردى منظومة الإسعاف وانتشار الرشوة بها لإيصال الحالات السهلة إلي المستشفيات الخاصة مقابل خمسمائة جنيه لكل مسعف عن كل حالة. أطباء هذه المستشفيات سيدحرجون هذه الحالات عمداً حتى لا يدخلوا السجون ظلماً وزوراً لأنهم كانوا أمناء وحاولوا إنقاذ حالات ميئوس منها,وستتحطم مستشفياتهم وسيضربون علقة ساخنة,وفي كل الحالات سيذهبون للنيابة العامة والإدارية ,وكرامتهم ستذهب أدراج الرياح مع كل يوم يبيتونه في القسم مع الحرامية والبلطجية وعادة ما تكون أربعة أيام علي ذمة التحقيق بحجة تهدئة نفوس الأهالي.   هذه القصة ستتكرر مراراً كنتيجة لتحطيم واحدة من أفضل وحدات قسطرة القلب في مصر تكلفت 20 مليون جنيهاً بواسطة الهجوم البربري من 170 بلطجياً تابعاً لمريض مدمن استروكس دخل المعهد بجلطة سدت70 % من شريان القلب ولديه جلطة سابقة بالمخ,أجريت له قسطرة ودعامات مجاناً وكتب شقيقه إقراراً علي نفسه بخطورة الحالة. مات المريض وقامت القيامة,ولو أن كل مريض سكتة دماغية أو جلطة قلب أو قلب مفتوح مات في غرفة عناية مركزة أو غرفة عمليات ثار أهله وحطموا المكان ما بقيت غرفة عمليات أو عناية في مصر. المريض المصرى مهمل بطبعه ولا يحب العلاج ويكره التداوي المتواصل ويستهين بعلاجات السكر والضغط ويحضر للمستشفي بعد وقوع الكارثة ثم يتوقع الشفاء السريع,ولكن هيهات هيهات,وخاصة بعد ارتفاع أسعار كل شيء ومنها الخدمات الطبية لأن مصر لا تصنع أي شيء من المستلزمات الطبية ولا أجهزتها. ماتت ابنتى نوران بعد جراحة قلب مفتوح في اليوم التالي ورغم ذلك مازلت أقدر جهد الجراحين اللذين أجريا لها الجراحة لأنهما قاما بواجبهما دون تقصير. ثقافة تحطيم المستشفيات والاعتداء علي الأطباء وطواقم التمريض هي سياسة شعبية متكررة وكلنا يذكر الأيام العصيبة التي مرت بالأطباء والمستشفيات أيام الانفلات الأمني الذي أعقب ثورة 25 يناير,ويذكر أن المستشفيات الكبرى جميعاً تعرضت لمخازى كلنا يعرفها. لا أكاد أقابل طبيباً متميزاً إلا ويريد السفر إلي كندا أو أستراليا أو أوربا,أما الذين يحبون البقاء في مصر فقد قدموا أجازات بدون مرتب ليستريحوا من سلسلة الاهانات المتكررة والتحقيقات الادارية والجنائية المستمرة. كل المؤشرات تقول أن وزارة الصحة المصرية ستعاني خلال عدة أعوام من نقص حاد في الأطباء في كل التخصصات الدقيقة,المنظومة الصحية المصرية تحتاج لرؤية جديدة وحديثة وواقعية وعملية.

اترك تعليق