إسماعيل منتصر

فى مقدمة كتابه الرائع الجميل “أيام لها تاريخ” يقول الكاتب الراحل العظيم أحمد بهاء الدين:

أيها القارئ.. هل عرفت أحدث تعريف للإنسان.. لقد قيل مرة إنه حيوان ناطق ثم تبين أن الببغاء تنطق وقيل إنه حيوان ضاحك ثم تبين أن القرود تضحك.. وقيل إنه حيوان عاقل ثم تبين أن كل الحيوانات تعقل وإن كان العقل درجات.

وحار العلماء طويلا فالإنسان كائن حى يأكل ويشرب وينام ويعقل كغيره من الحيوانات ولكن المؤكد أن هناك شيئا ما يميزه عن الحيوان.. شيئا ارتقى به حتى أصبح هذا السيد الذى يحكم الحيوان والجماد ويقهر الطبيعة..

وأخيرًا اهتدى العلماء إلى التعريف الدقيق.. “الإنسان حيوان له تاريخ”.

ويشرح الكاتب مقصده فيقول: ما معنى ذلك؟.. معناه أن الميزة الأولى التى تميز الإنسان عن غيره من الحيوانات هى أن كل جيل من البشر يعرف تجارب الجيل الذى سبقه ويستفيد منها.. وأنه بهذه الميزة – وحدها – يتطور.

وعلى العكس من ذلك الحيوان.. فالأسد أو القط أو الكلب الذى كان يعيش على الأرض منذ ألف سنة لا يمكن أن يختلف عن سلالته التى نراها اليوم.

ويمضى العظيم أحمد بهاء الدين خطوة أبعد فى شرح مقصده فيقول: أنت تستطيع اليوم أن تصطاد الفأر بنفس الطريقة التى كان يتم اصطياده بها منذ زمن قديم.. مصيدة وقطعة جبن!.. والسبب أن الفئران ليس لها تاريخ ولا تستفيد من تجربة.. هى لا تعرف أنه فى اليوم السابق دخل الفأر ليأكل الجبن فأغلقت عليه المصيدة وهى قد تعرف ولكنها لا تدرك المغزى، فلا تتحاشى أبدًا قطعة الجبن.

وعلى العكس من ذلك.. الإنسان.. إنه يعرف ما أصاب أسلافه بالأمس ومنذ مائة سنة ومنذ آلاف السنين.. فهو قادر على أن يتجنب ذلاتهم ويستفيد من تجاربهم ويضيف إلى اكتشافاتهم.. وكل جيل لا يبدأ من جديد ولكن يضيف إلى ما سبق.. وهذا هو التقدم.

ويصل الكاتب إلى بيت القصيد فيقول: لا يكفى أن تعرف حوادث التاريخ لكى تحسب أنك قد تعلمت التاريخ، فالأهم أن تستخلص من هذه الحوادث عبرتها.. على أى شىء تدل.. وفى أى طريق يمضى التاريخ.. فإن ذلك يجعلك تعلم ما سوف يحدث، ويجنبك أن تكون رجعيًا ويحميك من السير وراء دعوات برّاقة فات وقتها.

والتاريخ هو الفرق بين الإنسان الواعى وغير الواعى.. الإنسان غير الواعى لا يرى إلا قطعة الجبن.. ولكن الإنسان الواعى يرى قطعة الجبن ويرى المصيدة!

وإذا كان أكثر ما يطفو على سطح الأحداث هذه الأيام هو ذلك الصراع بين جماعة الإخوان وبين الدولة المصرية.. فإن السؤال الذى يحتم علينا أن نجد له إجابة طبقا لما تعلمناه من مقدمة الأستاذ أحمد بهاء الدين يكون: ماذا تعرف عن تاريخ الجماعة؟.. وإذا عرفت ماذا تفعل لكى تتجنب إغراء قطعة الجبن فتقع فى المصيدة؟!.. هيا بنا نعرف.

يقول تاريخ جماعة الإخوان إن مؤسسها حسن البنا.. أول مرشد عام للجماعة قام بتأسيس ما يسمى بالجهاز الخاص أو الجهاز السرى للجماعة.. وقد قام هذا الجهاز بتنفيذ العديد من العمليات الإرهابية.. تفجيرات وإحراق محال تجارية واغتيال قضاة وساسة مثل المستشار الخازندار والنقراشى باشا.. ثم محاولة نسف محكمة استئناف القاهرة.

ولا يزال التاريخ يذكر ما حدث صباح يوم 22 مارس 1948 فى ضاحية حلوان.

كان المستشار أحمد الخازندار رئيس محكمة جنايات مصر على وشك ركوب القطار متوجهًا إلى عمله عندما قام اثنان من أعضاء الجهاز الخاص لتنظيم جماعة الإخوان وهما محمود زينهم وحسن عبد الحافظ بإطلاق الرصاص عليه فأردياه قتيلا.

كان سبب اغتيال المستشار الخازندار هو قيامه بإصدار أحكام إدانة على أعضاء فى الجهاز الخاص للجماعة بعد قيامهما بارتكاب أعمال عنف وتفجير.

وهكذا اقترن العنف والإرهاب بجماعة الإخوان منذ تأسيسها.. وبدأت الحكومات تطارد الجماعة وتضيق الخناق عليها حتى تم اغتيال المرشد العام حسن البنا كنوع من الانتقام من جانب الحكومة لما قامت به الجماعة من عمليات إرهابية.

الغريب أن أعضاء جماعة الإخوان وقياداتها لا زالوا يتمسكون بأن الجهاز الخاص للجماعة هو أكبر كذبة اخترعها خصوم الجماعة وأن هذا الجهاز تم إنشاؤه لتحرير فلسطين لكنه انحرف عن هدفه فتم حله بعد اغتيال حسن البنا.

ويدلل الإخوان على صحة مزاعمهم بأن المرشد العام الذى اختارته الجماعة عقب اغتيال حسن البنا كان المستشار حسن الهضيبى.. وهو رجل قانون من المستحيل أن يؤمن بالعنف.. وفى نفس الوقت فإن اختيار الجماعة له يعنى أن الجماعة قررت أن تتمسك بالقانون وتبتعد عن العنف.

وهكذا يزعم الإخوان أن المستشار الهضيبى قام بحل الجهاز الخاص وأصبحت الجماعة مجرد جماعة دعوية هدفها الوحيد نشر الدعوة الإسلامية.. بالحسنى وليس بالعنف.

هل تم حل الجهاز الخاص للجماعة؟.. هل تخلت عن العنف والإرهاب؟

كان المسئول عن الجهاز الخاص هو الإخوانى عبد الرحمن السندى.. وعندما اختارت الجماعة المستشار الهضيبى مرشدًا لها بدا واضحا أن الكيمياء لم تمزج بين الاثنين.. المرشد وقائد الجهاز الخاص.

كانت وجهة نظر عبد الرحمن سندى أن المستشار الهضيبى دخيل على الجماعة ولم يكن يستحق أن يتم اختياره مرشدًا عامًا.. فكان يتصرف بأسلوب المتمرد الذى لا يعترف بقائده.

وليس هناك شك أن المستشار الهضيبى شعر بكراهية للرجل الذى لم يعترف به.

هكذا تفجر الخلاف بين المرشد الهضيبى وقائد الجهاز الخاص عبد الرحمن السندى.

فى نفس الوقت استطاع جمال عبد الناصر اختراق جهاز الإخوان السرى عن طريق عبد الرحمن السندى.. وشعرت الجماعة بالخطر وشعر مرشدها الجديد المستشار الهضيبى بأن مسئولياته تحتم عليه إنقاذ الجماعة فقرر التخلص من السندى وقام بتعيين إخوانى آخر كقائد للجهاز الخاص هو المهندس سيد فايز.

كان سيد فايز على علم بالخلاف الحاد بين المرشد الجديد الهضيبى ورئيس الجهاز الخاص عبد الرحمن السندى.. فانتهز الفرصة وحاول التقرب من المرشد خاصة أنه كان هناك عدم انسجام بينه وبين السندى.

ولم يسكت السندى على فصله وتعيين قائد آخر بديلاً له فقام بالتخلص من المهندس سيد فايز باستخدام علبة حلوى للمولد النبوى وضع بداخلها متفجرات وبعث بها لمنزله أثناء غيابه.. فلما عاد وفتح العلبة انفجرت فقتلته وقتلت شقيقه وأصابت باقى أفراد أسرته بجروح بالغة.

المهم أن الجهاز السرى لم يتم حله كما يزعم الإخوان.. والدليل أن المرشد العام الجديد قام بفصل رئيس الجهاز السرى وتعيين شخص آخر مكانه، ولو أنه قام بحل الجهاز كما يزعمون لما أصدر قرارًا بتعيين قيادة جديدة له.

ويتصاعد الصراع بين عبد الناصر والإخوان خاصة بعد محاولة اغتياله فى ميدان المنشية بالإسكندرية.. بعدها تصاعد الخلاف بينهما بشكل أكثر حدة وخطط الإخوان عن طريق سيد قطب للقيام بأعمال إرهابية غاية فى الخطورة هدفها إغراق البلاد فى الفوضى لإسقاط نظام عبد الناصر.. وتمكنت أجهزة الأمن من كشف مخططات الإخوان فى وقت مبكر واستطاعت إنقاذ مصر من براثن الإخوان.

وتمر الأيام ويتولى أنور السادات المسئولية خلفا لجمال عبد الناصر.. ويتصاعد الخلاف بين التيار الناصرى وبين الرئيس السادات الذى يقرر الإفراج عن الإخوان لكى يساعدوه فى مواجهة الناصريين.

ويخرج الإخوان من السجون التى اعتقلهم فيها جمال عبد الناصر.. ويبدأون بالفعل فى التصدى للتيار الناصرى لكنهم سرعان ما انقلبوا على الرئيس السادات واغتالوه.

ويتولى المسئولية حسنى مبارك خلفا للرئيس السادات فيعيد الإخوان إلى السجون.. وتمر الأيام وتقع أحداث 25 يناير 2011 وتتصاعد الأحداث ويكتشف المصريون أن تنظيم الإخوان لا يزال يحتفظ بجهازه السرى الخاص وأن هناك ما يسمى بالخلايا النائمة كانت جاهزة للتحرك فى الوقت المناسب.

وتنكشف نوايا الإخوان بعد وصولهم للحُكم ويكشفون عن وجههم القبيح عندما يبدأون فى تنفيذ عمليات إرهابية تستهدف رجال الجيش والشرطة والقضاة وغيرهم من المصريين.

أيها القارئ.. هل عرفت الآن تاريخ الإخوان؟.. هل عرفت الآن أنها جماعة تنتهج العنف والإرهاب ولا تستطيع أن تتخلى عنهما.. وليس صحيحا أنهم “ناس بتوع ربنا” كما يزعمون ولكنهم جماعة تسعى للحكم بأى طريقة وبأى ثمن.

أيها القارئ.. اقرأ تاريخ الإخوان جيدًا واستفد منه حتى لا تغريك أبدا قطعة الجبن فتقع فى المصيدة (!!).

اترك تعليق