عاطف عبدالغنى رئيس بوابة دار المعارف الصحفية

آلاف الأخبار، ومئات التحليلات، والمقالات والتقارير، عن التعديلات الدستورية ما بين شرح وتوضيح، وتناول موضوعى وآخر يفتقر لأى موضوعية، حين يغرق فى كيل الاتهامات، والتخويف، والتسفيه، وهى بضاعة الإخوان وأعداء هذا الوطن، ولن نتوقف عندها، لكن يجب أيضا أن نوضح أن الكلام الموضوعى نحى كثيرا نحو «التنظير» أى الكلام النظرى الذى استغرقته النصوص ولم ينزل إلى أرض الواقع، السياسى والاجتماعى، وتحديدا ما يرتبط فى الموضوع بمنصب رئيس الجمهورية.

وكثير من أهل الفتوى الدينية، عندما تطرح عليهم مسألة فقهية يغوصون فى النصوص، ثم يخرجون برأى هو فى ظاهره لا يخالف الشرع، لكنه قد يخالف بشدة واقع الحال تمامًا فيسقطوا مبدأ إسلامى عتيد وهو «حيثما تكن المصلحة فثم شرع الله» وهذا ما يسميه العلماء «فقه الواقع»، ومع فارق القياس فالمسألة السياسية التى نتحدث فيها هنا مرتبطة بمصالح الناس ومعايشهم، ومستقبل أيامهم.

دعونا نسأل بشكل صريح وواضح ودون لف ودوران، هل هناك احتياج حقيقى للتعديلات الدستورية المطروحة؟

ودعونا نمضى خطوة أكثر صراحة فيما يتعلق بالتعديلات الخاصة بفترة الرئاسة والتى سوف تتيح للرئيس عبد الفتاح السيسى فى حال موافقة الشعب على التعديلات الدستورية أن يستمر فترة أطول فى الحُكم.

(1)

كثيرون سبقونى فى الإجابة على السؤال بالإيجاب، وأنا هنا لا أزايد علي أحد، ولا أشكك فى طرحهم القائل إننا نحتاج أن يستمر الرئيس لاستكمال مشاريع قد بدأها، وإنجازات، وخطط مستقبلية، وهذا حق للشعب إذا اختاره فى الاستفتاء القادم بعد ساعات، أليست هذه الديموقراطية التى اكتشف الإخوان قبل سنوات قليلة فقط أنها ليست كفرا، ولا عصيان لله.

ويمكن أن نعود إلى ما انتهى إليه تقرير لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب، عن التعديلات، وقد شمل تقريرها، جميع اقتراحات التعديلات، ومحاضر الاجتماعات، وجلسات الحوار وكل الآراء والمقترحات من جميع أعضاء اللجنة التشريعية، والتفسيرات القانونية بكل الأطروحات المختلفة التى جرى مناقشتها على مدار أيام، وفى جلسة واحدة من هذه الجلسات التى عقدت مساء الأربعاء 20 مارس الماضى وشارك فيها 30 من رؤساء الجامعات المصرية وأساتذة القانون الدستورى، وممثلين عن المؤسسات الدينية من علماء الأزهر الشريف وقيادات الكنيسة المصرية وممثلين عن المجلس القومى لتنظيم الإعلام، وبعض الإعلاميين والصحفيين.. جاءت نتيجة عمل الجلسة كالتالى: «أيد ممثلو الأزهر الشريف والكنيسة التعديلات الدستورية المقترحة، بدافع أن هناك تحديات تواجه البلاد وأن الدستور حق، والديمقراطية وليدة الساعة، وجميع الكتب السماوية دعت إلى تحقيق الخير للبشر..» (انتهى).

وذكر تقرير البرلمان المشار إليه – أيضًا – أنه كانت هناك بعض الملاحظات حول التعديلات المقترحة لكن النتيجة النهائية الموافقة على التعديلات بما فيها المواد الخاصة بالرئيس ونائبه والحلول المؤقت محل رئيس الجمهورية.

لقد استطلع البرلمان مئات الآراء من النخب بما فيها رأسى الأزهر، والكنيسة، وفى المجمل اتفقت الآراء على أن المصلحة الوطنية فى هذه التعديلات، هل تطمئن إلى هذا وتعتصم به؟! أم تخشى لعنات الإخوان ودعاءهم عليك وقباحاتهم على صفحات الـ «فيس وتويتر» ؟

(2)

لا شك أن هناك من يقبل هذه التعديلات أو يعارضها عن قناعة، لكن هناك أيضًا من يعارض دون أن يعرف أو يفهم، أو يعارض لهوى، ولغرض إظهار المخالفة، والبطولة الزائفة، لكننى أعود وأقول إنهم ليسوا كثيرين من فكروا فى الأمر، ووصلوا إلى قرار  بعد دراسة «الفرصة البديلة»، من أبحروا فى الواقع الحاضر والقريب، ولم يقفوا على شاطئ النصوص.

وإذا كان الإغراق فى التنظير عن الدساتير وتاريخها والتغييرات التى طرأت عليها، والمواد الموجودة وتلك المستحدثة، إلى آخره، لا يلبى طموح رجل الشارع، والمواطن البسيط فى الفهم، وكذا لغة المشاعر التى كثيرا ما تخدع، كان لابد أن نركّز على الواقع وتحليلاته.

والواقع الذى نعيشه من خلال الأحداث يؤكد أن هناك فى الداخل، وعلى الحدود القريبة، وفى تركيا، وقطر من يتربص بنا، ويخطط، ويعمل، ويعّكر ليصطاد، ويدخل فى تحالفات فيها خيانة لله وللوطن، لأغراض الوصول للسلطة (ويسمونها الشرعية) ويدعّون أنها سلبت منهم؟ هذا ما أعرفه، وأنام وأصحو عليه منذ سنوات مثل ملايين المصريين.

(3)

وقبل انتخابات الرئاسة التعددية الأولى لمصر فى العصر الحديث، والتى جرت عام 2005، وترشح فيها أيمن نور وغيره أمام الرئيس الأسبق مبارك، رصدنا فى تحقيق صحفى نشر فى مجلة «أكتوبر» التحالفات الانتخابية المشبوهة، وكان عنوان التحقيق: «الذين خلعوا أحذيتهم على باب المرشد» وكان أول هؤلاء هو أيمن نور نفسه، الحصان الذى راهن عليه الغرب فى فترة التمهيد لإطلاق مخطط الربيع العربى، لقد ذهب نور إلى حى المنيل حيث مقر الجماعة القديم قبل نقله إلى المقطم، وخلع حذائه على باب الشقة، حيث لا تسمح الإخوان لضيوفهم الخوض بأحذيتهم في مقر الجماعة خشية تدنيسه، وجلس مرشح الرئاسة منافس مبارك بين يدى المرشد، واتفق معه، ثم نال بركته وسجل الحدث فى صور، فى واحدة منها وهو بين قيادات وكوادر الجماعة فى اصطفاف خلف المرشد الذى يأمهم فى صلاة، ولا نتألى على الله هو أعلم بمن اتقى.

وتوالت الأحداث، فى سنوات الفوضى وفى غياب قوى سياسية حقيقية منافسة، وانخداع من المصريين، نالت الجماعة دعم المصريين فى ميدان السياسة ما لا تستحقه، وبدت أكبر كثيرا من حجمها، فصارت بدعة التزلف إليها للتحالف ونيل البركة، سلوك محمود – بعد الابتداع – ينتهجه من يريد أن ينافس فى انتخابات على مستوى منصب رئيس الجمهورية، بعد أن كان يقتصر على انتخابات البرلمان.

.. ومن فضلك ارجع إلى الأحداث التى واكبت الانتخابات الرئاسية الأخيرة التى تمت العام الماضى (2018)، والانتخابات التى سبقتها، وراجع ما قلته على الأسماء التى ترشحت أو التى انتوت الترشح .. هل أريد أن أذكرك بالأسماء (حمدين صباحى، أحمد شفيق، سامى عنان، هشام جنينة) استعرض الأسماء، وتحركاتهم، اقترابا وابتعادا مع الجماعة الإرهابية المحظورة، واقتران ذلك بدعوات المصالحة المزعومة، وحاول أن تفهم ما وراء الأكمة.

(4)

وفى العلن (طول عمرهم) يصف الإخوان السياسة بالنجاسة، بينما يمارسونها فى الخفاء بمنتهى النفعية، ويسمون الديمقراطية بالكفر، لكنهم أحلوها وشرعوا لها، وابتدعوا حزبا سياسيا عندما نصحهم الأمريكان (فترة تحضيرهم هم والكوادر العلمانية أمثال أيمن نور)، إن الديموقراطية هى المطية التى ستوصلهم للحكم، وما زال المخطط قائما، وما زال هناك من يريد إعادة الإخوان للمشهد السياسى فى مصر بالذات.

.. والآن دعنى أقول لك أنه من حقك أن تقبل أو ترفض التعديلات، وبقاء الرئيس فى الحُكم لعدد من السنوات القادمة، لكن فكر كيف يخطط الإخوان لممارسة السياسة وتداول السلطة فى أقرب انتخابات من خلال مرشح إخوانى، أو من خلال صفقة يحملون فيها مرشحًا على أكتافهم، ولك أن تتخيل المقابل الذى سيحصلون عليه، والثمن الذى سندفعه نحن.

 

SHARE

اترك تعليق